في آخر أيام شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1968، جلس موشي ديان بثقة أمام عشرات المراسلين الصحفيين، في سرادق المؤتمر الذي يستعد لإقامته منذ أن احتلت قواته أرض سيناء قبل عام وبضعة أشهر، وكان واثقًا من نجاح المؤتمر إلى حد أنه أحضر مخرجًا إيطاليًّا متخصصًا في نقل الأحداث المهمة، فضلًا عن دعوة مندوب من الأمم المتحدة إلى المؤتمر الذي انعقد في «منطقة الحسنة» بوسط سيناء، بحضور شيوخ قبائلها، وتوالى قدوم الطائرات الإسرائيلية التي نقلت كبار قيادات الدولة ومصوري وكالات الأنباء، وحتى أصناف الطعام. 

كان الهدف من المؤتمر هو إعلان استقلال سيناء عن مصر، وتحدث القادة الإسرائيليون عما قدموه وسيقدمونه لأهالي سيناء، وعن علاقتهم الوطيدة معهم، وألمح ديان في كلمته إلى أن شيخ مشايخ سيناء، سالم الهرش، سيتولى حكم المملكة أو الإمارة المرتقبة. وحينما جاء دور الشيخ سالم في الحديث، وجه خطابه إلى القادة الإسرائيليين مازحًا «أنتم تريدون إعلان سيناء دولة مستقلة، فهل ستضعون صورتي على الجنيه السيناوي إذن؟» فأومأ ديان برأسه مبتسمًا، لكن رد الشيخ أتى مفاجئًا «إن باطن الأرض أولى لنا من ظاهرها إنْ قبلنا أن تكون أرض سيناء غير مصرية، فمن أراد التفاوض على أرض سيناء فليتفاوض مع الزعيم جمال عبد الناصر، رئيس جمهورية مصر العربية».

زيارة وهدايا من قيادات الجيش الإسرائيلي لشيوخ قبائل سيناء

جن جنون الإسرائيليين، أين الخطأ؟ كانوا قد أعدوا للمؤتمر عدته هذه المرة، واستوثقوا من شيوخ القبائل مرة بعد مرة، بعد فشل محاولة مماثلة بسبب إضراب أهل العريش في أغسطس (آب) 1967، استمر الإسرائيليون بعد تلك المحاولة في منح الهدايا والتودد لأهالي سيناء بمختلف الطرق، وإقناعهم بأنهم مهملون من الإدارة المصرية. وحينما اجتمع موشي ديان بالشيخ سالم الهرش وبعض كبار المشايخ قبل شهور، أعطوه موافقتهم المبدئية وطلبوا مهلة للحصول على إجماع شيوخ قبائل سيناء، وهو ما تم، فهل كان كل ذلك خداعًا؟ وكيف انطلت الخدعة على قيادات الجيش والمخابرات الإسرائيلية المنتشرة في ربوع سيناء المحتلة؟

«الأشباح».. بدو سيناء الذين أقضُّوا مضاجع الاحتلال

كان الشيخ سالم الهرش عضوًا فيما سمي بمنظمة سيناء العربية، وهي منظمة فدائية شكّلها الجيش المصري بعد نكسة يونيو (حزيران) 1967، وضمت نحو 1100 فدائي مدني، أغلبهم من بدو سيناء، وبعضهم من محافظات القنال الثلاثة، بالإضافة لعدد قليل من محافظات أخرى مثل القاهرة، والشرقية، ودمياط، وأسوان. كان أفراد المنظمة يتلقون تدريبهم على أيدي أفراد «الفرقة 39 قتال» في الجيش المصري، والتي جُرِّد أفرادها من شاراتهم ورتبهم العسكرية؛ ليتمكنوا من العمل بحرية خلف خطوط العدو، خاصة بعد «اتفاقية روجرز» لوقف إطلاق النار، قبل أن يستعيدوها إبان حرب أكتوبر.

بعض فدائيي منظمة سيناء العربية، أو «الأشباح» كما كانت تطلق عليهم إسرائيل

كان أعضاء المنظمة يتحركون خفية وسط المجتمع السيناوي، وينقلون أسلحتهم على الجمال، منفذين بخفة ونجاح مئات العمليات خلف خطوط العدو، مما دعا الجيش الإسرائيلي لأن يطلق عليهم في تحقيقاته «مجموعة الأشباح»، ويروي الفدائي غريب محمد غريب عضو المنظمة، أنهم تدربوا على أيدي مجموعة من ضباط الصاعقة والمهندسين والمفرقعات والصواريخ وباقي الأسلحة، وأن المنظمة كانت تحت إشراف مكتب المخابرات الحربية لجنوب القناة، وكان أكثر عملياتها عبارة عن قتال، واستطلاع، وزرع ألغام.

ويذكر السياسي المصري والبرلماني السابق أمين إسكندر، أنه في أثناء لقائه بمجموعة من القادة العسكريين لـ«حزب الله» في جنوب لبنان بعد تحريره من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، أشار أحد قادة الحزب إلى أنهم قد درسوا كل تجارب حروب العصابات، ما عدا تجربة منظمة سيناء العربية؛ لأنهم لم يجدوا لها مراجع أو خبرات مكتوبة، مضيفًا – على لسان القيادي بـ«حزب الله»- أنهم يرون تجربة سيناء مهمة للغاية؛ لأنها حرب عصابات قامت في صحراء مفتوحة ومكشوفة، كما أنها أرض منخفضة الكثافة السكانية والعمرانية، بالإضافة إلى أن سكانها من القبائل البدوية، وهذا أيضًا مشكل يستوجب الاهتمام بها، بحسب ما نقله إسكندر.

كما أن التعاون بين الشيخ سالم الهرش والمخابرات المصرية كان أمرًا سابقًا على نكسة 67 وتأسيس المنظمة، وبالتحديد بعد حرب العدوان الثلاثي عام 1956، فقد قاد الشيخ آنذاك مجموعات فدائية ساعدت الجيش المصري في القتال، ورشح للمخابرات عددًا من شباب سيناء لتدربهم، وبعد النكسة تولى الشيخ مهمة مختلفة عما كانت عليه أغلب أعمال منظمة سيناء العربية، وهي التظاهر بتمكين الاحتلال الإسرائيلي من مخطط تدويل سيناء وانفصالها عن أرض مصر.

«الجاسوس».. تعرف إلى بطل سلسلة «نتفليكس» الجديدة الذي خدع قادة سوريا

سالم الهِرش.. عميل مخابراتي برتبة شيخ قبيلة

عندما وقعت هزيمة يونيو 1967، كان الشيخ سالم الهِرش في عمر السابعة والخمسين، وكان آنذاك شيخًا لقبيلته «البياضية» في مركز بئر العبد بشمال سيناء، وشيخًا لمشايخ قبائل سيناء بشكل عام، وكان قد تزوج أربع مرات، وحرص على أن يجعل كل واحدة منهن من قبيلة مختلفة لتوطيد علاقته بكبار القبائل، ورُزق من الأبناء 11 ولدًا وثماني فتيات.

الشيخ سالم الهِرش

وتحكي ابنة شقيق الشيخ سالم، مقبولة علي الهِرش، أن عمها ورجاله كانوا يساعدون الضباط والجنود المصريين المحاصرين في سيناء بعد الهزيمة، بإعطائهم ملابس بدوية وتهريبهم إلى الضفة الأخرى للقناة، ويضيف ابن شقيقته محمد هجرس الهِرش، أنهم كانوا أيضًا يجمعون الأسلحة التي تركها الجنود المصريون المنسحبون خلفهم، ويهربونها إلى معسكرات الجيش في الضفة الأخرى.

بعدما تحقق النصر لإسرائيل وبسطت قواتها وسيطرتها على أرض سيناء، استخرجت بطاقات هوية إسرائيلية لأهلها من البدو، وبعد مرور نحو ثلاثة أشهر، زار بعض ضباط المخابرات المصرية الشيخ سالم طالبين نصائحه للاندماج وسط المجتمع السيناوي؛ حتى يمكنهم الاقتراب من المعسكرات الإسرائيلية واختراقها، فاستضافهم الشيخ عنده فترة درّبهم خلالها على اللهجة السيناوية وأعطاهم ملابس بدوية، ثم ذهب بهم إلى المعسكر الإسرائيلي.

قدّم الشيخ ضباط المخابرات المصرية للضباط الإسرائيليين على أنهم مجموعة من قبيلته لم يكونوا موجودين وقت الحصار، ولم يحصلوا على بطاقات هوية، ولم يشُك الإسرائيليون في كلامه؛ فاستخرجوا للضباط بطاقات إسرائيلية بالفعل، واندس الضباط وسط الأهالي مطمئنين، وتروي الحاجة كوكب هجرس، زوجة الشيخ سالم، أنهم أقاموا للضباط عششًا وخيامًا للإقامة فيها.

عندما عرض الإسرائيليون على شيوخ سيناء فكرة الانفصال أو الانضمام للدولة العبرية، وهي الخطة التي أشرفت عليها جولدا مائير، وزيرة الخارجية آنذاك، وحظيت بمباركة أمريكية، أبلغ شيوخ القبائل المخابرات المصرية على الفور، فكلفت المخابرات الضابط السيناوي محمد اليماني بمتابعة القضية، ويقول اللواء مراد موافي، الرئيس السابق للمخابرات العامة المصرية، ومحافظ شمال سيناء سابقًا، إن المخابرات طلبت من شيوخ القبائل مجاراة إسرائيل في المخطط الذي تعد له وإظهار ترحيبهم به.

الشيخ سالم الهِرش مع الفريق يوسف صبري أبو طالب، وزير الدفاع المصري الأسبق، حينما كان محافظًا لشمال سيناء

أخذ الشيخ سالم ومن معه يوهمون الإسرائيليين بأن الأرض أصبحت مهيأة لهم، وأن حب إسرائيل قد تمكن بالفعل من قلوب السيناوية، بينما تُنقل الأخبار إلى المخابرات المصرية أولًا بأول، حتى إنه ذات مرة أقام وليمة كبيرة للضباط الإسرائيليين، وكان ضباط المخابرات المصرية ضمن الموجودين فيها، متخفين بملابس البدو ولهجتهم، بحسب ما رواه موسى ابن الشيخ سالم.

الرجل الذي رفض أن يتوّجوه بتاج الإمارة

جاء اليوم الموعود، 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1968، واختار الإسرائيليون منطقة «الحسنة» لعقد المؤتمر؛ لأنهم أرادوا أن تكون عاصمة دولة سيناء المنتظرة، بحسب الصحفي السيناوي أحمد العبد، الذي يفسّر الاختيار بأن «الحسنة» تتمتع بموقع استراتيجي يتوسط شبه جزيرة سيناء.

خيم التفاؤل على قادة إسرائيل، حتى ألقى الشيخ سالم قنبلته المدوية: «إن باطن الأرض أولى لنا من ظاهرها إن قبلنا أن تكون أرض سيناء غير مصرية، فمن أراد التفاوض على أرض سيناء فعليه التفاوض مع جمال عبد الناصر رئيس جمهورية مصر العربية، نحن مصريون ولن نقبل أن نكون غير مصريين، وما أنتم إلا قوة احتلال، ولا بد لهذا الاحتلال أن ينتهي»، وارتفع هتاف شيوخ سيناء وتكبيرهم. تقول مقبولة علي الهرش، ابنة شقيق الشيخ «كنا جميعًا في منتهى السعادة عندما ألقى خطابه»، وقد جسّدت الدراما المصرية هذا المشهد في مسلسل الصفعة عام 2012.

حاول الحاكم العسكري الإسرائيلي لسيناء تدارك الموقف؛ فأمسك بالميكروفون ونادى بأعلى صوت «من لا يوافق على رأي الشيخ سالم فليرفع يده‏»‏ لكن نداءه لم يلق صدىً وسط الهتافات والهرج الذي ساد المؤتمر، ولم تغفر إسرائيل لشيوخ سيناء تلك الخدعة، فشنت حملة أمنية على أهل سيناء بعد المؤتمر، اعتقلت فيها 120 من شيوخ القبائل وكبار العائلات، أما الشيخ سالم الهرش فقد كان بانتظاره سيارة تابعة للمخابرات المصرية هربته إلى الأردن عبر ميناء العقبة، في عملية أشرف عليها الضابط سعيد لطفي.

حظي الشيخ سالم باستقبال حافل من حكومة الملك حسين في الأردن، ثم أرسلت مصر طائرة خاصة لنقله هو ومن معه من أفراد عائلته إلى مصر، حيث استقبله الرئيس جمال عبد الناصر ومنحه نوط الامتياز من الدرجة الأولى، وبعد فترة أهدى له بندقية وعباءة وسيارة جيب، لكن الشيخ سالم أعاد الهدايا ما عدا العباءة التي احتفظ بها تذكارًا رمزيًّا من الزعيم.

مرت خمس سنوات ثم انتصرت مصر في حرب السادس من أكتوبر 1973، فعاد الشيخ سالم إلى قبيلته في مركز بئر العبد، حتى توفي عام 1981، وحاليًا يستقبل تمثاله زوار «بئر العبد» على مدخل المدينة، بينما تحمل إحدى مدارسها اسمه، وأقامت الحكومة قاعة مؤتمرات باسمه في مكان حدوث «مؤتمر الحسنة»، لتظل شاهدة على الإخلاص البدوي والخزي الصهيوني.

هل يزيل فيلم «الملاك» الحيرة حول أشرف مروان أم يزيدها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد