هذا ما يعتقده جمهور عريض كما يبدو بعد انتشار صور ومقاطع فيديو على نطاق واسع في الشبكات الاجتماعية، تُحيل إلى أن مسلسل عائلة سيمبسون الكارتوني الشهير توقع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض منذ سنة 2000.

وقد نقلت معظم وسائل الإعلام الناطقة بالعربية، منها «بي بي سي» و«سي إن إن» والجزيرة؛ الخبر على أنه حقيقة.

وجعل ذلك الكثير يفتح خياله لينسج تفسيرات مرتبطة بـ«نظريات المؤامرة»، حيث رأى البعض في توقع كارتون «ذا سيمبسونز» بفوز ترامب، دليلًا على «تحكم الماسونية في العالم»، فيما ذهب آخرون إلى أن ذلك يعني أن المشهد السياسي الأمريكي والعالمي «يكون مرسومًا بتفاصيله مسبقًا قبل عقود من الزمن من طرف نخبة خفية».

في المقابل لذلك، بحث «ساسة بوست» في حقيقة الصور ومقاطع الفيديو المنسوبة لـ«ذا سيمبسونز»، والتي يُشاع أنها تنبأت بفوز ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، قبل نحو 16 عامًا.

«ذا سيمبسونز» يجسد شخصية ترامب


هنا تظهر صورة لترامب في مسلسل «ذا سيمبسونز»، حيث يُحيّي بيده، جمهوره، وهو ينزل سلمًا كهربائيًّا. بجوارها صورة اُخرى لترامب الحقيقي، وهو ينزل سلمًا كهربائيًّا، ويُلوّح بيده إلى جمهوره، بنفس الطريقة التي يبدو عليها في الصورة الكارتونية.

أما الصورة الثانية فتبرز ترامب في «ذا سيمبسونز»، بملامحه المعتادة وبذلته الرسمية مع ربطة عنقه الحمراء، في مقارنة تامة مع دونالد ترامب الحقيقي.

في الواقع، الصورتان كلاهما مقتطعان من إحدى حلقات مسلسل «ذا سيمبسونز» في فصله الـ25، والمعنونة بـ«Trumptastic Voyage»، ونشرت من قبل «animation domination» على قناة يوتيوب في السابع من يوليو (تموز) 2015، وليس قبل 16 سنة كما يُروّج على مواقع التواصل الاجتماعي، والعديد من الصحف الإلكترونية.

وكان ترامب قد ترشح للرئاسة منذ 15 يونيو 2015، بما يعني أن الحلقة الكارتونية أُنجزت بعد إعلان ترشحه لخوض السباق الرئاسي، وبالتأكيد لن يكون صعبًا بالنسبة لمنتجي المسلسل المحترفين تقليد حركات ترامب وسط حشده الانتخابي في الكارتون، بالإضافة إلى ذلك لا توجد إشارة في المقطع إلى فوز ترامب بالرئاسة، بخلاف ما يروج.

ويظهر في الحلقة، أن هومر، رب الأسرة، يحضر مؤتمرًا انتخابيًّا لترامب، فاندفع يحدق في شعره الأصفر، قبل أن يقوم برحلة تخيلية يطير فيها بين شعيرات رأس ترامب، مُطّلعًا على ما يجول في عقله، فيتخيّل أمورًا غريبة وأفكارًا صادمة، ثم يستفيق من أحلام يقظته، ليفاجأ بإعلان ترامب ترشحه للرئاسة، ما أدخل هومر في نوبة استياء ساخرة.

كما تخللت مشاهد حلقة «ذا سيمبسونز» المعنية، ظهور جمهور ترامب وهم يلتقطون صورًا بهواتف آيفون الذكية، بينما لم تدخل شركة آبل عالم صناعة الهواتف الذكية سوى في 2006.

خريطة «ذا سيمبسونز» ونتائج الانتخابات الأمريكية

في منشور آخر، تظهر خريطة لـ«ذا سيمبسونز» تُبيّن توزيع الجمهوريين والديمقراطيين حسب نتائج الأصوات الانتخابية في الولايات الأمريكية، وتبدو «مطابقة» لنتيجة الانتخابات الأمريكية الأخيرة، التي فاز فيها المرشح الجمهوري دونالد ترامب، على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، ما جعل الكثيرين يذهبون إلى أن الانتخابات الأمريكية مُتَحكّم في نتائجها سلفًا.

لكن في الحقيقة الصورة مقتطعة من إحدى حلقات «ذا سيمبسونز»، المسماة «Mr. Burns Endorses Romney» من الفصل 24، وهي تعود لسنة 2012، إلا أنها لا تأتي على ذكر ترامب نهائيًّا، وإنما تتحدث عن المرشح ميت رومني.

كذلك، الخريطة الواردة في حلقة «ذا سيمبسونز» لا تطابق تمامًا خريطة النتائج الحقيقية للسباق الانتخابي الأمريكي بين الجمهوريين والديمقراطيين الأخير، فمثلًا خريطة المسلسل الكارتوني تظهر ولاية ميشيجن وأوهايو باللون الأزرق، بينما هما في الخريطة الفعلية باللون الأحمر، فعلى ما يبدو لا يعدو الأمر مجرد الصدفة.

الكارتون يتنبأ بفوز ترامب في 2016

في هذا المقطع من ذا سيمبسونز يقوم بارت، الابن الأكبر للأسرة، برحلة تخيلية إلى المستقبل حيث يفاجأ بأن شقيقته ليزا أصبحت رئيسة للولايات المتحدة بعد انتهاء فترة ترامب الرئاسية، وهي تسأل وفد مستشاريها داخل مكتبها بالبيت الأبيض، قائلة: «أعرف أننا ورثنا أزمة مالية كبيرة من الرئيس ترامب، ما مدى سوء الوضع؟»؛ ليرد عليها أحد المسؤولين: «لقد أفلسنا!».

https://www.youtube.com/watch?v=lxjM1yCcqTQ

الحلقة المنشورة على قناة يوتيوب بتاريخ 26 مارس (آذار) 2013، تعود للفصل الـ11 من المسلسل، وقد أُنتجت في 19 مارس (آذار) عام 2000، بعنوان «Bart to the future»، من إخراج ميشيل ماركانتيل، وكتابة دين جريني، وهو ما يعني أن هذه الحلقة من المسلسل الكارتوني الشهير نجحت بالفعل في توقع فوز ترامب قبل 16 سنة.

لكن إدراك سياق هذه الحلقة، من شأنه أن يجعلنا نفهم توقع فوز ترامب، بعيدًا عن «نظريات المؤامرة»، وإن كان للصدفة والنظرة الثاقبة لدى منتجي المسلسل جزءٌ مساهمٌ في توقع هذه النبوءة.

ينحدر ترامب السبعيني من أسرة ثرية، إذ ورث عن والده شركة عقارات، توسعت بشكل كبير تحت إدارته، وأصبحت كإحدى الشركات العملاقة المستثمرة في العقارات والكازينوهات بمانهاتن. ومكنته ثروته المالية ومشاريعه الكبرى في أن يتردد اسمه على الصحف و القنوات، ولا سيما بعد أن تعرضت شركته لأزمة ديون خطيرة خلال التسعينات من القرن الماضي، حتى غدا معروفًا لدى الإعلام الأمريكي بشخصيته المثيرة للجدل، واعتزازه بثروته المالية، وثقته المبالغة في نفسه منذ تلك الفترة.

وخلال نهاية عام 1999، قرَّر ترامب دخول الانتخابات الأمريكية ورشح نفسه للرئاسة، إلا أنه فشل في تحقيق أي مكسب سياسي.

وفي مقال، مؤرخ بـ25 سبتمبر (أيلول) 1999، منشور على صحيفة نيويورك تايمز، يتحدث آدم ناكورجي، في حوار له مع ترامب، حول إمكانية دخوله البيت الأبيض وقيادة أمريكا بعد ترشحه آنذاك، فيصرح ترامب للكاتب: «أتعرف، لدي شعور بأني سأكون في السياسة لبقية حياتي، أنا أعلم أن الكثير سيغادرونها، وبطريقة قاسية، لكن حتى أكون صريحًا، الناس يعلمون من أنا».

داخل هذا السياق العام، جاءت حلقة «ذا سيمبسونز» الساخرة، التي لم تجد شخصية لرسم صورة سوداوية لوضع أمريكا سنة 2020 أفضل من توقع تركة ترامب الرئاسية، المعروف آنذاك إعلاميًّا بشخصيته الفوضوية وديونه المالية، علاوة على ترشحه الفاشل للرئاسة سنة 1999.

يقول مؤلف الحلقة دين غريني في حوار له مع الصحيفة الفنية «the hollyoowd reporeter» خلال مارس (آذار) من هذا العام، أي قبل ترشيح الحزب الجمهوري لترامب، معلقًا على قصة هذا المقطع الذي يظهر إشارة إلى تولي ترامب الرئاسة قبل 16 سنة: «كنا نحتاج أن تجد ليزا ما أمكن من المشاكل والأشياء السيئة لتغيرها، لهذا وضعنا ترامب كرئيس قبل توليها الرئاسة»، وأضاف ضاحكًا: «لقد كان ذلك تحذيرًا لأمريكا».

آخرون  أشاروا  لفوز ترامب

ليست حلقة «ذا سيمبسونز» «Bart to the Future» وحدها التي توقعت فوز ترامب، فقد كتب المخرج الأمريكي مايكل مور، مقالًا منذ يونيو (حزيران) الماضي، يُؤكد فيه بيقينية، فوز ترامب على منافسته هيلاري كلينتون، قائلًا: «يؤسفني أن أكون حاملًا للأخبار السيئة، لكنني صارحتكم بالأمر الصيف الماضي عندما أخبرتكم بأن دونالد ترامب سوف يكون المرشح الجمهوري للرئاسة. والآن لدي أخبار أكثر سوءًا وإحباطًا: سوف يفوز دونالد ترامب في نوفمبر (تشرين الثاني)».

ويشرح مايكل مور بالتفصيل الأسباب التي ستجعل ترامب يفوز، فيذكر طريقة ترامب الشعبوية، ودورها في اجتذاب الحشود واستمالة الفئات العاملة، وكونه يُجسّد عقلية كثير من البيض الأمريكيين، بالإضافة إلى أخطاء منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، ثم رغبة الناس في زعزعة الوضع القائم.

أما الأكثر غرابة من كل ما سبق، فهو مقطع من فيلم «Back to the Future»، الذي أنتج عام 1989، يظهر فيه شخصًا شعبويًّا صاحب شعر أصفر، يدعى «Biff Tannen»، أصبح سياسيًّا، ومن أغنى الناس وأكثرهم قوة في الولايات المتحدة الأمريكية، بفضل استثماره في الفنادق وكازينوهات القمار والبنايات، وترامب كان معروفًا منذ تلك الفترة كرجل عقارات وكازينوهات.

وفي أحد مشاهد الفيلم كذلك، يظهر مجموعة من المواطنين يندفعون نحو الرجل الثري، وهم يرددون: «عاش بطل أمريكا القومي».

كاتب سيناريو الفيلم، بوب جيل، قال في حوار له مع «The Daily Beast» العام الماضي، إنه عندما كان يخلق شخصية الفيلم، كان يستحضر ترامب في ذهنه: «كنا نريد صورة رجل متفائل ممتع ومضحك، وله سمات شخصية يفتقدها الناس».

ويميل الناس عادة في الأحداث الصادمة إلى استدعاء التفسيرات الغامضة المرتبطة بنظرية «التحكم الخفي المطلق»، من خلال تأويل إشارات معينة ما بوقائع كبرى، التي عادة ما تكون مزيفةً، أو غير دقيقة.

وفي دولة حيث المجال العام مفتوح بدرجة كبيرة، كالولايات المتحدة الأمريكية، والصناعة الإعلامية والفنية والعلمية في ذروتها، فليس غريبًا أن تتوافق نسبيًّا إشارات ما، مع واقع مُستقبلي، بخاصة وأنها تأتي بين طوفان هائل من الأعمال الإعلامية والفنية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد