هناك أحداثٌ فارقة في ميلاد الأمم، لا تقتصر آثارها على السنواتِ التالية لوقوعها فحسب؛ إذ تعيد تشكيل التاريخ. مرَّت الدولة العثمانية في عقود تشكُّلِها الأولى بالعديد من الحوادث الكبرى التي حوَّلتها لاحقًا لتصبح قوة إقليمية ولاعبًا عالميًّا تسيَّد الشرق ونفذتْ ضرباته إلى قلب أوروبا.

سنعود هنا أكثر من سبعة قرونٍ إلى الوراء، عندما كانت الدولة العثمانية محض دولة ناشئة في غرب الأناضول، تتحسَّس خطواتها الأولى في تلك الزاوية الوعرة من الجغرافيا والتاريخ.

في البدء كان المغول

كان الغزو المغولي الجارف لآسيا الوسطى والغربية خلال النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري)، من أبرز الأحداث المِفصلية التي شكَّلت تاريخ العصور الوسطى؛ فقد دفعت تلك الغزوات الكثير من السكان والقبائل التركمانية في آسيا الوسطى إلى الهجرة غربًا لتفادي هجمات المغول.

وكانت هضبة الأناضول هي آخر وجهة لعشيرة قاي، المنتسبة إلى قبيلة الأوغوز، والتي ينتمي إليها عثمان غازي بن أرطغرل، الذي اشتُقَّ من اسمه تسمية العثمانيين في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي، وسيطر على الأناضول في الشرق آنذاك المغول الإلخانيون – وثنيون أسلموا لاحقًا – وغربًا البيزنطيون، وهم مسيحيون أرثوذوكس، وأخيرًا سلاجقة الروم، بدولة مفككة عاصمتها قونية في وسط الأناضول، وهم مسلمون سُنَّة.

رأى سلاطين قونية في اللاجئين التركمان ومحاربيهم من عشيرة القاي وغيرها، إضافة قويةً لدولتهم المحاصَرة بالتحديات، وعلى رأسِها كلٌّ من المغول والبيزنطيين، عدا عن عوامل الضعف الأخرى وأهمها تصاعد نزعات الانفصال لدى الولاة والقادة المحليين؛ ما هدَّد بتفتت الدولة. ولذا خصصت قونية لهذه العشائر، ومنها عشيرة قاي، العديد من المناطق الحدودية الغربية القريبة للدولة البيزنطية، ليكونوا مسؤولين عن حمايتها والانطلاق منها للهجوم على البيزنطيين.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
بعيدًا عن مبالغات الدراما.. هذه هي السيرة الحقيقية للبطل التاريخي التركي «أرطغرل»

أرادَ سلاطين سلاجقة الروم ضرب عصفوريْن بحجرٍ واحد، الأول هو إبعاد هؤلاء الفرسان الوافدين الطموحين عن قونية، حيث معترك السياسة ومطامحها، والثاني هو الاستفادة من قوتهم وحماستهم الدينية في حماية الثغور والتوسع على حساب العدو البيزنطي. 

وقد تمركزت عشيرة الأمير أرطغرل، والد الأمير عثمان، في منطقة سوغوت غربي الأناضول، وهي منطقة مُرتفعة يسهل الدفاع عنها، وتقع على مقربةٍ من الطريق الرئيس من قونية إلى إسطنبول، القسطنطينية آنذاك.

ورغم ما شهده النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي من صحوة متأخرة للدولة البيزنطية باستعادة عاصمتها القسطنطينية عام 1261م بعد أن احتلَّها الصليبيون اللاتين 57 عامًا، فإن المدَّ الجهادي التركي نجح في كبح جماح البيزنطيين، وقلب الموازين تدريجيًّا في تلك المنطقة، لا سيَّما مع انشغال البيزنطيين في الدفاع عن ما تبقى من ممتلكاتهم في أوروبا الشرقية أمام هجمات أعدائهم اللاتين وغيرهم؛ مما شتَّت قدراتهم العسكرية والسياسية.

العثمانيون والصفحة الأولى من تاريخهم

ازدهرت إقطاعية أرطغرل وعشيرته مع هجرة المئات من السكان والمقاتلين إلى سوغوت وما حولها للانضمام له بعد فرضه الأمن والاستقرار في منطقته، على الرغم من قربها من الحدود مع البيزنطيين. ولم يكن الانتعاشُ الاقتصادي في تلك المنطقة بسبب غنائم الهجمات على المواقع البيزنطية القريبة فحسب، ولكن بسبب مرور طرق وقوافل التجارة في أراضي المنطقة.

جاء عثمان الأول بعد وفاة أبيه أرطغرل عام 1288م والذي كان انتزاع مدينة إسكي شهير – دوريليم – من البيزنطيين أهم إنجازاته.

ورث عثمان الأول عن أبيه الإقطاعية الصغيرة والتي أصبحت شبه مستقلة بعد أن تفكَّكت دولة سلاجقة الروم أكثر فأكثر تحت وطأة الانقسامات الداخلية، وهيمنة المغول الإيلخانيين من الشرق، ولم تكن الإمارة العثمانية هي الوحيدة في تلك المنطقة.

في كتابه «تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة»، يذكر المؤرخ محمد سهيل طقوش أن غربي الأناضول الملاصق لحدود الدولة البيزنطية اكتظَّ بالعديد من الإمارات والإقطاعيات التركمانية المحلية، ولكن تميَّزت إمارة أرطغرل، التي كانت نواة الدولة العثمانية فيما بعد، بأنها كانت الأقوى في محاربة البيزنطيين ما أكسبها صيتًا ونفوذًا متزايدًا بين بقية الإمارات.

«التحقَ بهذه الإمارات أعدادٌ كبيرة من الفقهاء والدراويش والمتصوِّفة، والذين قاموا بدورٍ مهم في تحويل تقاليدِ الفُتُوَّة التي عرفها المجتمع السلجوقي إلى فكرة الجهاد الديني»

* محمد سهيل طقوش، الفصل الأول من كتاب «تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى سقوط الخلافة»

يذكر طقوش أن عثمان أظهرَ كفاءةً إدارية وسياسية وعسكرية استثنائية، فكافأه آخر سلاطين سلاجقة الروم، علاء الدين كيقباد الثالث، بلقب «عثمان غازي حارس الحدود عالي الجاه»، وأقام عثمان شبكة قوية من التحالفات المحلية، لا سيَّما مع الأمراء التركمانيين أصحاب الإقطاعات القريبة، وركَّز قتاله مع حلفائه ضدَّ المغول والبيزنطيين، وإمارة كرميان المنافسة له في غربيِّ الأناضول.

ومع كل انتصار جديد، لا سيَّما ضد البيزنطيين، اكتسبت إمارة عثمان المزيد من النفوذ، وفي عام 1291م فتحَ العثمانيون قلعة قره جه حصار، جنوبي سوغوت، واتخذوها معقلًا عسكريًّا لهم، وهزموا عام 1302م جيشًا بيزنطيًّا كبيرًا في موقعة بافيوس قرب نيقية. هذه الإنجازات المتتالية على الأرض وضعت عثمان في المركز وجمعت حوله أبناء القبائل التركمانية في الأناضول، لتكبر كرة الثلج أكثر فأكثر.

وأمام هذا التمدد العثمانيِّ، حاول البيزنطيون عقد تحالفٍ واسع مع المغول الإيلخانيين بزعامة محمود غازان، لمحاصرة العثمانيين استباقًا لهيمنتهم على الأناضول.

حصار بورصة.. العثمانيون يبحثون عن عاصمة

«لم يكن الهدف من الجهاد تدمير عالم الكفر، أو دار الحرب، بل إخضاعه.. فقامت هذه الإمبراطورية بحماية الكنائس الأرثوذكسية وملايين المسيحيين، بالرغم من أنها اتّخَذَت الجهاد شعارًا لها»

* خليل إينالجيك، من أهم مؤرخي التاريخ العثمانيِّ، في كتابه:«تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار»، من ترجمة محمد الأرناؤوط

كانت وما تزال المدن الكبرى هي المساحة الرئيسية للسياسة والحرب والقرار، وهي مراكز نهضة الدول والشعوب، وفي العصور الوسطى، عُرفت تلك المدن بالحواضر، وهي مفرد حاضرة، واشتقاقها من كلمة «الحضارة»، وعادةً ما يكون للحاضرة ثقلٌ سكانيٌّ واقتصادي وسياسي وحربي كبير.

ومع تصاعد النفوذ العثماني في عهد السلطان الغازي عثمان الأول بن أرطغرل، وتتابع الهجمات الناجحة على المناطق البيزنطية القريبة، ضمَّ العثمانيون تلك المناطق شيئًا فشيئًا، وبدا أن ذلك الكيان الفتيَّ بحاجة إلى دفعةٍ قوية تضعُهُ على الخارطة، ولن يتم هذا دونَ مغامرةٍ عسكرية طموحة للاستيلاء على إحدى الحواضر البيزنطية الحصينة القريبة، وكانت مدينة بورصة الحصينة، بموقعها الوسيط في غربي الأناضول، وقربها من بحر مرمرة الإستراتيجي، هي الهدف الأمثل.

مقطع يوضح التمدد المبكر للدولة العثمانية في القرن الرابع عشر الميلادي (الثامن الهجري)

يذكر المؤرخ طقوش في الفصل الأول من كتابه المذكور سابقًا، أن عثمان الأول في بادئ الأمر تجنب المواجهة المباشرة مع أسوار بورصة الحصينة، لا سيَّما مع افتقار جيوشِه لآلات الحصار المتقدمة القادرة على اقتحام أسوارها، مثل المجانيق الثقيلة، وآلات هدم الأسوار، والأبراج العالية، وغيرها.

وبدلًا من المواجهة المباشرة، اتخذَ عثمان سياسةً طويلة المدى للالتفاف حول المدينة أولًا، والسيطرة على المناطق المحيطة بها لعزل المدينة تمامًا، وقطع الاتصال بينها وبين المدن البيزنطية الكبرى القريبة منها. واستولى عثمان كذلك على جزيرة تسمى كالوليمني في بحر مرمرة، ليتحكم بالطريق البحري من القسطنطينية إلى بورصة، واستولى على قلعة تريكوكا الإستراتيجية غير البعيدة عن مضيق البوسفور، والتي تتحكم في طريق الإمدادات بين مدينتي نيقية وبورصة، وبذلك يقطع عن بورصة الدعم من جهة الشمال الشرقي.

موقع مدينة بورصة في خريطة تركيا الحديثة، ويظهر بجانبها بحر مرمرة

كثَّف العثمانيون هجماتِهم، لا سيَّما بعد عام 1317م، على المناطق القريبة من بورصة، وقطعوا طرق التجارة والإمداد الواصلة إليها، لإضعاف مقدرات المدينة تدريجيًّا وإضعاف قدرتها على الصمود، وعمليًّا أصبحت المدينة مثل جزيرة معزولة في محيطٍ معادٍ، وبدأ العديد من سكانها البيزنطيين في مغادرتها تدريجيًّا.

خدمَ الظرف الإقليميُّ العثمانيين كثيرًا مع اندلاع حرب أهلية كبيرة في الدولة البيزنطية منذ عام 1321م استمرَّت سبع سنوات، انشغلت فيها الدولة البيزنطية عن بورصة وغيرها من المواقع المُحاصَرَة في الشطر الآسيوي للدولة، الذي كان في تآكل على يد العثمانيين.

ويذكر المؤرخ طقوش أن مصير بورصة حُسم عندما بدأ عثمان غازي في إنشاء قلعتيْن ملاصقتيْن للمدينة لحصارها بشكلٍ تام، وتمهيدًا للخطوة الحاسمة بتكليف ابنه أورخان بقيادة جهود حصار المدينة التي أوشكت أن تنضج ويأتي موسم حصادها.

وفي عام 1324م، وبعد أكثر من 35 عامًا من قيادة الإمارة الناشئة التي حملت اسمَه، تُوفيَّ عثمان غازي الأول، قبل أن يرى بنفسه ثمرة جهده الطويل في انتزاع الحاضرة الأولى لدولته الوليدة. وبعد أقل من عامين من وفاته، تسلَّم ابنه وخليفته أورخان الأول مفاتيح بورصة ودخلها في السادس من أبريل (نيسان) عام 1326م وفق أشهر الروايات التاريخية، وذلك بعد أن انسحبت منها الحامية البيزنطية المتبقية بعد أن أصبح الدفاع عبثًا مع ظرف الحصار الخانق، ودخلت الجيوش العثمانية المدينة دون قتال ومُنِح أهلها من البيزنطيين الأمان مقابل الالتزام بالسلم ودفع الجزية.

ما بعد بورصة

قرَّر السلطانُ العثماني أورخان الأول بن عثمان بعد فتح مدينة بورصة أن يتخذَها عاصمة للدولة الناشئة، لا سيَّما وهي قريبة من القسطنطينية، حلم العثمانيين الأكبر، لتظل بورصة العاصمة طوال أربعين عامًا حتى فتح مدينة أدرنة، الواقعة في إقليم تراقيا الأوروبي، الملاصق للقسطنطينية من الجهة الأخرى (من الغرب)، وأصبحت أدرنة هي العاصمة عام 1366م وحتى فتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح عام 1453.

أحدث فتح بورصة تحولًا سياسيًّا وإداريًّا وحربيًّا كبيرًا للدولة العثمانية، فبالسيطرة على بورصة صارَ للعثمانيين منفذٌ على بحر مرمرة الإستراتيجي المحصور بين مضيقيْ البوسفور والدردنيل، عنقيْ الزجاجة لخطوط التجارة المارَّة بالبحر الأسود إلى بحري إيجة والمتوسط، والواصلين بين آسيا وأوروبا.

ويقول المؤرخ البارز خليل إينالجيك في كتابه أن فتح بورصة ترك أثرًا حضاريًّا لافتًا في الدولة الناشئة، فقد صُكَّت فيها أول عملةٍ فضيةٍ عام 1327م، كما أنشئ بها عام 1340م سوقٌ كبيرة وأصبحت المدينة مركزًا تجاريًّا حيويًّا يجتذب الآلاف من السكان والتجار، وما زال السوق قائمًا حتى الآن.

وأمر أورخان الأول بالتوسع في عمران المدينة ببناء العديد من المساجد والمدارس والأسواق والمساكن، ليتضاعف عدد سكانها إلى عشرات الآلاف، وجديرٌ بالذكر أن الرحالة المسلم ذائع الصيت ابن بطوطة زار مدينة بورصة عام 1331م، وأبدى إعجابه الشديد بتخطيط المدينة واتساع شوارعها، وكثرة حدائقها وجداول المياه فيها.

التمدد العثماني في عصر أورخان الأول في غربي الأناضول. مصدر الصورة: ويكيبيديا  

فتح بورصة رفعَ من اسم الدولة العثمانية الجديدة، وجذب نحوها مئات الفرسان الأتراك لينضمُّوا لها في غزو البيزنطيين، فتمكَّنت الجيوش العثمانية لاحقًا من فتح حاضرةٍ أخرى مهمة من حواضر غربي الأناضول، وهي مدينة نيقية ذات الشهرة التاريخية التي منحها إياها المجمع الشهير الذي تحدَّد فيه مصير العقيدة المسيحية في الدولة الرومانية عام 325م، وهي تُعرَف حاليًا باسم إزنيق (بالتركية: إزنيك)، واكتمل هذا الفتح عام 1331م، وأعقبه بستة أعوام فتح نيقوميديا، المعروفة اليوم بإزميت، عام 1337م. ولم ينتهِ عصر السلطان العثماني أورخان الأول، الذي توفي عام 1360م، إلا وقد بسط العثمانيون سيطرتَهُم على معظم الأناضول الغربي وأجزاء من وسط الأناضول، ووضعوا أقدامهم للمرة الأولى في أوروبا عبر مضيق الدردنيل.

وفي عاصمة العثمانيين الأولى، بورصة، دُفن مؤسس الدولة عثمان وبجواره ابنه وخليفته أورخان الأول.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
معركة نيكوبوليس.. حينما كانت «الصاعقة» العثمانية على وشك اجتياح أوروبا

المصادر

تحميل المزيد