لأنه لا سلطة لها على البحر «كي يبتلع قطاع غزة»، سعت دائمًا إسرائيل القابضة بإحكام على شؤون الضفة الغربية المُحتلة، إلى الخلاص من قطاع غزة المُحاصر، بترويج خُطّة توطين سُكّانه في شبه جزيرة سيناء المصرية. حُلم لا يكف قادة إسرائيل، الحديث عنه، من وقتٍ لآخر، وكأنه لا سبيل للصمت عنه، حتى أمام وضوح الموقف المصري والفلسطيني الرافض له.

لكن، ما كان مُفاجئًا، وربما صادمًا، مُؤخرًا، هو ما أوردته صُحف إسرائيلية، عن دور أخير للرئيس عبد الفتاح السيسي، في محاولة إقناع نظيره الفلسطيني محمود عباس، لقبول الوطن البديل للغزاوية. وبغض النظر عن صحة الرواية الإسرائيلية من عدمها، تبقى إسرائيل في سباق واضح مع مشاريعها، والزمن؛ للبحث عن حل بعيد عن مسألة الدولتين التي يُطالب بها العالم.

البدايات الأولى لفكرة الوطن البديل في سيناء

مع تعدد المساعي الإسرائيلية لتجاوز حل الدولتين، كانت فكرة مشروع توطين لاجئي قطاع غزة في سيناء، حاضرة بقوة في العقلية الإسرائيلية الأمنية. تاريخيًا يذكر أن هذه الفكرة برزت في الفترة ما بين 1951 و1953، حينها استطاعت إسرائيل بأياديها الخفية، إلى أن يُبرم اتفاق بين مصر ووكالة الغوث لتشغيل اللاجئين.

1951-1953، حينها نجحت دولة الاحتلال الإسرائيلي بلعب دور خفي أدى إلى عقد اتفاق بين مصر ووكالة الغوث لتشغيل اللاجئين. يقضي هذا الاتفاق بإقامة مشاريع في مساحة 250 ألف فدان بسيناء. المدخل الذي بدا اقتصاديًا في هذا المشروع، اعتُبر ذا أهداف سياسية لتوطين الفلسطينيين. وأدّى حينها الضغط الشعبي المصري وكذا الفلسطيني إلى تراجع مصر عن تنفيذ الاتفاق، إذ أصدرت بيانًا عام 1953، تراجعت فيه عن الاتفاق مع الوكالة الأممية، مُعتبرةً أن المشروع الناتج عن الاتفاق غير ذي جدوى.

لكن واحدة من أبرز الخطط الإسرائيلية لجعل سيناء وطنًا بديلًا للفلسطينيين، كان وراءها الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، والرئيس السابق كذلك لقسم التخطيط في جيش الاحتلال، الجنرال جيورا آيلند. عرفت هذه الخطة باسمه، وظهرت للعلن ما بين عامي 2004 و2006، إذ قدمت تفاصيل واضحة لخطة تبادل أراضٍ بين عدة أطراف منخرطة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ونصت الخطة على نقل ما مساحته 720 كيلومتر مربع من أراضي سيناء إلى الفلسطينيين، بما فيها 24 كيلومترًا مربعًا على طول ساحل البحر المتوسط، وهذا يعني أن مساحة قطاع غزة ستتضاعف إلى ثلاثة أضعافها.

في مؤتمر هرتزليا عام 2004 دُعمت الفكرة من قبل عوزي أراد، مؤسس المؤتمر، ومستشار بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي. جاء هذا الدعم في سياق إقدام إسرائيل، تحديدًا رئيس حكومتها آنذاك، آرئيل شارون، على الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة، وكذا شمال الضفة الغربية.

واقترحت الخطة حينها، أن تنسحب إسرائيل من قطاع غزة، وتُخلي مستوطناتها به، في مُقابل أن تُخصص مصر من أراضيها، مساحة 600 كيلومتر مربع، على طول الحدود بين مصر وأراضي 1948. على أن تحصل مصر مُقابل ذلك، على 200 كيلومتر مربع في منطقة وادي فيران بصحراء النقب، إضافة إلى عرض إقامة نفق يربط مصر بالأردن، وإقامة ميناء كبيرٍ للفلسطينيين في غزة باستثمار دولي.

عادت الفكرة تلح عقب تولي اليمين الإسرائيلي لزمام الحكم، وهو الذي كان يُروّج من الفترة عقب الانتفاضة الفلسطينية الثانية، إلى أنّ سيناء «قد تبدو خيارًا أفضل». وبعد فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، تصاعد التلميح برغبة إسرائيل في تنفيذ خطة الوطن البديل للغزاوية.

لماذا تُريد إسرائيل توطين الغزاوية في سيناء؟

لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إسحق رابين، مقولة شهيرة: «أتمنى أن أستيقظ يومًا فأجد غزة وقد ابتلعها البحر». قد تُلخص هذه المقولة لرابين القضية، ولذا فإن فكرة اقتطاع مساحات كافية من سيناء، لتكون وطنًا بديلًا للغزاوية، أو بإضافتها إلى قطاع غزة لتصبح مع مساحة القطاع كيانًا فلسطينيًا آخر، بعيدًا عن حدود 1967، دائمًا ما كانت محل اهتمام أصحاب الرؤى الإستراتيجية في إسرائيل.

يتعلق جزء من الأمر أيضًا، برغبة إسرائيل، في إنهاء أي تواصل جُغرافي بينها وبين الفلسطينيين. يُضاف إلى ذلك، إدراك إسرائيل، لما قد يُشكله قطاع غزة من خطر ديموجرافي حقيقي في المُستقبل القريب، إذ من المتوقع أن يصل عدد سكان القطاع المُحاصر إلى 2.5 مليون نسمة، بحلول 2020، مما يعني أن مساحة القطاع حتمًا ستضيق بهم، وعليه ستصبح إسرائيل والأراضي المُحتلة المنفذ البديهي لهم.

لذلك، يرى البعض أن الحروب الدورية التي تخوضها إسرائيل ضد قطاع غزة، تستهدف بشكل أو بآخر التعجيل بتنفيذ خططها الخاصة بالوطن البديل، عبر جعل الحياة غير محتملة بالنسبة لسكان القطاع.

وتقتضي الخطة الإسرائيلية الأخيرة، التي تحدثت عنها صُحف إسرائيلية، وقالت إنها مقبولة من قبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فإن إسرائيل تسعى إلى استقدام اللاجئين الفلسطينيين من مخيمات لبنان وسوريا، إلى منطقة منزوعة السلاح في سيناء، على أن تحصل السلطة الفلسطينية على حكمٍ ذاتي في المدن الفلسطينية بالضفة الغربية، في مُقابل تنازل الفلسطينيين عن حق العودة إلى حدود 1967، وبهذا أيضًا ستصبح المنطقة التي سيطلق عليها «غزة الكبرى»، منطقة حُكمٍ ذاتي، تخضع في النهاية لحكم السلطة الوطنية.

يقول مدير وحدة المشهد الإسرائيلي، في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، أنطوان شلحت، لـ«ساسة بوست»، إن إسرائيل «تُفكر طوال الوقت في تسوية القضية الفلسطينية، بمنأى عن حل الدولتين، التي هي ضده، على الأقل الحكومة الحالية. وما يطرح الآن ليس جديدًا، فقديمًا طرح الإسرائيليون فكرة أن يأخذ الفلسطينيون أراضٍ في منطقة سيناء، وهو حل بالنسبة للإسرائيليين مريح نسبيًا عن بقاء القضية عالقة دون تسوية».

شلحت، الذي يستبعد أن يكون السيسي معنيًّا بتنفيذ الخطة الإسرائيلية لاعتبارات شعبية وطنية، يقول إنّه «لا شك أن نتنياهو يكرر في الآونة الأخيرة، الحديث عن وجود علاقات سرية مع دول عربية، وهناك مستجدات طارئة على الوضع الإقليمي، قد تحرك إسرائيل لفرض مصالح مشتركة، بخاصة مع مصر والسعودية. هذه العلاقات قد تجعل حلول القضية الفلسطينية الآن مطروحة ومن ضمنها وطن بديل في سيناء».

هل يفعلها السيسي؟

لأكثر من مرة، يُشير الإسرائيليون إلى المواقف الإيجابية للسيسي من وجهة نظرهم، كان آخرها زعمهم قبول السيسي فكرة الوطن البديل في سيناء. وكان نفس الاقتراح قد عُرض قبل ذلك على الرئيس المخلوع، محمد حسني مُبارك، من قبل الولايات المتحدة، وتحديدًا من مبعوثها دنيس روس. ووصلت العروض على مُبارك، إلى 12 مليار دولار ومساحة من صحراء النقب، مُقابل التنازل عن جزء من أراضي سيناء لمشروع الوطن البديل، وهو ما رفضه مُبارك كما يتضح، بحسب مصادر إعلامية.

وبالعودة لموقف الرئيس السيسي، تكررت التأكيدات الإسرائيلية التي تتحدث عن أن السيسي سعى لإقناع الرئيس الفلسطيني أبو مازن بقبول مقترح الوطن البديل للفلسطينيين في سيناء. هذا المقترح طرح عام 2014 بين أربعة أطراف، السيسي والسلطة الفلسطينية، والجانب الإسرائيلي والإدارة الأمريكية، وقد سجلت تصريحات للرئيس الفلسطيني محمود عباس في اجتماع مع أنصار حركة التحرير الوطني فلسطين (فتح)، في 31 أغسطس (آب) 2014 تؤكد ذلك، إذ قال عباس: «إن إنشاء دولة فلسطينية في سيناء، لا يزال موضع اهتمام المسؤولين المصريين»، مُوضحًا: «قال لي مسؤول مصري بارز: يجب إيجاد ملجأ للفلسطينيين، ولدينا كل هذه الأرض المفتوحة». ثم أعاد عباس الحديث بعد ذلك في مقابلة على إحدى القنوات المصرية، إذ قال: «إن خطة إسرائيلية بخصوص سيناء – للأسف – كانت مقبولة من قبل البعض في مصر».

وقبل أيام أكد الباحث الإسرائيلي، والضابط السابق في سلاح الاستخبارات العسكرية، ماتي ديفيد، أن هناك «عرضًا إسرائيليًّا للجانب المصري، يقضي بحل مشكلة الفلسطينيين العالقين في قطاع غزة، من خلال إعطائهم أجزاء من شبه جزيرة سيناء المصرية».

ويُعقب لـ«ساسة بوست»، المختص في الشأن الإسرائيلي، صالح النعامي، بالقول إنه «قد يحقق السيسي آمال إسرائيل في هذا النطاق، فخدمات السيسي لإسرائيل متعددة وواسعة وعلى كل الأصعدة. الأهم من ذلك، أن عرض الخطة على أبو مازن ورفضه لها، بسبب عدم قبول الشعب الفلسطيني لها، يعني أن المشروع في عداد الفشل».

يقرأ النعامي في تعقبه لما تتناوله وسائل الإعلام الإسرائيلية، على مدار السنوات الماضية، دلالاتٍ بأن «السيسي هو الذي تطوع مؤخرًا في عرض الخطة على أبو مازن». ويقول النعامي: «الخبير العسكري دافيد، أكد على أن هذا الكلام قد قيل بالفعل، وذلك يعود لأن السيسي معني بالحصول على الشرعية في الولايات المتحدة وأوروبا».

هل سيحول الشعب دون تحقيق الحلم الإسرائيلي؟

خالد صافي، وهو باحث في التاريخ، يُؤكد لـ«ساسة بوست»، أن كلا الشعبين المصري والفلسطيني، سيمثلان عقبة أمام تنفيذ خطة الوطن البديل. وعليه فمن الصعب أن يفعل السيسي ما يريده الإسرائيليون، بخاصة مع المشكلات التي يُواجهها الداخل المصري.

في رأي صافي، فإن ما نشرته صحف إسرائيلية، ليس إلا تسريبات من الطرف الإسرائيلي، تتناسب مع الطرح الإسرائيلي، هدفها في النهاية قذف الكرة في الملعب الفلسطيني والمصري. «إسرائيل تطلق بالونات سياسية لإجهاض أي مشروع سياسي يتعلق بالضفة وغزة، وإقامة دولة فلسطينية»، يقول صافي، ثُم يُضيف: «على الجانب الفلسطيني، في الضفة الغربية، فالأمر مرفوض تمامًا، كما هو الأمر في غزّة. إذًا لا يوجد أي تجاوب في فلسطين مع هذا الطرح، لا على الصعيد الرسمي أو الفصائلي».

عرض التعليقات
تحميل المزيد