«من سلوان للشيخ جراح.. بدنا نواصل الكفاح»

كان هذا هتاف أهالي مدينة القدس الأسبوع الماضي عندما وقفوا أمام المحكمة المركزية الإسرائيلية، محتجِّين على سياسات التطهير العرقي والتهجير القسري ضدَّ أهالي بلدة سلوان، وتزامنت هذه الاحتجاجات مع جلسة في المحكمة للنظر في طلبات استئناف عائلتي غيث وأبو ناب، المهددتين بالتهجير من بيوتهما، وكالمُعتاد تعرَّض المحتجون للقمع من شرطة الاحتلال واعتقل بعض الناشطين المشاركين في التظاهرة.

يسمي البعض بلدة سلوان بـ«حامية القدس» أو «قلعة القدس»، وذلك لأهمية موقعها الإستراتيجي بالنسبة للمدينة والمسجد الأقصى، وفي هذا التقرير نعرضُ لمحةً عن تاريخ البلدة ونشرح أهمية موقعها، وسبب المحاولات الإسرائيلية المستمرة والمحتدمة لتهويدها واستيطانها.

سلوان.. بلدة أقدم من الديانة اليهودية

بعد النكبة الفلسطينية عام 1948 وسقوط الجزء الغربي من القدس، دخلَت سلوان تحت حكم المملكة الأردنية الهاشمية، التي ضمَّت لها الضفة الغربية بالكامل، وظلَّت مسيطرةً على القدس الشرقية حتى عام 1967، حين سقطت القدس بالكامل في يد الاحتلال الإسرائيلي، ويعيشُ اليوم فيها 59 ألف فلسطيني.

ولكن تاريخ سلوان يعودُ إلى آلاف السنين، فهي قديمةٌ قدمَ مدينة القدس، ويعتقد بعض المؤرخين بأنَّها بنيت على يدِ «اليبوسيين»، إحدى القبائل التي سكنت المدينة آنذاك، وهناك خلافٌ على أصلهم وإن كانوا قبيلةً كنعانية أم لا.

وتحكي خبيرة الآثار المقدسية، عبير زياد، أنَّ سلوان كانت النواة الأولى التي بُني على أساسها القدس؛ إذ يعود بناؤها إلى قبل 5 آلاف عام، في العصر الحجري الحديث. وكانت سلوان المصدر المائي الذي يمدُّ القدس باحتياجها، وتشتهر بـ«عين سلوان»، التي يعتقد بأنَّ من حفرها هم الكنعانيون أنفسهم، وبلغ طول العين سابقًا قرابة نصف كيلومتر، وضُمَّت إلى الوقف الإسلامي في القدس في عهد الخليفة عثمان بن عفان، حتَّى دخول الاحتلال الإسرائيلي الذي أحكم السيطرة على العين، وبدأ بترويج رواية تلمودية دينية يهودية عن تاريخها وتاريخ سلوان.

وفي كتابه «بلادنا فلسطين»، ينقلُ مصطفى مراد الدباغ، الكاتب والمؤرخ الفلسطيني، مقولةَ مجير الدين الحنبلي، التي قالها في كتابه الشهير «الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل»، متحدثًا عن عين سلوان وحسن مائها: «أما عين سلوان، فهي بظاهر القدس الشريف من جهة القبلة، بالوادي، يشرف عليها سور المسجد القبلي، وعن خالد بن معدان أنه قال: زمزم وعين سلوان التي في بيت المقدس من عيون الجنة. وعنه أيضًا أنه قال: من أتى بيت المقدس، فليأت محراب داوود، ليصلِّ فيه وليسبح في عين سلوان فإنها من الجنة».

تمتد حدود سلوان من السور الجنوبي للمسجد الأقصى إلى منطقة راس العامود في الجنوب الشرقي من القدس، وحي سلوان محاذٍ للأقصى ومطلٌ عليه، وتمتد أراضي سلوان التاريخية حتَّى خان الأحمر، ولكن مع تقدُّم مشروعات الاحتلال الاستيطانية تقلَّص حجم سلوان، واستولى على أجزاء من أراضيه وهجَّر أهله قسرًا.

وشهدَت القدس وسلوان حقبًا تاريخية حضارية مختلفة، فقديمًا اعتنق بعض من أهلها الديانة الوثنية، وبعدها اعتنق بعضهم اليهودية، ثم المسيحية، ومن ثم الإسلام مع فتح بيت المقدس، وتؤكِّد عبير زيادة، الباحثة في شؤون القدس، أنَّ شعب القدس هم الشعب نفسه على مرور التاريخ، ولكن «تغير الدين لا يعني تغير الإثنية».

لسلوان أهمية كبيرة في التاريخ الإسلامي للقدس، وبعد فتح الخليفة الثاني عمر بن الخطاب للقدس اعتنق الإسلام معظم أهلها وأهلُ سلوان، ويظهرُ هذا الإرث الإسلامي القديم في البلدة اليوم؛ إذ تحوي سلوان آلاف القبور التي تحكي تاريخًا إسلاميًّا عميقًا، وفيها آثار تاريخية مثل قبور لصحابة وقبور لمقاتلين ممن شاركوا في معارك صلاح الدين لتحرير مدن فلسطين من الحكم الصليبيِّ، بالإضافة إلى قبور مقاتلين من الحامية العثمانية التي دافعت عن القدس في آخر عهد الدولة العثمانية.

المساعي الاستيطانية في سلوان

منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي بدأت المساعي المكثفة لتهويد سلوان، أولًا باختلاق تاريخ يهوديٍّ خالص للمدينة ثم ببناء مشروعات لمسح الوجود الفلسطيني في سلوان.

يطلق بعض الإسرائيليين على سلوان اسمًا دينيًّا، «مدينة داوود»، نسبةً إلى الملك داوود (النبي داوود في الإسلام)، «مُؤسس الأمة الإسرائيلية»، ومنذ عقودٍ يبحث علماء آثار عن أدلةٍ على وجود هذه المدينة التاريخية، وهو بحثٌ أثريٌّ بأهداف سياسية خالصة، لتبرير ابتلاع المستوطنات للأراضي الفلسطينية في القدس، ولجذب المزيد من المستوطنين لسلوان بهدف الإحاطة بالبلدة القديمة في القدس من كل النواحي، ولكن هذه الجهود لم تُثمر حتى الآن في ربط سلوان بحقبة الملك داوود التاريخية، أي في عام 1500 قبل الميلاد.

وعبر العصور، لم يُفَرِّق أهالي سلوان بين الديانات المختلفة، فقد عاش المسلمون جنبًا إلى جنب مع المسيحيين واليهود، حتى إنَّ أهالي سلوان استقبلوا عام 1882 يهودًا يمنيين مهاجرين، بعدما رَفض المستوطنون الصهاينة استقبالهم، وسكنوا في الحارة الوسطى لسلوان، وكان عند أهل سلوان وعيٌ وتفريقٌ بين ما هو يهودي وما هو استيطانيٌّ صهيوني يهدف لطرد الفلسطينيين من البلاد.

Embed from Getty Images

علم إسرائيل مرفوعٌ في بلدة سلوان، في القدس المحتلَّة

وفي ثلاثينيات القرن الماضي شهدت فلسطين عدَّة انتفاضات، من ثورة البراق عام 1929، إلى الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 وحتى 1939، لردع حكومة الانتداب البريطاني وسياستها في تعزيز الاستيطان الصهيونيِّ ودعمه، وظلَّت سلوان في هذه الانتفاضات مشتعلةً بالمواجهات.

واستطاع الثوار الفلسطينيون حينها وقف تمدد المشروع الصهيوني الساعي لوصلِ القدس القديمة بالمستعمرات اليهودية الخارجية، مثل مستعمرتي المنتفيوري، وتل بيوت، وهنا تأتي أهمية سلوان تاريخيًّا واليوم: البلدة هي حلقة الوصل، المفقودة، بين المستعمرات الصهيونية وبين حي النبي داوود، وحتى اليوم ظلَّ موقع سلوان حساسًا وفي واجهة الحرب المستمرة على القدس.

إسرائيل: العيش في سلوان سيكون جحيمًا على الفلسطينيين

بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، بدأ العمل في مشروعات تهويدية في شرق القدس، أشرف عليها «الصندوق القومي اليهودي – Jewish National Fund»، وهو منظمة صهيونية أسست عام 1901 هدفها تمويل المستعمرات وإنشاؤها، وانصب تركيز المنظمة على بلدة سلوان بهدف بسيط: تطهير القرية من الفلسطينيين.

ومنذ 1995 وحتى اليوم تعمل إسرائيل على مشروعات تنقيب في سلوان، وعلى بناء بنية تحتية كاملة تحت البلدة القديمة، وصولًا إلى المسجد الأقصى، بالإضافة لبناء مواقع أثرية وسياحية لجلب المستوطنين.

وتروِّج الدعاية الإسرائيلية لوجود «حقٍّ توراتي» لليهود ليسكنوا في سلوان، لأنها تمثِّل موقع مدينة «أورشليم القديمة» أو ما يسمى «مدينة داوود»، ومع محاولات التهجير الممنهجة، يعاني أهالي سلوان من إزعاجٍ دائم بسبب المشروعات الإنشائية؛ إذ تبدأ عمليات التنقيب والحفر من الساعة السابعة صباحًا حتى المساء، وكأنَّها «زلزالٌ يضرب المنطقة» كما يصفها أحد سكان البلدة، وبسبب هذه المشروعات تنهارُ بيوت الفلسطينيين في كثيرٍ من الأحيان.

يقول فؤاد المختار، أحد سكان البلدة في حديثٍ لـ«ميدل إيست آي»: «يستخدمون سياسة العصا والجزرة، ومنذ أن افتتحت مدينة داوود أصبحت الحياة في وادي حلوة لا تطاق. وإذا انهدت بيوتنا، لن تعطينا بلدية القدس إذنًا ببناء بيوت جديدة».

خريطة بلدة سلوان، والمناطق الملونة الأصفر تمثِّل مناطق الحفريات. مصدر الخريطة: موقع «ميدل إيست آي»

فرضت سلطات الاحتلال اسمًا مختلفًا لوادي حلوة، وهو اسم «مدينة داوود»، ووادي حيٌ في سلوان، ووفقًا للكاتب الفلسطيني زياد إبحيص،  شكَّلت سلوان «المركز التهويدي للرواية الصهيونية قبل البلدة القديمة والأقصى»، فتلَّة سلوان من التلال الثلاثة الرمزيَّة في التصوُّر الصهيونيِّ للقدس، هي وتلُّ صهيون وتلة المسجد الأقصى.

ويوجد تركيزٌ على حي بطن الهوى في سلوان؛ إذ يسعى المستوطنون فيه بدعمٍ من الدولة الإسرائيلية لطرد الأهالي من بيوتهم، ويدَّعي المستوطنون أنَّه حيٌّ إسرائيلي يمينيٌّ منذ عام 1948. منذ 2004 تركز المستوطنون في بؤرتين في سلوان، ومع دعم حكومة الاحتلال توسَّعت لتصل إلى ستِّ بؤر عامَ 2014، وتضاعفت خلال أقل من سبعة أعوام، لتصلَ اليوم إلى 12 بؤرة استيطانية. ويقابل هذا التوسع الاستيطاني عدوان مستمرٌ على أي وجود فلسطيني في سلوان، فمنذ 1967 هدم الاحتلال أكثر من 2718 منزلًا في البلدة، والآن يُهدِّد بهدم 6118 منزلًا آخر، بحسب فخري أبو دياب، الناشط والباحث في شؤون القدس.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 10 شهور
«ميدل إيست آي»: معاناة الفلسطينيين في القدس بين الاحتلال وأوامر الإخلاء

وتتصدى سلطات الاحتلال لأيِّ محاولات للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في سلوان، مثلَ اعتقال زهير الرجبي رئيس لجنة بطن الهوى، بعد تنظيمه لماراثون احتجاجيٍّ على محاولات طرد سكان بطن الهوى، ويقول إن الاحتلال يحاول منذ عامين تلفيق تهم ضده لتعطيل عمله.

وتعيش العائلات الفلسطينية في بلدة سلوان مضايقات ممنهجة ومستمرة من المستوطنين القريبين منهم، فعلى سبيل المثال يحكي فلسطينيٌّ عن تعمُّد المستوطنين، الذين يعيشون فوق بيته، تسريبَ مياه الصرف الصحي أو إلقاء النفايات والحجارة على بيته.

هذا الإزعاج المستمر بدءًا من التفاصيل اليومية الصغيرة، ضدَّ الفلسطينيين حتى في بيوتهم، تكمِّله سلطات الاحتلال بمعارك قانونية وقضائية ضدَّ أهل سلوان، فهنالك اليوم 86 عائلة (مكوَّنة من 725 فرد) مهددون بالترحيل من بيوتهم في حي بطن الهوى، و100 بيت مهدد بالهدم في حي البستان يُؤوي ما مجموعه 1550 فردًا.

وفي عام 2019، بعدما اعترفت أمريكا بالقدس عاصمةً لإسرائيل، بدا وكأنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يريدُ إسراع مخططات استيطان القدس وأحيائها بأسرع وقت ممكن، قبل أن يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من البيت الأبيض ويتراجع الدعم الدولي والإقليمي المُطلق لسياسة الاستيطان، ولذا افتتحت حكومته «طريق الحجاج»، وهو نفق يمرُ ببلدة سلوان وصولًا إلى الحائط الغربي للمسجد الأقصى، حائط البراق، وتمَّ الافتتاح بحضور السفير الأمريكي بالقدس، ديفيد فريدمان، المؤيد للاستيطان والمناصر للصهيونية، الذي قال في افتتاح النفق إنَّه «ليس إرثًا إسرائيليًّا فقط، بل هو إرث أمريكي».

مقطعٌ إسرائيلي يروِّج لدعاية «مدينة داوود» و«القدس القديمة»، ويُظهر أعمال الحفر الواسعة في سلوان

يأتي طريق الحج ضمن جهودٍ طويلة وحثيثة من الحفريات أسفل المسجد الأقصى لإيجاد أي آثار تنسب المدينة تاريخيًّا للديانة اليهودية، ومن ثم لإسرائيل، مُحتكرة الحديث باسم يهود العالم، والنفق ضمن مخطط «شلم» الاحتلالي لضم القدس، ويشملُ تنفيذ العديد من المشروعات السياحية والأثرية في البلدة القديمة ومحيطها.

ستبقى سلوان إحدى أهم مناطق الصراع بين الفلسطينيين والمستوطنين، فمن يحكمها يحكمُ عصب مدينة القدس، وهذه قاعدة يدركها المقدسيون والسلوانيون تمامًا في مواجهتهم للكيان المحتل، فسلوان الماء والأرض والآثار، تحتمي بالأقصى ويحتمي بها.

المصادر

تحميل المزيد