في تقرير للوكالة الدولية لبحوث السرطان عام 2008، توقعت فيه ازدياد حالات الإصابة بالسرطان إلى 3 أضعاف حالات الإصابة منذ عام 1975، وبحلول عام 2030 قد تصل حالات الوفيات الناجمة عن الإصابة بالسرطان ما بين 13 إلى 17 مليون حالة وفاة. أما عن الأورام السرطانية فتنقسم إلى نوعين: أورام حميدة؛ وهي التي لا تنتقل عبر الدم، أو الجهاز اللمفاوي، إلى أنسجة الجسم الأخرى، حيث تَمكُث مكانها، وبالتالي يمكن استئصالها. أما الأورام الخبيثة؛ هي تلك التي تنتقل عبر الدم أو اللمف إلى باقي أنسجة الجسم، لتكوين العديد من الأورام في أماكن الجسم المختلفة، وبالتالي تصعب عملية استئصالها.

لكن كيف تحدث الإصابة بالأورام السرطانية؟

في الطبيعة تحتاج خلايا جسم الإنسان السليم إلى الانقسام بشكل منتظم، ومستمر لتلبية حاجة الجسم من الخلايا الجديدة، المحددة الوظيفة. فكل خلية من تلك الخلايا لها دورة حياة ووظيفة محددة، عندما تؤدي تلك الوظيفة، ويستمر عمر الخلية في التقدم تدريجيًا، تموت تلقائيًا، ويتخلص منها الجسم، لكن أحيانًا تخرج بعض الخلايا عن هذا المسار، فتنقسم بشكل عشوائي وغير منتظم؛ مما يؤدي إلى زيادة عدد الخلايا عن حاجة الجسم، فلا يستطيع الجسم التحكم فيها، وتنظيم عملها، وبالتالي تكون الأورام. أو أن تبقي بعض الخلايا حية لفترة أطول من المفترض بقاؤها؛ مما يؤدي في النهاية أيضًا إلى الإصابة بالأورام السرطانية (السرطان).

وعلى الرغم من التطور المستمر في العلاجات المستخدمة لأنواع السرطان المختلفة ما بين الجراحة، والعلاجات الكيمياوية، والعلاج بالهرمونات، واستخدام جزيئات الذهب الدقيقة (النانوية) مع الإشعاع العميق كوسيلة للعلاج. إلا أن الطريقة الرئيسة لمنع حدوث الوفاة من الإصابة بالسرطان هو التشخيص المبكر، وبالتالي الحد من نمو تلك الأورام. أما حاليًا فكشف مجموعة من الباحثين عن دراسة بحثية حديثة، تتناول طريقة جديدة للعلاج، قد تغير نظرة الأطباء إلى طُرق العلاج التقليدية، وتُسهم في التخلص من السرطان.

جزيئات الذهب.. وعلاج السرطان

اقترح العديد من الأبحاث في فترات سابقة بتطوير طرق استخدام جزيئات الذهب الدقيقة في علاج السرطان، وإيجاد حلول جديدة للعلاج. لذا وفى بدايات العام قبل الماضي، أثبت الباحثون في«المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا» في زيورخ، أن جسيمات الذهب الدقيقة يمكن استخدامها مع الأشعة الضوئية للتخلص من الأورام السرطانية. فعند دمج جسيمات الذهب الدقيقة مع الأشعة الضوئية تحت الحمراء، وتوجيهها إلى أنسجة محددة، تقوم الأشعة الضوئية بإصدار كمًا هائلًا من الحرارة، يتم تكثيفها، وتركيزها على الخلايا السرطانية لقتل تلك الأورام.

تختلف ألوان الأشعة الضوئية في طولها الموجي، الذي يتراوح بين 400إلى 700 نانومتر. وتعتبر الأشعة تحت الحمراء هي الموجات الأطول بين كافة أنواع الضوء، بينما الأشعة الفوق بنفسجية هي الموجات الأقصر في طولها الموجي. لذلك وبالرغم من قدرة الجسم على تحمل جزيئات الذهب تلك، إلا أنها ليست جيدة في امتصاص الأطوال الموجية العالية كأشعة الضوء الأحمر. فيُستخدم الضوء الأحمر مع جزيئات الذهب في طريقة العلاج؛ نظرًا لامتلاكه أكبر طول موجي، الذي يمكنه من اختراق أنسجة الجسم بسهولة، على عكس الضوء الأزرق. لكن ما الحل إذن؟

السيليكون.. ومحاولات سابقة

نظرًا لعدم كفاءة جزئيات الذهب في امتصاص الأطوال الموجية الكبيرة، كالطول الموجي للأشعة تحت الحمراء، كان لا بد من وجود حل لتلك المشكلة. لذلك كان الحل في الدراسة البحثية التي قامت بها مجموعة مكونة من 8 باحثين في مختبر تقنية الجسيمات، بمعهد «هندسة العمليات» في زيورخ. حيث ابتكر الباحثون السويسريون وسيلة لتحويل الشكل الدائري الطبيعي لجزيئات الذهب، إلى شكل جديد على هيئة تجمعات تستطيع امتصاص وتجميع الضوء ذات الأطوال الموجية العالية.

وللوصول لهذا الشكل، يتم تغليف كل جزئ من جزيئات الذهب، بطبقة عازلة من ثاني أكسيد السيليكون. حيث يكمن دور هذه الطبقة في حفظ التباعد بين جسيمات الذهب متناهية الصغر، بالإضافة إلى الحفاظ عليها من التشوه عند ازدياد درجة حرارتها، مما يعمل على تمكين تلك الجزيئات من امتصاص أشعة الضوء عالية الطول الموجي، والقريبة من الطول الموجي للأشعة تحت الحمراء.

أما عن توجيه هذه الجزيئات إلى الخلايا السرطانية، قام الباحثون بإضافة جسيمات فائقة المغنطة من أكسيد الحديد إلى جزيئات الذهب. حيث يعمل الحديد على جعل جزيئات الذهب قابلة للتوجيه عبر المجالات المغناطيسية بسهولة إلى أماكن وجود الأورام السرطانية؛ ليتم الفتك بها عند ارتفاع درجة حرارة جزيئات الذهب.

جزيئات السيليكون.. أم.. جزيئات الذهب؟

بعد المحاولات السابقة، أثبتت مجموعة جديدة من الباحثين بجامعة «موسكو الحكومية»، ومعهد«لايبنتز» للتقنيات الضوئية في ألمانيا، أن جزيئات السيليكون الدقيقة يمكن استخدامها في تشخيص وعلاج الأورام السرطانية. حيث تستطيع الجسيمات التوغل إلى داخل الخلايا المصابة، وتتحلل تمامًا؛ لتقوم بتوصيل جرعة العلاج الدوائي التي تحملها لتلك الأورام. لذا فيُشكل هذا البحث خطوة إيجابية جديدة في مجال ما يسمي بالـ (Theranostics)، وهو ما يجمع بين أدوات التشخيص والعلاج في آنٍ واحد.

فتعتمد معظم هذه التقنيات على الجزيئات الدقيقة (النانوية)، لكن تكمن المشكلة في استخدام جزيئات المعادن؛ لأنها بالرغم من كونها فعالة في عملية العلاج، إلا أن لها أثارًا جانبية سلبية، والحتمية الحدوث مثل تلف الكبد والكلي؛ ذلك لأن معظم تلك الجزيئات المستخدمة من المعادن الثقيلة التي تتميز بتأثيرها السام عند تراكمها في جسم الكائن الحي مثل؛ الذهب، والفضة، والكادميوم. فعند وصولها مجري الدم، قد تتعثر في أعضاء الجسم الداخلية، وتتراكم مما يؤدي إلى حدوث تسمم الجسم والأعضاء.

إذن.. ما المُميَز في استخدام جزيئات السيليكون؟

بعد العديد من الأبحاث والتجارب، وإدراك الباحثون الضرر الناجم عن استخدام المعادن في عملية العلاج لأنواع السرطان المختلفة. يعتقد الباحثون الآن أن السيليكون يعتبر الخيار الأفضل من بين كافة المعادن الأخرى التي تم استخدامها من قبل؛ ذلك نظرًا لقابليته الفائقة على التفاعل مع الجسم، دون الإضرار به، حيث يتميز بقدرته المسامية على اختراق كافة الأنسجة، والخلايا، والأورام السرطانية المتعددة، بالإضافة إلى تقديم فائدة صحية للجسم عند تحلل تلك الجزيئات، حيث تتحول إلى حمض السيليسيك، الذي يُعتبر مادة حيوية لصحة العظام، وقوة الأنسجة الضامة.

وللتأكد من أن جزيئات السيليكون تتحلل بفاعلية في الجسم، استخدم الباحثون نوعين من جزيئات السيليكون الدقيقة، إحداهما تتميز بقدرتها على اللمعان الضوئي، وإصدار الضوء عند تعرضها للإشعاع الكهرومغناطيسي. ثم استخدام مطياف ضوئي لاستنتاج المعلومات حول تركيب وخواص جزيئات السيليكون، وقياس مدى تفاعلها مع الضوء. فعند استخدام تلك الجزيئات لمطاردة الأورام الناتجة عن سرطان الثدي، تمركزت على أغشية الخلايا السرطانية في الـ 5 إلى 9 ساعات الأولى؛ لتقوم باختراق الخلايا السرطانية في اليوم التالي، لتستمر في الاختراق لتتحلل تمامًا بعد 13 يومًا فقط من توجيهها لمطاردة خلايا السرطان، وبالتالي تُمثل طريقة فعالة، وسريعة في علاج الأورام السرطانية عن طريق اختراقها، ومنعها من الاستمرار في النمو، ثم إفراز الأدوية العلاجية التي تؤدي إلى الفتك بالخلايا السرطانية.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد