فيما كان العالم منشغلًا بالتفجيرات التي نفذها «تنظيم الدولة» في كنيستين مصريتين الأحد الماضي، أطلق التنظيم قذيفة صاروخية من نوع غراد على المجلس الإقليمي «أشكول» في الداخل الإسرائيلي من الأراضي المصرية.

كانت إسرائيل حينها تدعو جميع السياح الإسرائيليين الموجودين في شبه الجزيرة لمغادرتها فورًا، وهي تغلق معبر طابا أيضًا، فناهيك عن تفجير الكنسيتين، وعن قصفها بصاروخ غراد من قبل التنظيم، كانت شعبة مكافحة الإرهاب في رئاسة الوزراء الإسرائيلية تملك معلومات منذ عشرة أيام عن احتمال وقوع «عملية إرهابية»، وهجمات تستهدف الإسرائيليين، وقد سبق ذلك في التاسع من فبراير (شباط) الماضي إطلاق أربعة صواريخ على منتجع إيلات البحري في جنوب إسرائيل، فيما اعتبر تحولًا نوعيًّا يقوده «تنظيم الدولة» على الجبهة (المصرية الإسرائيلية).

إسرائيل.. من الاطمئنان إلى التهديد الوجودي

بقيت إسرائيل مطمئنة لحد كبير بأن هدف «ولاية سيناء» هو «سفك دماء نظام الجنرالات المصري»، و«مواجهة الجيش المصري»؛ لذلك لم تر خطرًا عليها من مجرد بضع «خلايا إرهابية سرية» تقوم بهجمات محدودة، ثم تهرب إلى مخابئها في الجبال.

صاروخ أطلقه ولاية سيناء على إسرائيل (المصدر: أ ف ب)

لكن ضمن الاحتياط، أخذت تدعم الأمن المصري لمواجهة التنظيم، فسمحت باستخدام قوات برية وطائرات في سيناء بمعدلات تفوق ما اتفق عليه في المحلق العسكري لمعاهدة السلام «كامب ديفيد»، وأبدت اتكالًا كاملًا على الأمن المصري في مواجهة التنظيم، وهنا يقول الباحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية «محمد حامد»: «إن العلاقات المصرية الإسرائيلية مبنية على اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية بما فيها من ملاحق أمنية، والتي يتردد دائمًا أن كلًّا من الدولتين أقدما على تعديلها من أجل ملاحقة التكفيريين في سيناء، و هذا يفرض تعاون أكثر قوة ومتانة عبر تبادل استخباراتي ومعلوماتي بشكل أكبر لملاحقة المتطرفين»، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «الجيش المصري والقوى الأمنية المصرية قادرة لوحدها على محاربة المتطرفين في سيناء دون عون من أحد، ولكن يتوقف ذلك على مزيد من الأسلحة النوعية والتكنولوجية التي يجب على الدول الغربية إمدادها للدولة المصرية التي تحارب الإرهاب التكفيري بأدوات تقليدية عتيقة».

في الفترة الأخيرة، تغيرت أمور كثيرة، بدأ المحللون والعسكريون الإسرائيليون يتحدثون عن تهديد وجودي، محذرين مما أسموه مواصلة الحكومات الإسرائيلية العمل دون استراتيجية بعيدة المدى للتعامل مع التنظيم، وقد أخذت عمليات التنظيم التي تستهدف مواقع الجيش المصري بكل سهولة بالاتساع، وتعاظمت القدرة العسكرية العملياتية لـ«ولاية سيناء»، بل «تحول إلى ميليشيا عسكرية بكل معنى الكلمة»، كما يقول الباحث في «معهد دايان لدراسات الشرق الأوسط» في جامعة تل أبيب «إيال زيسر».

كما تم بناء قواعد ومعسكرات تدريب، وأخذ التنظيم يحكم سيطرته حتى أدركت إسرائيل أن السياج الحدودي لا يمكنه أن يكبح بفاعلية «جيشًا متمرسًا مدرّبًا وخبيرًا في استخدام وسائل قتالية معقدة»، كما يصفه المحلل العسكري الإسرائيلي البارز «رون بن يشاي»، ولذلك فإن إسرائيل التي أذهلت من حجم التقدم الذي تحرزه ولاية سيناء، أدركت أن هناك فشلًا أمنيًّا في مصر، وأن تعامل النظام المصري مع التنظيم منحه الكثير من القوة لينقل نشاطاته إلى داخل المدن المصرية، ويضيف بن يشاي: «هذا كله للأسف الشديد أدى إلى فشل الجيش المصري المستمر في استعادة السيطرة على أماكن انتشار داعش في شمال شبه جزيرة سيناء ووسطها»، ويعقب بن يشاي على حادث اختطاف عناصر من التنظيم لمدرعة للجيش المصري بالقول: «فإن الأخبار التي تحدثت عن سيطرة داعش على آليات مدرعة تتطلب استعدادًا ويقظةً خاصةً، فقد يوجه الجهاديون هذه الآليات نحو معابر الحدود مع إسرائيل، والسياج الحدودي ويخترقونها بواسطة الدبابات والمدرعات الثقيلة».

من جانبه، يقرأ المحلل السياسي الإسرائيلي «إيرز شتريم» عدة أسباب رئيسية وراء تأخر الحسم المصري ضد التنظيم في ورقة بحثية بعنوان «من يوقف سيطرة داعش على سيناء؟»، ويذكر: «أن العمل في بيئة معادية، إضافة إلى عدم فاعلية الجيش في خوض حرب مقاومة، وتكليف الجنود بمهام شرطية لم يتدربوا عليها أصلًا، فضلًا عن صعوبة الحصول على معلومات استخبارية، والبيئة الإقليمية التي جعلت السلاح الليبي يصل بسهولة إلى سيناء»، وبالأمس ذكرت القناة العاشرة بالتلفزيون الإسرائيلي عبر موقعها الرسمي أن: «الوضع في مصر بات أسوأ من سوريا وليبيا، فالقوات النظامية هناك تحقق انتصارات على التنظيم بخلاف ما يحدث في مصر».

لماذا أصبحت إسرائيل هدفًا لـ«تنظيم الدولة» الآن؟

عدة أسباب تقف وراء تكثيف عمليات إطلاق صواريخ من سيناء ضد إسرائيل، منها –حسب المصادر الإسرائيلية- احتمال أن ذلك طلب من داخل القيادة المركزية للتنظيم في سوريا والعراق من أجل «إضفاء مظهر من العمل، ولإثارة الاهتمام مجددًا حول نشاط التنظيم، ولكسب شعبية للتنظيم الذي خسره الكثير من مؤيديه في ظل خسائره العسكرية، وعدم وجود إنجازات تحسب له على الأرض».

تقرأ أيضًا المصادر الإسرائيلية من ضمن أسباب انتقال النمط القتالي للتنظيم من الأقوال إلى الأعمال الأولية، «تغيير قادة النخبة في فرع داعش، حيث يتزعم التنظيم الآن ناشط مصري، ليس من مواليد شبه الجزيرة، يبدو أن التنظيم يهدف إلى تأسيس معادلة ترهيب جديدة، ضد إسرائيل؛ لأنه يعتقد أنها تقدم مساعدة نشطة لقوات الأمن المصرية التي تحاربه»، حسب المحلل العسكري في «هآرتس» الإسرائيلية «عاموس هرئيل».

على جانب آخر، اللواء الاحتياط الإسرائيلي «شاؤول شاي» يقول: «الدولة الإسلامية في العراق وسوريا تتكبد خسائر متلاحقة، معنويات أعضاء التنظيم متدنية، ويتعذر عليه تجنيد متطوعين جدد إلى صفوفه، في تلك الظروف يطمح التنظيم في عرض إنجازات، وتخدم الهجمات على إسرائيل هذا الهدف»، ويضيف «شاي» في مقال بصحيفة «إسرائيل اليوم» تحت عنوان «داعش بسيناء: إطلاق الصواريخ- والمصالح» أن هناك : «مخاوف من محاولة تنظيم الدولة الإسلامية تصعيد نشاطاته ضد إسرائيل أيضًا بشكل يتجاوز إطلاق الصواريخ، ولذلك على إسرائيل الاستعداد لتلك الإمكانية، مع تكثيف التعاون مع مصر».

ويرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية «أحمد زغلول» أن إسرائيل تمثل هدفًا مهمًا للولاية، لكن يتحكم في استهدافها من سيناء عدة عوامل إقليمية منها علاقتها مع حماس، والموقف من الأنفاق، ونوعيات السلاح، وغير ذلك، ويضيف: «هناك أيضًا عوامل محلية مثل طبيعة التنسيق بين الطرفين المصري والإسرائيلي، وما يقال عن اختراقات إسرائيلية للمجال الجوي والحدودي حيث أصبحت العمليات العسكرية الإسرائيلية المحدودة في سيناء خبرًا دوريًّا ومعتادًا في الإعلام بحجة ضرب إرهابيين، وتدمير أنفاق تستخدم في تهريب السلاح، وذلك في أعقاب التنسيق الحادث مع السلطات المصرية منذ أواخر 2013».

ويوضح «زغلول» خلال حديث لـ«ساسة بوست» أن: «استهداف التنظيم لإسرائيل عدة مرات يأتي لأسباب مختلفة أهمها الرغبة في تأكيد مشروعيتها الدينية كجماعة تستهدف العدو الأبرز للإسلام، وهو إسرائيل، بحيث تجتذب الكثير من الرافضين لوجودها، وغير المتاح لهم المواجهة بحيث تكون هي الوسيط الذي يسمح لهم بالجهاد ضدها، وبالتالي يزداد عدد المنتمين للتنظيم مما يزيد من مساحات عملياتها».

إسرائيل تتجه نحو الاعتماد على قواها الذاتية في سيناء

«نحن لا نترك أمرًا من دون رد» هذا جزء مما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي «أفيجدور ليبرمان»، وهو يتحدث عن قيام القوات الخاصة التابعة لما يسمى بـ«الختنشتاين» بتنفيذ هجوم على ولاية سيناء، ذاك الحديث الذي سُجل كمحطة لإخراج التدخلات الإسرائيلية في سيناء من إطار السرية إلى العلن.

ففي وقت كان التنسيق الأمني المصري الإسرائيلي في سيناء يوصف بأنه «عميق»، تسببت تحركات «ولاية سيناء» بإشعال الجبهة مع إسرائيل، في دفع الأخيرة نحو تصعيد المواجهة، تلك المواجهة التي بدأت بشكل واضح في نهاية عام 2012، عندما نجحت إسرائيل في زرع شريحة إلكترونية في دراجة عنصر ولاية سيناء «إبراهيم عويضة» لتحديد مكانه بهدف تصفيته، ويأخذ المحللون في قراءة تفاصيل الاختراق الإسرائيلي لسيناء، بتأكيد أن طائرات من دون طيار إسرائيلية لا تكف عن اختراق المجال الجوي المصري، وتنفيذ عمليات قصف ضد عناصر إرهابية، كما يدللون على ذلك بوجود شبكة من الجواسيس الذين يتعاملون مع الموساد الإسرائيلي لنقل تحركات المسلحين، وقد أعلنت ولاية سيناء أكثر من مرة القبض على متعاونين مع إسرائيل.

ورغم تعدد التدخلات العسكرية الإسرائيلية في سيناء مؤخرًا، إلا أن التخوفات من إمكانية زيادة تلك العمليات على الشريط الحدودي بحجة ملاحقة عناصر التنظيم تزداد، خاصة أن إسرائيل حسب ما قاله باحث في مجال مكافحة الإرهاب الإسرائيلي «يورام شفيتسر»: «يمكن أن تشارك بفاعلية في هذه الجهود عن طريق إدماجها، وبذلك المساهمة في الحرب الدولية على الإرهاب، وكذلك زيادة أمنها على حدودها الجنوبية قبالة سيناء وغزة أيضًا». بل دعا «شفيتسر» مصر للموافقة على «السماح لقوات التحالف الدولي بشن عمليات على معاقل التنظيم بسيناء، وإشراك إسرائيل في هذه العمليات»، وهذا ما يوافق ما قاله المتخصص في الشؤون المصرية بجامعة بن جوريون الباحث الإسرائيلي «يورام ميتال» بأنه : «لا يستبعد فكرة التدخل العسكري الإسرائيلي العلني في سيناء بالتنسيق مع الجهات المصرية، ليواجها معًا الخطر المتوقع على إسرائيل من قبل الجماعات الإرهابية المسلحة».

تحدثت «ساسة بوست» إلى مدير وحدة «المشهد الإسرائيلي» في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أنطوان شلحت، فقال: «لا يوجد لدى إسرائيل خطوط حمراء بما تعتبره جزءًا من أمنها القومي، ولديها سوابق تثبت تصرفها بعقلية الكاوبوي، وهذا يرتبط بكل منطقة من المناطق الحدودية»، ويتابع: «الدليل حسب متابعتي للشأن الإسرائيلي قيامها مؤخرًا بشن غارات داخل الأراضي السورية، فيما يتعلق بسيناء وبعيدًا عن ما يجري وراء الكواليس، يبدو على السطح حتى الآن أن إسرائيل تعتمد على النظام المصري في محاربة كل ما تعتبره إرهابًا يمكن أن يوجه سهامه إليها، لكن الإجراءات الأخيرة التي تشمل مطالبة مغادرة كل الإسرائيليين فورًا، وإغلاق معبر طابا، تؤكد أن هناك نبرة تصعيد إزاء الأمر، وهذا يفتح المجال أمام احتمال كبير لقيامها بعملية بالاعتماد على قواها الذاتية دون الاتكال على ما يقوم به الجيش المصري».

وفيما يتعلق بخطورة التدخل الإسرائيلي في المنطقة، يقول المختص بالشأن الإسرائيلي ومعد برنامج «المشهد الصهيوني» في قناة القدس «عماد أبو عواد» إنه يكمن في إبقاء المنطقة ضمن مساحات النفوذ الإسرائيلي، وهي بذلك قد تسمح لنفسها بالتوسع مستقبلًا فيها، ولو بشكل عسكري، وإدخالها ضمن مخططات تبادل الأراضي الإقليمي الذي تسعى له، ولا يستبعد «عواد» خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «افتعال إسرائيل الإشكالات الأمنية في سيناء، من أجل إقناع النظام المصري بأن إسرائيل خير ضامن لأمنه فيها، وبالتالي تسليم النظام بالخطط الإسرائيلية في المنطقة، تحت ضغط الخوف».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد