هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

شهد جنوب السودان حربًا أهلية راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى، وتعرَّض على إثرها لعقوباتٍ أمريكية، وضغط دولي لمحاكمة مسؤوليها في جرائم حرب، وللحيلولة دون ذلك، استنجد سيلفا كير رئيس جنوب السودان بلوبيات واشنطن للضغط على الإدارة الأمريكية ومنع محاولات محاكمة المتورطين في الحرب.

وفي هذا التقرير نتتبع جهود كير ومحاولته لتعطيل المحاكمات.

الحرب الأهلية وعقوبات أمريكية.. ولادة قيصرية لدولة جنوب السودان

انتُخب سيلفا كير أول رئيس لجنوب السودان بعد الانفصال عن السودان سنة 2011؛ واختار رياك مشار نائبًا له. وبعد عامين، أعلن رياك مشار عزمه الترشُّح للرئاسة ومنافسة سيلفا كير على الحكم؛ الأمر الذي لم يستسغه كير وأقال مشار من منصبه، فعاد البلد حديث النشأة إلى الحروب مجددًا؛ واندلعت حرب أهلية دموية بين أنصار سيلفا كير وأنصار رياك مشار في عام 2013.

بجانب الصراع على السلطة بين الزعيمين السياسيين، فإنَّ تنافس المجموعتين القبليتين الرئيسيتين، «الدينكا» و«النوير» بقوة على السلطة له دور كبير في تأجيج الحرب الأهلية؛ فالرئيس سيلفا كير ينتمي إلى قبيلة الدينكا، بينما ينتمي مشار إلى قبيلة النوير.

وفقًا لآخر التقديرات؛ تسببت الحرب (2013- 2020) في مقتل زهاء 400 ألف شخص، ونزوح ما يقرب من 4 ملايين شخص داخليًّا أو إلى البلدان المجاورة. وفي سنة 2015؛ وبرعايةٍ أمريكية اتفق رئيس جنوب السودان، سيلفا كير، وخصمه رياك مشار، على تأسيس محكمة مختلطة للتحقيق في جرائم الحرب بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي.

Embed from Getty Images
رئيس جنوب السودان سيلفا كير يغادر الفندق بعد انتهاء الجلسة خلال القمة التاسعة والعشرين للهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) في أديس أبابا، إثيوبيا في 9 ديسمبر (كانون الأول) 2016.

ونظرًا إلى فظاعة المجازر التي ارتُكِبت، وعدد الضحايا المدنيِّين الكبير؛ أعلن الاتحاد الأفريقي بصورةٍ انفرادية عزمه على إنشاء «محكمة خاصة» لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب في جنوب السودان، المستمرة منذ 2013. وهو الأمر الذي رفضه سيلفا كير وأطراف الحرب، وعملوا لاحقًا ضدَّ جهود الاتحاد الأفريقي من أجل إنشاء المحكمة.

ويرغب العديد من سكان جنوب السودان في تحقيق العدالة بعد حرب أهلية مدمِّرة، وخلصت دراسة استقصائية، أجرتها «جمعية القانون في جنوب السودان» و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» عام 2014، إلى أن ثلثي المستجوبين قالوا إن الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات «يجب أن يتعرضوا للمحاكمة».

وبعد ما يقرب من خمس سنوات من الحرب الأهلية، شارك كير ومشار في مفاوضات بوساطة أوغندا والسودان في يونيو (حزيران) 2018، وقَّعا خلالها على «إعلان الخرطوم»، ومن ثمَّ على اتفاقية السلام الشامل تحت مسمى «الاتفاق المُعاد تنشيطه بشأن حل النزاع في جنوب السودان»، وتضمن وقف إطلاق النار واتفاقية تقاسم السلطة لإنهاء الحرب بين الأطراف المتصارعة، وتضمَّن أيضًا إنشاء محكمة مختلطة لمحاكمة المتهمين في جرائم الحرب، كما أعيد مشار لمنصب نائب الرئيس.

ظلَّت الولايات المتحدة الأمريكية المانح الدولي الرئيسي لجنوب السودان منذ انفصاله، وقدمت ما يقرب من 907 ملايين دولار في السنة المالية 2020 وحدها، وما يقرب من 5.5 مليارات دولار منذ بداية الأزمة في 2014.

لكنَّ فشل جهود السلام في جنوب السودان مرة تلو الأخرى أدى إلى تراجع العلاقات بين جوبا وواشنطن. وضغطت الولايات المتحدة بشدة على مجلس الأمن الدولي لتبنِّي قرار بحظر الأسلحة إلى جنوب السودان في 2018، صاغته بنفسها، وفرضت أيضًا عقوبات على مسؤولين كبار منخرطين في الحرب، منهم ستة جنرالات، وطالت تلك العقوبات 15 شركة نفطية في جنوب السودان، قالت وزارة الخارجية الأمريكية عنها إنها «مصادر نقدية مهمة» للحكومة، في إجراءٍ يهدف إلى زيادة الضغط على الرئيس سيلفا كير لإنهاء الصراع والأزمة الإنسانية في البلاد.

جهود سيلفا كير لتعطيل المحكمة الخاصة ورفع العقوبات الأمريكية

وفي خضم اشتعال الحرب الأهلية في جنوب السودان؛ كان رئيس البلاد يوجِّه حملات الضغط بواشنطن عبر سلسلةٍ من التعاقدات مع شركات أمريكية.

عين رئيس جنوب السودان، سيلفا كير، مجموعة ضغط أمريكية يديرها سفير أمريكي سابق لعرقلة إنشاء محكمة للتحقيق في جرائم الحرب في الدولة التي مزقتها النزاعات. ووفقًا لملف جنوب السودان في وثائق وزارة العدل الأمريكية وقَّع مكتب رئيس جنوب السودان عقدًا بقيمة مليون و500 ألف دولار مع شركة «جينفول سوليوشنز – Gainful Solutions»، في 2 أبريل (نيسان) 2019.

تقدم الشركة بناءً على العقد خدمتها لمكتب رئيس جنوب السودان، سيلفا كير ميارديت، من خلال فريقها المكون من دبلوماسيين أمريكيين سابقين عملوا بوزارة الخارجية الأمريكية، وأبرزهم مايكل راينبرجر، أحد مؤسسي الشركة، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة في كلٍ من مالي وكينيا والصومال، وكان أحد المفاوضين الأمريكيين الرئيسيين في اتفاقية السلام التي وقِّعت سنة 2005 بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة السودانية.

ويضم الفريق أيضًا كونستانس بيري نيومان، التي شغلت منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية، وعملت بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، المسؤولة عن جزءٍ كبير من المساعدات الأمريكية الخارجية.

Embed from Getty Images

توقيع رئيس جنوب السودان سيلفا كير وريك مشار اتفاقًا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في 1 فبراير 2015 لإنهاء الحرب الأهلية.

نصَّ العقد الأولي على عمل الشركة «لتعطيل إنشاء محكمة خاصة بإشراف من الاتحاد الأفريقي للتقصي في جرائم الحرب في الحرب الأهلية بجنوب السودان»، وكان تأسيس المحكمة أحد شروط اتفاق السلام الذي أُقر عام 2018 بين أطراف النزاع.

بعد نشر العقد، نال الكثير من الانتقادات من وسائل الإعلام والمعارضة في جنوب السودان، وحتى السفارة الأمريكية في جوبا؛ ووصف السفير الأمريكي هناك، توماس هوشك، العقد مع جماعة الضغط بأنه مثير للقلق. وقال هوشك، بحسب راديو «آي في جوبا»: «هذا مقلق للغاية بالنسبة لي، لأن هذا التزام جرى التعهُّد به في اتفاقية السلام. المحكمة المختلطة جزء لا يتجزأ من الفصل الخامس من اتفاق السلام».

من تعاقد رئيس جنوب السودان، سيلفا كير، مع شركة «جينفول سوليوشنز»، ويظهر في الصورة بند عمل الشركة على تأخير إنشاء محكمة ثم تعطيلها نهائيًّا. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

وعلى إثر تلك الانتقادات، أُلغي هذا العقد واستُبدِل به عقد آخر، حُذف منه الضغط لتأخير وإلغاء عقد المحكمة، واستبدل به هدف أقل إثارة  للجدل، هو «أخذ الشركة دعمًا من إدارة ترامب لجهود حكومة جنوب السودان لاحتواء الإثنيات المختلفة بجنوب السودان».

وفي 19 يوليو (تموز) 2019، تعاقدت شركة «جينفول سوليوشنز»، لصالح مكتب رئيس جنوب السودان سيلفا كير، مع شركة «سانيتاس إنترناشيونال– Sanitas International» لتتواصل مع مسؤولين برتبٍ عليا بالحكومة الأمريكية، وتجذب المستثمرين إلى جنوب السودان.

وتذكر ملفات شركة «سانيتاس إنترناشيونال – Sanitas International» أنّها لن تقدِّم خدمات سياسية لصالح حكومة جنوب السودان. ولكن عقدها الذي بلغ قيمته 750 ألف دولار سنويًّا، يوظِّف كريستوفر هارفين، المستشار السابق بحملة دونالد ترامب لانتخابات الرئاسة عام 2016، وأحد المقربين منه، ليعمل فقط مستشارًا لجنوب السودان، دون الإشارة لقيامه بأي جهود ضغط سياسي لصالح سيلفا كير.

وبحسب ما صرحت به الشركة في وثائق وزارة العدل، عقدت الشركة مكالمات واجتماعات عِدَّة مع الرئيس سيلفا كير، ونائب سفير جنوب السودان في واشنطن، وعدَّة وزراء من حكومة جنوب السودان. وهدفت هذه الاجتماعات لتقديم المشورة حول طرق تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة وتشجيع الاستثمار الخاص في جنوب السودان، بحسب الوثيقة.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

تحميل المزيد