إنها لفكرة عظيمة أن نسعى لتشكيل أمة واحدة من العالم الجديد، برابطة واحدة، تجمع أجزاءها فيما بينها ومع الأمة ككل؛ إذ أن أصلها واحد، ولغتها واحدة، وعاداتها واحدة ودينها واحد. وبالتالي، ينبغي أن تكون لها حكومة كونفدرالية واحدة تحت اسم كولومبيا تدير الولايات المختلفة التي يجري تشكيلها.. وأتمنى أن يحالفنا الحظ ذات يوم، لنرسي هناك مجلسًا جليلًا من ممثلي الجمهوريات والممالك والإمبراطوريات، للنقاش والتداول حول المصالح العليا للسلم والحرب مع دول العالم الأخرى. *رسالة من جاميكا، سيمون بوليفار

يلقب بجورج واشنطن أمريكا اللاتينية، ويعد من أشهر رجالها السياسيين والثوريين العسكريين في القرن التاسع عشر، إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق. إنه سيمون بوليفار القائد العسكري والسياسي الفنزويلي، الذي يُعدّ من أقوى الشخصيات في تاريخ السياسة العالمية، وقاد الثورات في أمريكا اللاتينية ضد الإمبراطورية الإسبانية. وقد أدت جهوده إلى استقلال كولومبيا العظمى، التي جرى تجزئتها فيما بعد إلى ما يعرف اليوم بكولومبيا وفنزويلا والإكوادور وبنما.

كذلك، حصلت كل من بيرو وبوليفيا على استقلالهما بفضل نضاله، وساعد بوليفار أيضًا في إرساء أسس الديمقراطية في أمريكا اللاتينية. نتناول في السطور التالية سيرة المناضل الفنزويلي، وثورته ضد الاحتلال الإسباني.

حياته المبكرة.. اليتيم الأرستقراطي

ولد بوليفار في 24 يوليو (تموز) عام 1783، في كاراكاس بفنزويلا لعائلة فنزويلية أرستقراطية من أصل إسباني، تملك الثروة والنفوذ، وتكسب أموالها من مناجم الذهب والنحاس الغنية٬ التي كانت تملكها في فنزويلا. توفي والده وهو في الثالثة من عمره، وتوفيت والدته بعد ست سنوات لاحقة، وبعد ذلك تولى خاله إدارة ميراثه ووفر له المدرسين لتعليمه. وكان أحد هؤلاء المعلمين، سيمون رودريجيز، أحد تلامذة جان جاك روسو، الذي قدم بوليفار إلى عالم الفكر الليبرالي في القرن الثامن عشر، وأثر عليه تأثيرًا عميقًا صاحبه طوال حياته.

بورتريه سيمون بوليفار

بعد وفاة والديه، تلقى بوليفار الرعاية من قبل ممرضة وأصدقاء العائلة وسلسلة من المعلمين والمربين، الذين تولوا تربيته والعناية به. وكان رودريجيز أحد أكثر المعلمين تأثيرًا، إذ تشرب منه بوليفار الشاب مُثُل الحرية والتنوير والتحرير، وأصبح بوليفار مغرما بمُثُل ورؤى الثورتين الأمريكية والفرنسية، اللتين شهدهما في حياته. ولاحقًا، عندما أصبح رئيس كولومبيا العظمى، سعى إلى تقليد بعض هذه المثل الديمقراطية، وإنشاء اتحاد فدرالي يجمع دول أمريكا اللاتينية.

في سن السادسة عشر، أُرسِل بوليفار إلى إسبانيا لإكمال تعليمه، وفي الطريق، توقفت سفينته في فيرا كروز. وخلال مقابلة مع نائب ملك أسبانيا، أشاد بوليفار بالثورة الفرنسية والاستقلال الأمريكي؛ مما جعل المسؤولين الإسبان يشعرون بالقلق. وفي عام 1802، تزوج بوليفار من ابنة أحد النبلاء في إسبانيا ثم عاد إلى كاراكاس في عام 1803، غير أن زوجته وافتها المنية بعد عودتهم بعام فقط إثر إصابتها بالحمى الصفراء، ولم يتزوج بوليفار بعدها في حياته.

تتويج نابليون يرسم له طريق تحرير بلاده

جعلت كل من الوحدة وفقد الأهل والزوجة بوليفار يعتنق فكرة الوطن الأم وتحرير فنزويلا، وليس فنزويلا وحسب، بل تحرير كل أراضي أمريكا اللاتينية أيضًا، والتي كانت تسمى آنذاك أمريكا الإسبانية، وتمتد من الأرجنتين حتى المكسيك.

ومن أجل إلهاء عقله بعيدًا عن الحزن، قرر بوليفار العودة إلى أوروبا؛ ليغمر نفسه في عالم الفكر والسياسة الذي وجده محفزًا للغاية. وخلال وجوده في باريس، التقى بعالم الطبيعة الجليل ألكسندر فون هومبولت، الذي كان قد عاد لتوه بعد خمس سنوات  قضاها في أمريكا الجنوبية. تحدث فون هومبولت عن موارد قارة أمريكا الجنوبية الطبيعية الهائلة وعجائبها؛ فقال له بوليفار: «كم سيكون مصير العالم الجديد رائعًا، إذا جرى تحرير شعبه من عبوديته»، وأجابه فون همبولت: «أعتقد أن بلدك مستعد لنيل استقلاله. لكني لا أستطيع رؤية الرجل الذي سوف يحقق ذلك». وقد كان ذلك التعليق تعليقًا مصيريًا، إذ ظل بوليفار يتذكره بقية حياته.

ومن الأحداث الهامة أيضًا التي تركت أثرًا في فكر وروح بوليفار، مشهد تتويج نابليون إمبراطورًا في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) عام 1804. أصاب بوليفار حينها الذهول؛ إذ شعر بأن ما قام به نابليون بونابرت كان خيانة لمبادئ الثورة الفرنسية، ولكنه على الجانب الآخر، أدرك قدرة رجل واحد على تغيير مجرى التاريخ. علاوة على ذلك، صعق بوليفار مشهد التتويج الذي يقرّ فيه البابا بسلطة نابليون، الذي مُنح السيطرة الكاملة على البلاد، وجمع في شخصه السلطتين التشريعية والتنفيذية. ومن ناحية أخرى، أعرب بوليفار أنه لا ينتظر مجدًا كهذا، بل يكمن المجد بنظره؛ في رؤية بلدان حرّة، تحكمها سلطات عامة منفصلة.

لاحقًا، التقى بوليفار معلمه القديم رودريجيز، وسافر الاثنان إلى روما حيث التقوا مرة أخرى فون هومبولت. وفي 15 أغسطس (آب) عام 1805، وجد بوليفار نفسه مع رودريجيز في مونتي ساكرو، منطقة ترتبط في التاريخ الروماني بالتحرر من الاضطهاد. وهناك ركع بوليفار البالغ من العمر حينها 22 عامًا على ركبتيه، وأمسك بيد معلمه، وتعهد بتحرير بلاده من الإمبريالية الإسبانية، وقد كانت تلك نقطة تحول في حياة سيمون بوليفار، الذي سوف يفي بوعده فيما بعد ويلقب بـ «المُحرّر».

حركة الاستقلال وإسبانيا التي لا تقبل الهزيمة

في عام 1807، عاد بوليفار إلى فنزويلا، وبدأت حركة الاستقلال في أمريكا اللاتينية بعد عام من عودة بوليفار، خاصة بعد أن أدى غزو نابليون لإسبانيا إلى زعزعة السلطة الإسبانية. فضلا عن ذلك، فشل نابليون في كسب دعم المستعمرات الإسبانية، التي طالبت بالحق في تعيين مسؤوليها. وعلى غرار الدولة الأم -إسبانيا- رغبت تلك المستعمرات في إنشاء مجلس عسكري يحكم باسم الملك الإسباني المخلوع. ومع ذلك، رأى كثير من المستوطنين الإسبان في تلك الأحداث فرصة لقطع علاقاتهم مع إسبانيا.

وقد شارك بوليفار في العديد من الاجتماعات التآمرية ضد الاستعمار الإسباني، وبحلول عام 1810، أصبح المجلس العسكري الأعلى لمدينة كاراكاس قويًا بالدرجة الكافية لإقالة نائب الملك الإسباني، واستطاع بوليفار في 19 أبريل (نيسان) عام 1810 الإطاحة بالحاكم الإسباني فنسنت دي إمبران، وطرده من فنزويلا بعد حرمانه رسميًا من سلطاته. كذلك، جرت إقامة حكم عسكري، وأُرسل بوليفار في مهمة إلى لندن؛ لطلب الحماية من الحكومة البريطانية ضد أي محاولة من فرنسا للاستيلاء على فنزويلا.

كانت مهمة بوليفار في لندن هي شرح محنة فنزويلا المستعمرة الثورية إلى إنجلترا، وطلب الاعتراف بها، إلى جانب الحصول على السلاح والدعم. ورغم الفشل في مفاوضاته الرسمية إلا أن إقامة بوليفار في إنجلترا كانت مثمرة من ناحية أخرى؛ فقد أتاحت له الفرصة لدراسة مؤسسات المملكة المتحدة التي ظلت بالنسبة له نموذجًا للحكمة السياسية والاستقرار. والأهم من ذلك، أنه عزز قضية الثورة بإقناع الفنزويلي المنفي فرانسيسكو دي ميراندا، الذي كان قد قاد ثورة سابقة في عام 1806، حاول خلالها تحرير بلاده بمفرده، بالعودة إلى كاراكاس وتولي قيادة حركة الاستقلال.

وفي عام 1811، أعلن المجلس العسكري الوطني استقلال فنزويلا، وانخرط بوليفار في الجيش تحت قيادة فرانسيسكو ميراندا؛ وأصبح عقيدًا ثم عميدًا. إلا أن إسبانيا لم تقبل الهزيمة وشنت هجومًا مضادًا على فنزويلا، ورجحت كفة الموالين للملكية الإسبانية؛ مما دفع ميراندا إلى الاستسلام وتوقيع الهدنة معها عام 1812. وأصدر كونجرس فنزويلا الوطني الأول قرارًا أقر فيه بعودة السيادة الإسبانية على فنزويلا مجددًا.

«بيان كارتاخينا» ورسالة من جامايكا

غادر بوليفار إلى كارتاخينا في غرناطة الجديدة التي أصبحت فيما بعد كولومبيا، حيث بدأت عملية الاستقلال وأدت إلى تشكيل عديد من المجالس العليا التي تنافست فيما بينهما. وانطلاقا من هذا، كتب بوليفار مخطوطة أُطلق عليه «بيان كارتاخينا السياسي» في 15 ديسمبر (كانون الأول) عام 1812، الذي أعقب سقوط الجمهورية الفنزويلية الأولى. وأكد بوليفار في بيانه أن انقسام شعب فنزويلا هو الذي أعادها إلى العبودية، متناولًا بقدر كبير من التفصيل أسباب تلك الخسارة على الصعيد السياسي، والعسكري، والاقتصادي، والاجتماعي، ودعا أيضًا إلى عدم ارتكاب هذه الأخطاء مجددًا في غرناطة الجديدة.

وقد تجاوب معه شعب غرناطة، وعُيّن قائدًا لحملة هدفها تحرير فنزويلا. وفي عام 1813، اشتبك مع الإسبان في ست معارك ودخل منتصرًا إلى كاراكاس بصفته منقذًا للبلاد. وحصل من جراء ذلك على لقب «المحرر»، الذي أصبح ملازمًا له طيلة حياته وبعد وفاته. وانطلاقًا من ذلك، ركز بوليفار على إقامة الجمهورية الفنزويلية الثانية (1813- 1814)، ووضع العديد من الأنشطة الإدارية، التي أسهمت في تنظيم النظام العسكري من خلال اللوائح والاحتفاظ بالقنصلية، إلى جانب خلق نظام نيابي جديد، وتعديل الحكومة البلدية، وعرض الجنسية على عدد قليل من الأجانب الراغبين في التعاون مع القضية الجمهورية. كذلك، اهتم بالشأن الاقتصادي عبر التحفيز على النشاط الزراعي، والصادرات، وإيجاد العمالة الماهرة.

وفي هذه الأثناء، ظهر على الساحة قائد الميليشيات الإسبانية، خوسيه توماس بوبيس، الذي بدأ عملياته العسكرية في لابويرتا بولاية تروخيو الفنزويلية، في أوائل 1814، مع القوات المحلية في سهول اللانوس. وفي الوقت نفسه، ضعفت قوات بوليفار، عقب دخولهم في معركة مع بوبيس وأهل اللانوس، بسبب نقص الموارد المادية، وعدم وجود قوات احتياطية لتغطية الخسائر التي تكبدها أمام عدوه. وهكذا، فقد قُضي على الجمهورية الفنزويلية الثانية، واستطاع الموالون للملكية الإسبانية توطيد سيطرتهم على كل أنحاء البلاد، عدا أورينتي وجزيرة مارجريتا، اللاتي بقيتا في حوزة الجمهوريين.

اضطر بوليفار إلى الفرار إلى جامايكا وطلب المساعدة الخارجية، بعد سقوط الجمهورية الثانية واندلاع حرب أهلية. وهناك كتب كتابه الشهير «رسالة من جامايكا»، يشرح فيه رؤيته لجمهورية أمريكا الجنوبية، من خلال إعداد برلمان على غرار البرلمان البريطاني، وتعيين رئيس دائم، وهي الفكرة التي انتقدها لاحقًا عدد من المفكرين والقادة الآخرين لرغبته في أن يصبح قائدًا للأمة لا يمكن إزالته من السلطة.

نيكولاس مادورو.. سائق الحافلة «ذو الـ7 أرواح» الذي يقود فنزويلا إلى الهاوية

حلم اتحاد جمهوريات أمريكا الإسبانية

بحلول عام 1815، أرسلت إسبانيا إلى مستعمراتها الفتية أقوى قوة استكشافية عبرت المحيط الأطلسي، بقيادة بابلو موريللو. ونظرًا لعدم تلقي أي وعود من بريطانيا العظمى والولايات المتحدة بالمساعدة، لجأ بوليفار إلى هايتي التي كانت قد تحررت مؤخرًا من الحكم الفرنسي، وأصبحت أول جمهورية زنجية، وهناك لقي استقبالًا وديًا، بالإضافة إلى دعمه بالمال والسلاح.

وفي هايتي التقى بوليفار ببيتيون الذي قال له إن عليه تحرير العبيد في فنزويلا، وإقامة ثورة شعبية. وأدرك بوليفار أن الطريقة الوحيدة لتحرير فنزويلا وأمريكا اللاتينية من الحكم الإسباني لن تكون سوى من خلال ثورة شعبية. لذلك، في الثاني من يوليو (تموز) عام 1816، عندما عاد من هايتي إلى فنزويلا، أصدر مرسوم إلغاء العبودية، وأعلن أن كل من ينضم إلى قضية الاستقلال يصبح حرًا هو وأبناؤه وكل سلالته.

واصل بوليفار ثورته، وأقام اتصالات مع ثوار السهول الذين انضموا إليه، وفي ربيع عام 1819 قاد حملة لضرب القوات الإسبانية في غرناطة الجديدة. ويعد هذا الهجوم من أكثر الحملات جرأة في تاريخ الحملات العسكرية؛ إذ قام به جيش صغير مكون من نحو 2500 رجل فقط، سلكوا طريقًا وعرًا في جو ممطر، وقطعوا البحيرات والجبال، وكان الإسبان يعتبرون المرور فيها مستحيلًا.

هاجم بوليفار وجنوده الإسبان على حين غرة، وفي معركة بوياكا الحاسمة في 7 أغسطس 1819، استسلم معظم الجيش الملكي الإسباني إلى بوليفار. وبعد ثلاثة أيام دخل بوجوتا، وكان هذا الحدث نقطة تحول في تاريخ شمال أمريكا الجنوبية. وبعد استسلام القوات الملكية لبوليفار، أعلنت جمهورية كولومبيا العظمى وانتخب بوليفار رئيسًا عسكريًا. لكن هذه الدولة الفيدرالية التي ضمت فنزويلا، وكيتو (الإكوادور)، وغرناطة الجديدة، كانت حبرًا على ورق، لأن فنزويلا وكيتو كانتا لا تزالان تحت سيطرة إسبانيا.

شعر بوليفار أن الثورة في أمريكا الجنوبية أصبحت حتمية، فعاد لمجابهة القوات الملكية وحرر كاراكاس في يونيو (حزيران) 1821، والإكوادور في مايو (أيار) 1822؛ وبذلك تحررت جمهورية كولومبيا بأسرها. ولم يبق بأيدي المستعمرين سوى البيرو التي تمكن بوليفار من تحريرها في ديسمبر (كانون الأول) 1824، باستثناء القسم الأعلى منها الذي حرره مساعده بعد عام فقط، واتخذت تلك المنطقة اسم «بوليفيا» تيمنا بالمحرر بوليفار.

وفي عام 1826، أنشأ بوليفار حلفًا يضم دول أمريكا الإسبانية، ووُقعت إثر ذلك معاهدات بين كل من كولومبيا، والبيرو، وأمريكا الوسطى، والمكسيك، واتخذت تلك الدول قرارًا فيما بينها بإنشاء جيش وأسطول مشتركين، وتعهدت بأن تحل جميع مشاكلها بالتحكيم. ولكن في مطلع عام 1827، دبّ الخلاف بين غرناطة الجديدة وفنزويلا، وبدى أن رؤية بوليفار الكبرى لإقامة اتحاد فيدرالي بين جمهوريات أمريكا اللاتينية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، صعبة المنال ولا يمكنها التماسك؛ إذ أبدت مناطق مختلفة استياءها المتكرر، واضطر بوليفار لاتخاذ سلطات دكتاتورية لتوحيد البلاد. ومع ذلك، زادت تلك الإجراءات من حدة هجوم خصومه السياسيين، ووصل الأمر إلى تدبير محاولة لاغتياله في عام 1828 نجا منها بأعجوبة.

سيمون بوليفار.. المعبود في بلاده والمنسي خارجها

رغم فشل محاولة اغتياله، إلا أن عاصفة النزاعات اشتدت بها الريح، وأخذ التفكك يدب في أرجاء الاتحاد المقام حديثًا. على الجانب الآخر، بدأت صحة بوليفار في التدهور، وسعت بيرو إلى غزو الإكوادور، إلا أن سوكريه أنقذ الإكوادور وهزم البيروفيين في عام 1829. وبعد بضعة أشهر تمرد، حاول خوسيه ماريا، أحد أتباع بوليفار السابقين، التمرد ضده ولكن جرى سحقه والتصدي له، إلا أن بوليفار شعر بالإحباط بسبب استمرار محاولات التمرد والجحود الذي أبداه أتباعه السابقون.

وفي خريف عام 1829، انفصلت فنزويلا عن كولومبيا العظمى، وسرعان ما أدرك بوليفار أن وجوده بات يمثل خطرًا على السلام الداخلي والخارجي للدول التي تدين له باستقلالها. لذلك؛ استقال بوليفار من رئاسته، ورفض عروضًا ليصبح رئيسًا دائمًا، مفضلًا أن يبقى مواطنًا عاديًا، وقرر في الثامن من مايو (آيار) عام 1830، مغادرة بوجوتا وخطط للجوء إلى أوروبا. ولدى وصوله إلى ساحل المحيط الأطلسي، علم أن سوكريه الذي كان قد دربه ليحل خليفة له قد تم اغتياله.

حزن بوليفار لذلك حزنًا عظيمًا، وألغى رحلته إلى أوروبا التي كانت بناء على دعوة أحد معجبيه من الإسبان، وسافر بوليفار إلى مقره بالقرب من سانتا مارتا، حيث كتاب وصيته وإعلانه الأخير في 10 ديسمبر (كانون الأول) عام 1830، الذي تمنى فيه موته إذا كان سيسمح بتدعيم الاتحاد، واختفاء الأطراف المتصارعة، وتمنى لشعبه إقامة اتحاد أعظم. وفي 17 من الشهر نفسه، توفي المحرر وفق ما قيل أنه نتيجة إصابته بمرض السل.

ومن المفارقات العجيبة أن حياته انتهت في منزل رجل إسباني، وبعد وفاته بفترة وجيزة، حُلّت كولومبيا العظمى قانونيًا في عام 1831، بعد أن ضربها التفكك بسبب الخلافات السياسية التي جزأت النظام الدستوري. وتأسست الجمهوريات الثلاث: غرناطة الجديدة، وفنزويلا، والإكوادور تحت حكم ثلاث قيادات منفصلة.

وفي حين أن اسم سيمون بوليفار مجهول تقريبا خارج قارة أمريكا الجنوبية، إلا أن محرر أمريكا اللاتينية شبه معبود في بعض بلدانها. وقد أدت أهمية أفكاره السياسية إلى تقديس شخصه في دول أمريكا اللاتينية، وجرى تحليل عمله السياسي بشكل رئيسي من خلال مراسلاته، وخطاباته، وتقاريره التي ألقاها طيلة حياته، ويعد «بيان كارتاخينا»، ورسالة جامايكا على قمة عروضه السياسية.

فضلا عن ذلك، أثارت شخصية وفكر بوليفار في أمريكا اللاتينية مختلف التيارات السياسية للدفاع عن أفكاره ومشاريعه، بدءًا من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. ويلاحظ تقديس شخصية بوليفار بشدة في فنزويلا، حيث كانت تستخدمه الحكومات المتعاقبة لتبرير وحماية مشاريعها. ووصف المؤرخ الفنزويلي خيرمان كاريرا داماس عملية تقديس شخصية سيمون بوليفار، بشكل اقترب من عبادتها في كتابه عبادة بوليفار. كذلك، خصص المؤرخ الفنزويلي مانويل كاباييرو العديد من أعماله؛ لتحليل انتشار هذه العبادة من أجل تحقيق مآرب سياسية من قبل مجموعات مختلفة في فنزويلا وخارجها.

وقد كتب الكاتب الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز سيرة حياة  سيمون بوليفار في رواية «الجنرال في متاهته»، التي نُشرت في عام 1989، وتُوثق الأيام الأخيرة من حياة الجنرال بوليفار. كذلك، جرى تكريم سيمون بوليفار عدة مرات، حتى بعد وفاته عبر إقامة العديد من المجسمات والتماثيل له في العديد من بلدان خارج أمريكا الجنوبية، مثل الولايات المتحدة، وألمانيا، وأستراليا، وتركيا، والبرتغال، وفرنسا، وإيران. أيضًا يوجد تمثال المُحرر في حي جاردن سيتي بوسط القاهرة، وقد نُصب التمثال في الميدان الذي يحمل اسمه في 11 فبراير (شباط) عام 1979، بحضور زوجة الرئيس الفنزويلي دونا بلانكا رودريجيز.

علاوة على ذلك، تمنح منظمة اليونسكو جائزة سيمون بوليفار الدولية، التي أنشئت في عام 1978، لمكافأة الأنشطة التي تساهم في الحرية والاستقلال وكرامة الشعوب، وتعزيز وجود نظام اقتصادي واجتماعي وثقافي ودولي جديد، وفقًا للمثل التي آمن بها سيمون بوليفار. وتمنح هذه الجائزة مرة كل سنتين، وتمولها حكومة فنزويلا. وبدءًا من عام 2001، قررت جمهورية فنزويلا إطلاق اسم جمهورية فنزويلا البوليفارية على البلاد، تكريمًا لأبي الوطن.

فنزويلا.. مأساة اقتصادية لأضخم احتياطي نفطي في العالم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد