في 17 يوليو (تموز) الماضي، في أحد بيوت مدينة بنغازي – مهد الثورة الليبية- والتي تقع منذ عامين تحت قبضة الجنرال الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، فوجئت النائبة البرلمانية سهام سرقيوة، بمجموعاتٍ مُلثمة جاءت على متن عربات عسكرية، لتقتحم منزلها. وقبل دقائقٍ من اختطافها، سمع دوي الرصاص في محيط بيتها، كتبت عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «مجموعة غوغائية أظن أنها تابعة لمليشيات 106 تهاجم منزلي، وقاموا بحرقه وضرب زوجي».

وبحسب رواية ابنتها التي نشرت صورة على حسابها الشخصي، فإن تسعة مُسلحين يرتدون زيًّا عسكريًّا، بصحبتهم أربعة رجال يرتدون جلاليب ولحيتهم كبيرة، كانت بانتظارهم سيارات كُتب عليها «الكتيبة 106»، اقتادوا سهام سرقيوة إلى مكانٍ مجهول، ثم أطلقوا الرصاص على زوجها، وكتبوا على الحائط قبل أن يغادروا: «الجيش خطٌ أحمر.. نحن أولياء الدم».

هل قاد خالد حفتر عملية اختطاف سهام سرقيوة؟

 عقب إعلان العائلة اختطاف النائبة الليبية، أثار الخبر إدانات واسعة النطاق، دفعت حكومة الشرق الليبي للإعلان عبر وزير داخليتها بأنّ مُسلحين قد اختطفوا سهام سرقيوة، واشتبكوا مع دورية الشرطة التي حاولت تحريرها، إلا أنّ الرواية الرسمية سُرعان ما قوبلت بالتشكيك من قبل شبكة «سي إن إن» الأمريكية التي نشرت تقريرًا نفت به الرواية الحكومية، وزعمت أنّ مختطفي سهام سرقيوة ميليشيات تابعة لما يطلق على نفسه الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده حفتر.

(آخر مداخلة هاتفية للنائبة سهام سرقيوة قبل يومين من اختطافها)

منظمتا «العفو الدولية» و«هيومان رايتس واتش» نشرتا بيانًا رسميًّا اتهمتما فيه خالد حفتر، نجل الجنرال الليبي الذي يقود «الكتيبة 106»، المعروفة باسم أولياء الدم، بمسئوليته عن اختطاف النائبة الليبية رفقة سيارات تابعة للشرطة العسكرية في بنغازي، ونقلت «العفو الدولية» عن شهود عيان أنّ أضواء المنطقة التي تسكن فيها سرقيوة قد تعطلت تلك الليلة، وهو ما عدته حكومة الوفاق دليل إدانة ضد حكومة الشرق الليبي.

الأدلة التي اعتمدت عليها المنظمات الدولية، دفعت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا إلى توجيه الاتهام الرسمي لقائد الجيش الليبي في الشرق، خليفة حفتر، باختطاف مسلحين موالين له النائبة الليبية من منزلها، والهجوم على زوجها وابنها البالغ من العمر 16 عامًا.

و«الكتيبة 106» المُتهمة باختطاف سهام تتمركز في مدينة بنغازي، ويقودها خالد حفتر، وتعد أقوى الكتائب تسليحًا، وتشارك حاليًا في الهجوم على العاصمة طرابلس، وسبق لهذه الكتيبة أن أوكل لها مهمة الفتك بخصوم لحفتر، من بينهم وكيل وزارة الداخلية في حكومة الوفاق، وسبق للأمم المتحدة أن اتهمتها أيضًا في بيانٍ رسمي بسرقة مصرف ليبيا المركزي – وسط مدينة بنغازي- نهاية عام 2017، والسيطرة على أكثر من 600 مليون دينار ليبي، و160 مليون يورو، ونحو مليوني دولار ونقلها لجهة غير معلومة.

وكان آخر ما فعلته سهام سرقيوة قبل أن تُختطف هو ظهورها على قناة «ليبيا الحدث»، التابعة لحكومة الشرق الليبي، ودعت إلى وقف نزيف الدم في ليبيا، وقالت في أثناء ذلك اللقاء: «إن هناك مشكلة في مجلس النواب، هي المتشددون الداعمون للطرفين، الجيش وحكومة الوفاق، وهؤلاء يجب أن تُحجّم آراؤهم».

ومع أن تصريحاتها قوبلت بالاستهجان؛ كونها تهاجم حفتر على قناة تابعةٍ له، فإنّ حديثها حول جماعة «الإخوان المسلمين» أغضب أنصار الجنرال الليبي، ومنهم الإعلامي الذي أدار الحوار، والذي هاجمها قائلًا: «مجلس النواب لم يقر أن جماعة الإخوان إرهابية، التصويت جاء بدون النصاب القانوني»، لتتعرض للاختطاف بعد ليلة واحدة من هذا اللفاء.

بعد فشله في دخول طرابلس.. لماذا لا يمكن لحفتر الانتصار على كتائب مصراته؟

سهام سرقيوة.. صوت امرأة أخاف حفتر داخل البرلمان

انقسمت ليبيا فعليًّا عام 2014، حين نزعت المحكمة العليا في ليبيا الشرعية عن مجلس النواب المنعقد في طبرق شرقي البلاد، لصالح المؤتمر الوطني العام، الذي تشكل بعد سقوط القذافي، وتمثلت صلاحيته حينها باختيار رئيس الوزراء، والاتفاق على الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، فمجلِس النوّاب الذي رفض القرار جدد الثقة في حكومة عبد الله الثني، بينما شكّل المؤتمر الوطني حكومة جديدة، وبذلك انقسمت ليبيا فعليًّا إلى ما هو أشبه بالدولتين.

(سهام سرقيوة تهاجم حفتر)

ورغم أن هناك مجلس نواب واحد، فإن أعضاء البرلمان الداعمين لحكومة الوفاق المُعترف بها دوليًّا مقيمون في طرابلس، بينما النواب الآخرون الداعمون لحفتر ما زالوا يعقدون جلساتهم في طبرق، إلا أنّ سهام سرقيوة، خالفت العادة وأصبحت النائبة ضمن القلة التي تجهر بالمعارضة داخل برلمان طبرق، وسبق لها أن وصفت الجنرال الليبي بأنه شخص غير شرعي، وهو ما دفع بقية الأعضاء البرلمانيين في طرابلس للتصويت بالإجماع على إلغاء منصب القائد العام للجيش الذي يتولاه حفتر.

سهام سرقيوة اتهمت أيضًا رئيس البرلمان الليبي في طبرق، عقيلة صالح، بأنه يختطف المجلس النيابي لصالح حفتر، ليقرر المجلس في طرابلس عقد جلسة ضمن عدد من نواب الشرق الليبي لاختيار الصادق الكحيلي، في ضربة سياسية للجنرال الليبي، وقبل أيامٍ من اختطاف سهام، كانت النائبة الليبية في القاهرة لعقد مباحثات مع نوابٍ ليبيين وسياسيين مصريين؛ لإيجاد حلٍ سياسي بعد تدهور الأوضاع في ليبيا، إثر العملية العسكرية التي يشنها حفتر على العاصمة طرابلس منذ أبريل (نيسان) الماضي.

ومن الجدير بالذكر أن حفتر في أواخر 2018، كان قد طالب بنقل صلاحيات القائد الأعلى للجيش إليهِ، إلى حين إجراء انتخابات رئاسية، لكنّ المجلس الرئاسي بقيادة فائز السراج رفض هذا الطلب، وعلّقت سهام سرقيوة آنذاك على ما فعله خليفة بأنهُ: «محاولة انقلاب على السلطة الشريعة المتمثلة في البرلمان»، كما قالت «إنّ حفتر عُيّن بلا إجراء انتخابات داخل المجلس، وأن الوحيد القادر على إقالته، أو الإبقاء عليه هو رئيس المجلس، عقيلة صالح، الذي عيّنه في هذا المنصب».

ورغم أنها كانت تدافع عن الجيش الليبي، فإنها سبق وأن اتهمته بإلقاء البراميل المتفجرة خلال معاركه على طرابلس، وفي الوقت نفسه زعمت أنّ حفتر يتلقى رواتب الجيش من وزارة المالية التابعة لحكومة الوفاق التي يهاجمها، وهو ما نفاه المتحدث العسكري عبر صفحته الرسمية.

مترجم: ليبيا وخطط متواصلة لمحاربة السلام.. مقابلة مع سيف الدين الطرابلسي

 هل بدأ حفتر بخسارة مؤيديه داخل مجلس النواب الليبي؟

عقب اختفاء النائبة الليبية، طالب مجلس النواب في بيانٍ رسمي وزارة الداخلية وكافة الأجهزة الأمنية، بتكثيف جهودها لمعرفة مكانها، أو الإفراج الفوري عنها ومحاسبة المسؤولين عن ذلك. وقبل أيام، نشرت عدة وسائل إعلامية موالية لحفتر خبرًا يفيد بعودة سهام سرقيوة إلى منزلها، بعد الإفراج عنها من الجهة التي كانت تحتجزها، وهو ما نفته وسائل إعلامٍ أخرى محسوبة على الوفاق، ورأت أنها عملية هدفها التشويش، بعدما ثبتت الاتهامات الدولية ضد الجنرال الليبي.

تضامُن عدد من نواب طبرق ضد حفتر، لم تكن الخُطوة الأولى للتقارب مع طرابلس، فعقب المعركة التي أطلقها حفتر لإسقاط العاصمة الليبية، اجتمع عدد من البرلمانيين الممثلين عن الشرق الليبي في طرابلس، لإدانة هجوم قوات حفتر، واللافت أنهم أكدوا أن برلمان طبرق لم يكن لديه علم بنية حفتر المبيتة للهجوم على العاصمة طرابلس، وأن البرلمان كان مستعدًا للدخول في الملتقى الوطني الجامع، الذي دعت إليه الأمم المتحدة لبحث تشكيل حكومة وطنية، والاتفاق حول موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

واللافت أنّ البرلمانيين المتمسكين بقيم الانتقال السلمي للسُلطة، سبق أن حاولوا الاتصال مع رئيس مجلس الدولة الليبي، خالد المشري، حين أشيع نبأ وفاة حفتر في فرنسا أوائل العام الماضي، ورغم أنّ مجلس النواب الليبي في طبرق لا يعترف بالمجلس الأعلى للدولة في طرابلس، فإن اللقاء جرى بنجاح؛ فقد جرت تفاهمات بشأن قضايا محورية، أبرزها تعديل المجلس الرئاسي، وتشكيل حكومة جديدة، وإصدار قانون الاستفتاء على الدستور من البرلمان، إلا أنّ عودة حفتر قضت على تلك الأحلام.

ويتخوف أهل البرلمانية سهام سرقيوة وذووها من أن تكون قد لاقت مصير الصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي اختفى عقب دخوله مقر القنصلية السعودية في إسطنبول، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، دون أن يُحاكم قاتله حتى الآن.

رغم الدعم الدولي الكبير.. لماذا لم ينتصر حفتر حتى الآن؟

المصادر

عرض التعليقات