نحن الآن في منتصف عام 1877م، الجيوش الروسية تنساح من الشمال إلى الجنوب في شبه جزيرة البلقان (جنوبي شرق أوروبا)، التي تحتوي آخر مناطق سيطرة الدولة العثمانية في القارة الأوروبية، والهدف بمنتهى الجرأة والوضوح ليس مجرد انتزاع بعض المعاقل البلقانية من العثمانيين، وإنما احتلال العاصمة العثمانية نفسها: إسطنبول، والتي كانت في أعلى احتمالات السقوط لأول مرة منذ أكثر من أربعة قرون، عندما فتحها العثمانيون عام 1453م (857هـ). 

اكتسح الروس وحلفاؤهم من الرومانيين والبلغاريين وغيرهم ما قابلهم من مقاوماتِ عثمانيةٍ هَشَّة، وعبروا نهر الدانوب، ونجحوا في احتلال مدينة «نيكوبوليس» البلغارية ذات الشهرة التاريخية التي شهدت قبل ما يقارب خمسة قرون، وبالتحديد عام 1396م، واحدة من أبرز وأشهر المعارك في تاريخ التمدد العثماني في أوروبا، عندما ألحقت جيوش السلطان العثماني بايزيد الأول الملقَّب بالصاعقة، هزيمة مدوية بجيوش حملةٍ صليبية كبيرة احتشدت لطرد العثمانيين من أوروبا.

تاريخ

منذ سنة واحدة
قصة السلطان عبد الحميد كما لن يرويها لك الإسلاميون أو العلمانيون

إزاء تلك التطورات الخطيرة، دفع السلطان العثماني، عبد الحميد الثاني، بالآلاف من الجنود العثمانيين تعزيزاتٍ للجبهة المتداعية في البلقان، وكلَّف غازي عثمان باشا، وهو أبرع الجنرالات العثمانيين في القرن التاسع عشر، بقيادة القوات العثمانية في جهود الدفاع ضد الهجوم الروسي الكاسح.

اتَّجه عثمان باشا بقواته على الفور إلى مدينة بليفنا البلغارية الحصينة، والواقعة في قلب وادٍ صخريٍّ، وتحتلُّ مفترقَ طرقٍ شديد الأهمية، وتعد العائق الوحيد في طريق الاندفاع الروسي نحو إسطنبول، وذلك للحيلولة دون سقوطها في قبضة الروس. 

نجح العثمانيون في تعزيز دفاعات المدينة قبل وصول القوات المعادية، لتدور في الأشهر التالية واحدة من أشرس المعارك في التاريخ العثماني بوجهٍ عام، وفي تاريخ المواجهات الروسية- العثمانية بشكلٍ خاص.

معارك البلقان: قصَّة الطريق إلى معركة بليفنا

منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، تسارعت وتيرة تدهور الدولة العثمانية على كافة المستويات السياسية والعسكرية والحضارية والاقتصادية، وبدأت القوى الأوروبية العالمية تتفوَّق عليها في كافة تلك الجوانب، بفارق يتصاعد بشكلٍ جنوني مع ثورة البخار وما صاحبها من نقلةٍ صناعية كبرى في تلك الدول.

كان من أبرز تجليات هذا السقوط العثماني، تفكك الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر، وانتزاع القوى الكبرى العديد من مناطقها مثل الجزائر التي احتلَّتْها فرنسا عام 1830م، واشتعال التمردات في العديد من أقاليمها، لا سيَّما الأوروبية، حيث غالبية السكان من غير المسلمين، كما حدث بعد ثورة اليونان عام 1821-1832م.

شهدت العقود الأخيرة من ذلك القرن انتقال عدوى التمرُّد والحركات الانفصالية المدعومة من الخارج لا سيَّما من روسيا القيصرية، إلى معظم أجزاء شبه جزيرة البلقان، لا سيَّما بلغاريا والبوسنة والهرسك عامي 1875 و1876م، حيث ردَّت السلطات العثمانية على التمرد بقمعٍ شديد، تخللته بعض المذابح، فاستغلَّ خصومها الأوروبيون الفرصة، لا سيَّما الروس والنمساويون، للتحريض ضدها في المحافل الدولية، وتبرير دعمهم لحركات التمرد المحلية في البلقان.

موقع مدينة بليفنا في الخارطة اليوم

في تلك الأثناء، تولَّى حكم الإمبراطورية المتداعية السلطان الطموح عبد الحميد الثاني، وذلك في عام 1876م، ليرتقي عرشَها المهتزَّ مع اشتعال ما بات يُعرَف بـ«المسألة الشرقية»، والتي أصبحت الشغل الشاغل للقوى الأوروبية الكبرى آنذاك، التي كانت تخشى من عواقب السقوط التام للإمبراطورية العثمانية، ونجاح إحدى تلك القوى دون الآخرين في ابتلاع موارد وأراضي الدولة العثمانية، وبالتالي يختل توازن القوى العالمي.

كانت الدولة المرشحة بقوة للنجاح في هذا المسعى هي روسيا القيصرية بسبب القرب الجغرافي للدولة العثمانية، بينما كانت بريطانيا، وهي القوة العالمية الأبرز آنذاك، ترى في ذلك خطرًا شديدًا على مصالحها إذا اقتربت روسيا لهذا الحد من شرق المتوسط، وخطوط التجارة والتواصل بين بريطانيا و«درة تاج» مستعمراتها الهند.

ويفصِّل لنا المؤرخ محمد سهيل طقوش، في كتابه عن تاريخ العثمانيين، الأوضاع الصعبة في البلقان في الأسابيع الأولى من حكم السلطان عبد الحميد الثاني. فقد أعلنت صربيا والجبل الأسود شبه المستقلَّتيْن الحرب على الدولة العثمانية بتحريضٍ روسيٍّ، وتجدَّد التمرُّد في البوسنة والهرسك وبلغاريا وغيرهما.

لكن للمفاجأة، نجحت القوات العثمانية في صيف عام 1876م، في اكتساح جنوب صربيا، وإلحاق هزائم متتالية بالقوات الصربية المدعومة من روسيا بالسلاح وببعض المتطوعين المقاتلين، وكانت الطريق مفتوحةً أمامها لإعادة احتلال العاصمة الصربية بلجراد في أكتوبر (تشرين الأول) 1876، لولا إنذار روسي شديد اللهجة.

يذكر المؤرخ سهيل طقوش في كتابه، كيف أنه في أواخر عام 1876 ومطلع عام 1877، ضغطت روسيا سياسيًّا وعسكريًّا على الدولة العثمانية لتقدِّم تنازلاتٍ للدويلات البلقانية الناشئة في الجبل الأسود والبوسنة وبلغاريا، تجعل تلك المناطق أكثر استقلالية عن العثمانيين، وبدأت في عملية تعبئة عسكرية جزئية لقواتها، لتمثِّل بذلك تهديدًا للعثمانيين، ورغمَ ذلك وصلت المفاوضات الروسية العثمانية إلى طريقٍ مسدودٍ، وفشل مؤتمر الأستانة الذي بدأ في ديسمبر (كانون الأول) 1876، الذي حضره مندوبون من كافة الدول الكبرى لمناقشة الوضع في البلقان ومستقبلها السياسي، حيث نفَّذ عبد الحميد الثاني مناورةً سياسية كبرى عندما أصدر مطلع عام 1877م دستورًا للدولة العثمانية ينص على المساواة التامة بين رعايا الدولة، ويفتح الأبواب أمام مشاركة سياسية أوسع للمواطنين، وبالتالي لم يعد هناك معنى لتدخلات الدول الكبرى من أجل «حقوق الأقليات».

لم تقبل روسيا ما آلت إليه الدبلوماسية المتعثرة، فقررت التدخل العسكري الواسع في بلاد البلقان، كان ظاهر هذا التدخل العسكري من أجل دعم حلفائها الانفصاليين الذين يجمعهم بالروس «الانتماء إلى الشعوب السلافية»، لا سيَّما الصرب. وباطنًا من أجل توجيه ضربةٍ قاضية للخصم العثماني الذي تخوض روسيا ضده الحرب تلو الأخرى منذ أكثر من قرنَينْ من الزمن، وذلك باحتلال العاصمة إسطنبول وإعادتها معقلًا للمسيحية الأرثوذوكسية كما كانت في زمن الدولة البيزنطية قبل الفتح العثماني.

وفي أبريل (نيسان) من عام 1877م، عقد الروس اتفاقية مع رومانيا الواقعة شمال البلقان لتسمح بعبور القوات الروسية مقابل الحفاظ على السيادة الرومانية، وفشلت محاولات العثمانيين في نزع فتيل العدوان الروسي الوشيك عبر بعض التنازلات السياسية والضريبية في البلقان، فقد كان قرار الاجتياح محسومًا في روسيا المأزومة أيضًا بتفاقم العديد من المشكلات السياسية والاقتصادية الداخلية، والتي تحتاج إلى نصر عسكري عريض للقفز عليها.

كذلك كانت القوى الكبرى الأخرى غاضبة من رفض مجلس النواب العثماني الجديد (مجلس المبعوثين) لائحة مطالب إصلاحية أوروبية تتعلق بحقوق الأقليات البلقانية، فقد اعتبره المجلس تدخلًا سافرًا في شؤون الدولة.

تسارعت الأحداث في شهر مايو (أيَّار) عندما أعلنت رومانيا استقلالها التام عن الدولة العثمانية، وانضمامها لروسيا في الحرب ضد العثمانيين. وكذلك أعلنت الجبل الأسود وصربيا تباعًا الحرب أيضًا ضد الدولة العثمانية، فأصبح السلطان العثماني في موقفٍ لا يُحسد عليه، فالهجمات الانتقامية التي شنَّها الأسطول العثماني ضدَّ السواحل الرومانية لم تنجحْ في ثنيِ القيادات الرومانية عن التمرد والعداء، ثم في أواخر يونيو (حزيران) نجح عشرات الآلاف من الجنود الروس والرومانيين في عبور نهر الدانوب تحت قيادة الدوق الروسي الأعظم نيكولاس، والذي قدرت بعض المصادر مُجمَل قواته بأكثر من 175 ألف مقاتل.

خريطة تظهر تضاريس منطقة بليفنا / wikipedia

اندفع المهاجمون صوب وسط بلغاريا دون مقاومةٍ فعالةٍ من العثمانيين. كانت الخطة الأصلية تقتضي باحتلال العاصمة البلغارية صوفيا، ثم الاندفاع فورًا صوب إسطنبول، قبل أن تستفيق القوى الكبرى المنافسة وتفرض الهدنة بين العدوين اللدودين.

وفي يوليو (تموز) 1877م، شنَّ الروس هجومًا مباغتًا نجحوا على إثره في اقتحام ممر شيبكا الإستراتيجي في قلب جبال البلقان، والذي يسيطر على أقصر الطرق من الشمال، إلى الجنوب صوب أدرنة وإسطنبول. حاول العثمانيون مرارًا وتكرارًا في الشهور التالية استعادة السيطرة على ممر شيبكا، وفقدوا أكثر من 13 ألف مقاتل مقابل 5500 قتيل روسي وحليف. لكن لم ينجحوا سوى في تعطيل الروس وحلفائهم إلى يناير (كانون الثاني) 1878م. 

والآن نعود إلى شهر يوليو 1877م، عندما اصطدم الهجوم الروسي الطموح بمدينة بليفنا، التي كانت قوات عثمان نوري باشا قد حصَّنتها بسرعةٍ فائقة، وتكدَّس خلف أسوارها وخنادقها واستحكاماتها الآلاف من الجنود العثمانيين والمئات من المدافع.

غازي عثمان باشا و5 أشهر من الملحمة والحصار

..في موقعة بليفنا، تلقَّى الروس هزيمةً مُنكرة، ولم يكن لهم بصيصُ أملٍ في الانتصار في أيَّة لحظة. وبمنتهى الوحشية، أجهزَ الجنود العثمانيون غلاظ القلوب على جرحى القوات الرومانية. *مراسل «نيويورك تايمز» في العاصمة الرومانية بوخارست في رسالته عن أحداث الهجوم الأول للروس على بليفنا، تاريخ نشر الرسالة 2 أغسطس (آب) 1877م

لا يمكن أن تُروَى قصة معركة بليفنا، دون تخصيص المساحة اللائقة من السرد لقائد الجيش العثماني فيها، غازي عثمان باشا، والذي اتفق العدو والصديق على الإشادة بما بذله من جهودٍ فريدة في الصمود الإعجازي لأشهرٍ متتابعة أمام جيوشٍ تفوق جيشه عددًا بثلاثة أمثال على الأقل، وتمتلك قوة نيرانية، وإمدادًا لوجستيًّا فارقًا.

كان لعثمان باشا المولود في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، سجلًّا عسكريًّا حافلًا، فقد اشترك في حرب القِرَم 1853-1856م، وأظهر بسالةً كبيرةً في القتال ضد الروس، ليحصل على ترقيةٍ ويُضَمَّ إلى حرس السلطان. ثم شارك عام 1860 في إخماد بعض التمردات في الشام، وعام 1866م في السيطرة على الاضطرابات في جزيرة كريت في البحر المتوسط، ورُقِّيَ إلى رتبة لواء عام 1874م، ثم كان غازي عثمان باشا من أبرز القادة العثمانيين الذين كُلِّفوا بمواجهة التمردات الانفصالية في بلاد البلقان منذ 1875م، لا سيَّما البوسنة والهرسك، ثم الحرب مع صربيا عام 1876م، وأظهر كفاءة قيادية كبيرةً، لا سيَّما في الحرب الصربية.

ثم في بليفنا، وبالتحديد في يوم 20 يوليو، كان غازي عثمان باشا وقواته على موعدٍ أول مع المجد العسكريِّ باهظ الثمن، فقد شنَّ الروس هجومهم الأول على المدينة الحصينة، والذي بدأ منذ الليلة السابقة بقصفٍ مدفعيٍّ كثيف على المواقع المحصنة في بليفنا.

في الصباح اندفع الآلاف من الجنود الروس نحو المدينة، ونجحوا في الاستيلاء على بعض الخنادق الأمامية التي تركها العثمانيون تحت وقعِ المباغتة، لكنَّ عثمان باشا نجح سريعًا في تجميع قواته وتنظيمها، ونفَّذ العديد من الهجمات المضادة المتتالية على مدار اليوم، فنجح في دحر الروس عن الخنادق الأمامية، متكبدين أكثر من 4 آلاف قتيل، بينما خسر العثمانيون ما يقارب الألف فحسب.

في الأيام التالية، وصلت بعض الإمدادات إلى غازي عثمان باشا، ليصل مجموع قواته إلى 20 ألفًا، كذلك وصلت إمدادات روسية ورومانية كبيرة إلى القوات المهاجمة، فبدأ الهجوم الواسع الثاني على بليفنا يوم 30 يوليو (أي بعد 10 أيام من الهجوم الواسع الأول)، والذي شنَّه ما يقارب 40 ألف مقاتل من 3 جهاتٍ مختلفة، فنجحوا في الاستيلاء على موقعيْن حصينيْن داخل المدينة، لكن تكرَّر سيناريو الهجوم الأول، فتمكَّن عثمان باشا من قيادة هجومٍ مضادٍ شرس، استعاد كل ما فقده العثمانيون من مواقع، وكبَّد المهاجمين أكثر من 7 آلاف قتيل، بينما خسرت الحامية العثمانية نحو ألفيْ مقاتل.

أمام هذا الفشل المتكرر في اقتحام تحصينات بليفنا، وحصيلة الخسائر المرتفعة، اتجه الدوق نيكولاس إلى تطويق المدينة وتحصيناتها، وفرْض حصارٍ مشددٍ عليها، وقطع كافة الإمدادات عنها، وذلك لإضعاف الحامية وإجبارها على التسليم في أقرب وقتٍ ممكن.

حاول عثمان باشا أن يكسرَ الطوق المحيط ببليفنا، فشن هجومًا مباغتًا بالفرسان ضد القوات المُحاصِرة يوم 31 أغسطس (آب)، لكن لم يحقق النتيجة المرجوَّة، وخسر ألفًا من فرسانه مقابل 1300 من الروس وحلفائهم.

تقاطرت إمدادات الروس مع مطلع سبتمبر (أيلول)، وقادها القيصر الروسي ألكساندر الثاني بنفسه، ليتجاوز عدد قوات الروس حول بليفنا 100 ألف، بينما بالكاد تمكَّن عثمان باشا من تجميع نحو 30 ألفًا.

بدأ الروس هجومًا واسعًا على تحصينات بليفنا يوم 11 سبتمبر، لكنهم جُوبِهوا بقوةٍ نيرانية هائلة لا سيما من المدافع العثمانية ألمانية الصنع، وكذلك باستخدام البنادق الإنجليزية المطوَّرة محليًّا، والتي يفوق مداها نظائرها التي بحوزة الروس والرومانيين، والذين نجحوا بشق الأنفس في الاستيلاء على العديد من المواقع الدفاعية بالمدينة، ومنها حصن اسمه حصن كريغتزا، ثم نجح الهجوم المضاد العثماني في استعادة كافة المواقع باستثناء هذا الحصن، وتكبَّد المهاجمون ما يقارب 20 ألفًا بين قتيلٍ وجريح، بينما خسر العثمانيون حوالي 5 آلاف. وإزاء هذا النصر الجديد، أنعم السلطان العثماني على عثمان باشا بلقب «غازي»، تقديرًا لبسالته وقدراته القيادية. والذي عرفته به كتب التاريخ.

أوكل الروس القيادة المشتركة لقواتهم إلى الجنرال الروسي تودلين، الذي يعدونه من أبطالهم في حرب القرم ضد العثمانيين، فأحكم الحصار حول المدينة، وكان أكثر حَذرًا، فلم يكرر الهجمات الواسعة التي تسبب خسائر ثقيلة دون جدوى كبيرة، وانهمك الروس في القضاء على باقي جيوب المقاومة العثمانية في المناطق القريبة من بليفنا؛ وذلك ليقطعوا أية فرصة لوصول الإمدادات البشرية أو اللوجستية إلى غازي عثمان باشا وقواته.

غازي عثمان باشا/wikipedia

أمام هذا الموقف الميؤوس منه، حاول عثمان باشا إقناع القيادة العثمانية بتسليم المدينة، والانسحاب بمن بقي من قواته، للدفاع عن باقي أراضي الدولة، لكن رُفِض هذا، وطُولِب بالصمود في بليفنا حتَّى آخر رجل. ولذا قرَّر عثمان باشا القيام بهجومٍ شبه انتحاري لاختراق الحصار، والنجاة بأكبر قدرٍ ممكن من رجاله، فقاد قواته في ظلام ليل التاسع من ديسمبر (كانون الأول)، وعبروا النهر القريب من بليفنا بجسورٍ مُرتَجَلة، ثم اقتحموا صفوف القوات الروسية المأخوذة بالمفاجأة، فاقتحموا الخط الدفاعي الأول، في معارك الْتحامية عنيفة، كان القتال فيها رجلًا لرجل باليد وبالأسنان وسكاكين البنادق، ثم اقتحموا الخط الدفاعي الثاني، ولكن كما يقول المثل «هزمت الكثرة الشجاعة».

كانت القوات الروسية وحلفاؤها تُقدَّر على الأقل بأربعة أضعاف قوات غازي عثمان باشا التي أنهكها القتال وطول مُدَّة الحصار ونفاد المؤن، وشاءت الأقدار في أثناء ذلك الهجوم الجريء أن أصابت رصاصاتٍ طائشة القائد عثمان باشا، فقُتِلَ حصانه، وأصيب هو في فخذه، فسقط أرضًا، وسرت شائعات في صفوف الجنود العثمانيين بأن قائدهم قد قُتِل، فاختلَّ نظامهم، ونجح الروس في شنِّ هجماتهم المضادة، ودفعوا العثمانيين للانسحاب عبر النهر إلى بليفنا، وهنا قرَّر القائد المصاب الاستسلام، لا سيما وقد خسر ما يقارب 5 آلاف من قواته، مقابل أقل من ألفيْن من الجانب الآخر، فنفَّذ قرار التسليم رسميًّا في اليوم التالي 10 ديسمبر 1877م.

حَرِصَ الدوق الروسي نيكولاس، وشارل أمير رومانيا، على مصافحة عثمان باشا يدًا بيد في أول مقابلةٍ لهم معه بعد استسلامه، تعبيرًا عن تقديرهما الكبير لصموده الاستثنائي، وكفايته العسكرية المذهلة، وأمر نيكولاس بعلاج عثمان باشا على الفور، ومن ثمَّ إرساله لمقابلة القيصر الروسي المقيم في بلافيا الأوكرانية ليكون على مقربةٍ من ساحات القتال، وأوصى الدوق بمعاملة الرجل بالشكلِ اللائق بمكانته. أما الآلاف من الأسرى العثمانيين، فلم تكن حظوظهم جيدة؛ إذ هلك أكثرهم في الأسر أثناء ترحيلهم إلى الشمال، بفعل البرد القارس وقسوة الجليد.

ما بعد سقوط بليفنا

مع سقوط بليفنا، أصبح الطريق مفتوحًا أمام الروس لاحتلال مدينة صوفيا الإستراتيجية، عاصمة بلغاريا، في يناير (كانون الثاني) 1878، ثمَّ التوغل جنوبًا أكثر فأكثر ملحقين الهزيمة تلو الأخرى بالجيوش العثمانية المنهارة معنويًّا، وصولًا إلى مدينة أدرنة، العاصمة الأولى للعثمانيين في أوروبا، والقريبة من إسطنبول.

مارش عسكري عثماني لتخليد ذكرى صمود عثمان باشا وقواته في بليفنا

اضطربت الأحوال في العاصمة العثمانية إسطنبول، التي اكتظَّت شوارعها ودور عبادتها، والأماكن العامة فيها بعشرات الآلاف من اللاجئين المسلمين البلقانيين، الذين فرُّوا من جرائم الحرب التي أمعنت فيها القوات الروسية والمليشيات المحلية المتحالفة معها، الرومانية والبلغارية والصربية المعادية للعثمانيين، التي تنوعت بين القتل الجماعي والاغتصاب والسلب والنهب والتهجير القسري، لتغيير ديموغرافية تلك المناطق، وفرض أمرٍ واقعٍ جديد.

تاريخ

منذ 5 شهور
الحرب الروسية العثمانية.. حربٌ أنهت وجود المسلمين في البلقان بالمدافع والمذابح

وهكذا اندلعت أزمة إنسانية كبيرة في  إسطنبول، لا سيَّما مع انتشار أوبئة عصفت بالمهاجرين وببعض السكان، مما أضاف ضغطًا إضافيًّا على الحكومة العثمانية لتقبل بأية تسوية عاجلة، لكن رغم ما سبق، فلا شكَّ أن التضحيات الجسيمة التي قدَّمها المدافعون العثمانيون في بليفنا لم تذهب سُدىً، فالأشهر الخمسة الثمينة التي خسرها الروس أمام أسوار بليفنا وتحصيناتها، عطَّلت خطط الاندفاع الروسي نحو إسطنبول مما أعطى فرصةً ثمينة للتحركات الدولية الرامية لإيقاف تلك الحرب قبل أن يبتلع الروس إسطنبول والتركة العثمانية الخطيرة. وكان في مقدمة القوى الدولية في هذا الشأن بريطانيا، والتي وصل أسطولها إلى بحر مرمرة العثماني الواقع بين مضيقي البوسفور والدردنيل الإستراتيجييْن، على مقربةٍ من إسطنبول، في رسالةٍ قوية  للقوات الروسية المتقدمة.

لكنَّ الهزيمة فرضت بالطبع على العثمانيين القبول بتنازلاتٍ كبيرة في البلقان تضمَّنتها اتفاقية سان ستيفانو في الثالث من شهر مارس (آذار) 1878، والتي ترجمت الانتصارات الروسية إلى تغييراتٍ كبرى على الخارطة كان من أبرزها إنشاء دولة بلغاريا الكبرى الحليفة لروسيا، والتي تسيطر  على شرقي البلقان، والاعتراف باستقلالية رومانيا، وتأكيد استقلال دولتي صربيا والجبل الأسود، ومنح البوسنة والهرسك حكمًا ذاتيًّا تحت إشراف كلٍّ من روسيا والنمسا.

لكن في الشهور الأربعة التالية، ضغطت الدول الكبرى، وفي مقدمتها ألمانيا وإنجلترا والنمسا، لمراجعة بنود الاتفاقية لتحجيم المكاسب الروسية، فنشأت اتفاقية برلين في يوليو 1878، والتي ثبَّتت أوضاع رومانيا وصربيا والجبل الأسود، لكنها فكَّكت بلغاريا الكبرى إلى ثلاث مناطق حكم ذاتي، تتبع الدولة العثمانية اسميًّا، ومُنحت جزيرة قبرص الإستراتيجية في المتوسط لبريطانيا، بينما حصلت النمسا على البوسنة والهرسك. لكن لم تكن تلك الحرب السابقة هي الأخيرة في تلك البقعة الملتهبة من العالم آنذاك؛ إذ ستشهد العقود التالية حروبًا كبرى في البلقان تسهم في تغيير خارطة المنطقة، لكن لهذا جولات أخرى.

..وهذا سيفك أردُّه إليك إقرارًا ببسالتك وأهليتك، ولك أن تتقلَّده في بلادي، وهذه مركبتي وهؤلاء حرسي تحت أمرك إذا شئتَ ركبت، وإن شئتَ مكثت. *القيصر الروسي ألكسندر الثاني في تكريمه للقائد العثماني الأسير غازي عثمان باشا

أما عثمان باشا، فقد عاد مُكرَّما إلى إسطنبول بعد أن أطلق القيصر  الروسي سراحه، وكان ألكسندر الثاني قد أحسن استقباله، وأبدى له تقديره الكامل لبسالته الاستثنائية في القتال، لا سيَّما في هجومه الجريء في آخر أيام المعركة.

وفي إسطنبول، حظي عثمان باشا على كل أمارات التقدير، وتنقَّل بين العديد من المناصب الكبرى، وكان من أبرز المستشارين في البلاط العثماني، وظلَّ محتفظًا بتلك الحظوة حتى وفاته عام 1900، بعدما قارب السبعين من العمر.

المصادر

تحميل المزيد