أيمن مُحسن، 25 عامًا، صحفي ومراسل تلفزيوني، ولد بمنطقة الشيخ زويد داخل سيناء سبتمبر 1989، بدأ شغفه بالإعلام والإخراج منذ سن صغيرة جدًّا، يقول مُحسن إنه كان مولعًا بالكمبيوتر أيضًا مما دفع أهله إلى الإصرار على أن تكون مهنته ومجال دراسته الأكاديمية في الجامعة، إلا أنه أصر على أن يلتحق بكلية الإعلام في جامعة سيناء الخاصة، ومن حلم الكاميرا الديجيتال الذي يتراوح سعرها من 700 جنيه إلى 1500 جنيه إلى تحقيق الحلم في 2010 بامتلاك كاميرا تصوير احترافية كان سعرها وقتها يصل إلى 6000 جنيه. يحكي مُحسن أنه ومع رغبته في التطبيق العملي أثناء دراسته راوده حلم امتلاك كاميرا احترافية استطاع عن طريق العمل المتواصل في بيع الخضروات والعمل بالمزارع بالشيخ زويد توفير نصف سعرها تقريبًا ثم استغل معرفته بالكمبيوتر ليقوم بإصلاح الأجهزة ليتحصل على مبلغ 1500 جنيه إضافية لتساعده والدته بالمبلغ المتبقي.

وظل مُحسن يعمل ببيع الخضروات والعمل بالمزارع والقيام ببعض أعمال البناء ليتحصل على مال يكفيه لبناء حجرة حوّلها فيما بعد إلى استوديو بسيط بأدوات بسيطة، يحكي مُحسن عن أنه استغل كل فائض في منزلهم من أدوات طهي ليقوم بتحويلها إلى معدات إضاءة، كذلك استغل كل قطعة خشبية وحديدية في المنزل ليبني بها مكونات الاستوديو من الداخل ليبدأ عمله.


“كان نفسي وقتها أكون صوت الإنسان، الشجر والحجر في المكان المهمش واللي أتلوثت صورته بسبب إعلام غير واعي لم يُعط سيناء حقها”.

يشرح مُحسن طبيعة عمله في تلك الفترة ما بين 2010 وما قبل اندلاع ثورة 25 يناير الذي استغل فيها كافة المعدات التي امتلكها والاستوديو الذي بناه بنفسه ليقوم بعمل فيديوهات وصور ولقاءات داخله ليبدأ اسمه تدريجيًّا يُصبح معروفًا في الوسط الإعلامي لتطلب منه بعض الوكالات مثل رويترز والبي بي سي صورًا، ويقرر بعدها أن يحمل شنطته والكاميرا ويتجول بين ربوع سيناء ينقل الصورة ما بين ساخرًا من عمله وآخر مشجعًا لأن صوته يخرج للعالم أخيرًا.

سيناء تدخل التغطية لفترة وجيزة

يُخبرنا مُحسن عن حلمه الذي راوده في منتصف عام 2010 عن إنشاء وكالة إخبارية معنية بكافة أخبار سيناء تنقل للعالم سيناء الحقيقية بعيدًا عن المغالطات الإعلامية الكثيرة في ذلك الوقت، وبالفعل أنشأ حينها موقعًا إلكترونيًّا تحت عنوان “نيوز سينا” كان معنى بأخبار سيناء من كافة النواحي السياحية والزراعية والاقتصادية، متحدثًا عن أبرز مشاكل سيناء موثقًا ذلك بالفيديو والصور، ويقول مُحسن أن موقعه أصبح منصة لأخبار موثوقة المصدر لما يحدث بسيناء للكثير من الوكالات، وأن موقعه بدأ يُحقق انتشارًا معقولاُ أقلق المؤسسة الأمنية وقتها ليتم استدعاؤه لمقر أمن الدولة بالشيخ زويد بعد عدة أشهر من انطلاق موقعه في نهاية عام 2010، ليُخبره أحد ضباط جهاز أمن الدولة بأن سنه ما زال صغيرًا ولا داعٍ لوضع خط أحمر تحت اسمه لن يؤهله لمواصلته وأهله العيش بأمان، أعقب ذلك استيلاء جهاز أمن الدولة على الموقع الإلكتروني وقاموا بحذفه.

ثورة 25 يناير

كانت مسلحة وعنيفة فبدأت أصور وأكون في قلب النار”.

هكذا يبدأ مُحسن الكلام عن ثورة 25 يناير التي فتحت أمامه الباب ليكون أحد أبرز الصحفيين بسيناء، يُرجع مُحسن تعامل الوكالات معه إلى جودة اللقطات الذي كان يُخاطر بحياته ليتلقطها كونها الوحيدة التي كانت تخرج من سيناء في ذلك الوقت، كان من أبرز الأماكن التي تعامل معها مُحسن وقت الثورة رويترز، والبي بي سي، ووكالة الأيه بي، وبعض الصحف الفرنسية، والتلفزيون الهولندي.

ومع سخونة الأوضاع في المنطقة التي يُقيم فيها بداية من تفجيرات خطوط أنابيب الغاز التي تمتد عبر سيناء، إلى قلب إسرائيل ومشاكل الأنفاق، لقرب الشيخ زويد من منطقة غزة التي يفصل بينهما 12 كيلو مترًا فقط، ومشاكل الجماعات المسلحة والإرهاب، أصبح طلب الوكالات على العمل معه بشكل مُكثف، وبدأ مُحسن حينها يستعيد حلمه القديم بإنشاء وكالة أنباء خاصة بأخبار سيناء.

سيناء الآن


يتحدث مُحسن عن حلمه القديم الذي طوره ليُصبح تحت اسم “سيناء الآن” والذي أراد له أن يتخذ طابع قانوني رسمي لأنه وفقًا لقوله عقب الثورة أصبحنا في عصر الحريات، يتحدث مُحسن عن خطوات إنشاء تلك الوكالة فيقول:

“عادة ما تستغرق الشركات التجارية يومًا واحدًا في التسجيل لدى السجل التجاري، أو هكذا الحال في القاهرة، ولكن في سيناء، استغرقت عملية التسجيل أربعة أشهر كاملة للترخيص لمؤسسة إعلامية محلية للبث من هذه البقعة الهامة من أرض مصر.

يُرجع الأمر لكونه جديدًا على الدولة ومؤسستها الأمنية، خصوصًا أن تلك القناة أو الوكالة ستهتم بالمواطن السيناوي البسيط وتعرض مشاكله ومشاكل المنطقة التي ظلت مهمشة لفترة طويلة جدًّا في الإعلام المصري. وبدأ بالفعل في تكوين مجموعة من المتطوعين لتكوين قاعدة من المراسلين داخل سيناء لنقل أخبارها، وبدأ حلمه يكبر رويدًا رويدًا ليُصبح موقعه مصدرًا للعديد من الوكالات تتناقل عنه أخبار سيناء عقب إطلاقه في بداية عام 2013، دفع مُحسن والقائمون عليه إلى طرح الحلم الأكبر بتحويل تلك القناة والموقع الإخباري الذي يُبث على الإنترنت إلى قناة تلفزيونية على النايل سات إلا أن حلمه توقف لظروف لم يتطرق إليها مُحسن.

القضاء على الإرهاب



عمل مُحسن عقب الثورة بشكل رسمي في قناة صدى البلد، وانتقل بعدها إلى جريدة الوطن في بداية انطلاقها كمدير لمكتب شمال سيناء، لينتقل بعدها إلى قناة MBC مصر ليُغطي معها أحداث 30 يونيو، ثم ما تلى ذلك من هجمات مسلحة في سيناء، واستمرار محاربة الدولة للإرهاب منذ ذلك الوقت وحتى تلك اللحظة. يتحدث مُحسن عن تلك الفترة فيقول:

“الآن في سيناء من يحمل كاميرا أخطر ممن حمل السلاح، لا شيء من الواقع ينقل، أنا لا أنتمي لأي فكر سياسي أو أيدولوجية معينة، ولكن أنتمي للبشر والشجر والحجر على هذه الأرض، كل ما أتمناه أن أنقل صوت الحقيقة هنا بدون أي موائمة أو حسابات أخرى وبالرغم من ذلك غير مسموح لي بنقل الواقع، وكذلك الوسائل الإعلامية المصرية لا تنشر فقط هي تصنع قصص بعيدة كل البعد عن الواقع، وتساعد في فصل الثقة بين المحافظات المصرية الأخرى وسيناء، فتجد من يجلس في مكتبه في القاهرة ويكتب عن سيناء بشكل بعيد كل البعد عن الواقع والحقائق، بالإضافة إلى تلفيق القضايا وتشويه صورتنا؛ مما يؤدي إلى توجيه الرأي العام ضدنا، وعدم التأثر بالبطش الذي نعاني منه، بل مطلوب منهم ذلك وهم شركاء في جريمة تدهور الأوضاع في سيناء، لا يعرف الشارع المصري حقائق ما يدور على الأرض، ونحن من ندفع فاتورة الحرب على الإرهاب من استمرار لحظر التجوال من الرابعة عصرًا إلى السابعة من صباح اليوم التالي منذ أكثر من عام في مناطق شرق العريش ونعاني من إغلاق الطرق وصعوبة التنقل بين المدن والقرى، وكذلك إغلاق الميادين والمحلات وتشريد أهلها، وانتشار البطالة وازدياد معدلات الاحتقان. الدولة تتعامل معنا بشكل أمني بحت وكأننا إرهابيون في حين أن الإرهاب ينفذ عملياته بكل أريحية، ويأتي رد الفعل بتعقيدات أمنية يدفع فاتورتها المدنيين العزل، نحن ضد الإرهاب ومع الدولة في القضاء على الإرهاب، ولكننا ضد توسيع رقعة الإرهاب بالابتعاد عن الحلول التنموية وبالابتعاد عن الحلول الواقعية، فلا يمكن أن ينزف المدنيون وكذلك جنودنا وأهلنا في القوات المسحلة في حين يتمتع الإرهاب بالحرية ويتوسع نتيجة بُعد الدولة عن الحلول الواقعية”.

وتطرق مُحسن بعد ذلك إلى أهمية دور الإعلام في إصلاح الصورة السلبية المشوهة التي رسمها عبر عقود ماضية، وأضاف مُحسن أن بعض الإعلامين يكتبون مقالات كاملة حول الوضع في سيناء ويُشجعون الدولة والجيش على التنكيل بأهالى سيناء أكثر وأكثر في سبيل محاربة الإرهاب، واصفًا تلك التصريحات بأنها مثيرة للاشمئزاز للغاية، ولم نسمع ردًّا من الدولة على هذه التصريحات المشبعة بالحقد والتحريض على فصل سيناء عن مصريتها، وأنه من الأولى أن يخرج المسؤولون ويردون على الانتهاكات الإعلامية الصارخة في كافة الوسائل المصرية بحق أهالي سيناء، أما في حالة عدم الرد فسيعتقد أهالي سيناء أن هذه سياسة الدولة تجاههم، وهذه صورتهم بداخلهم.

التهمة: سيناوي

مؤخرًا وجد مُحسن العمل الصحفي في سيناء خطرًا جدًّا من أطراف عدة على الساحة، وخاصة أن طبيعة عمله الميداني يتحتم عليه التواجد في الشوارع ومناطق الأحداث وذلك غير مرحب به في كثير من الأحيان.

فاستجاب لضغوط أسرته بالسفر إلى القاهرة للعمل بعيدًا مع تزايد الأخطار وبعض التهديدات، فعمل مخرجًا في إحدى الشركات، وتعرض لمضايقات كونه من الشيخ زويد، يذكر منها على سبيل المثال أنه أثناء الشغل الميداني يتهمه البعض أنه ليس مصريًّا، ولا يقتنعون بأي أوراق رسمية بالرغم من عمله في تلك الأوقات لصالح برنامج للتلفزيون المصري اسمه “على اسم مصر”، ويُشككون في لهجته الغريبة مع اتهامات بانتمائه لشبكة قنوات الجزيرة، وأحيانًا أخرى يتهمونه بكونه عميلاً وأوراقه مزورة، وحين يوضح انتماءه إلى سيناء وتحديدًا الشيخ زويد يتهمونه بالإعداد لعملية إرهابية داخل القاهرة، وقد أضطر مع هذه الضغوط للعودة مؤخرًا مرة أخرى إلى الشيخ زويد.

الحل 

يتطرق مُحسن إلى أن الحل في سيناء هو العمل التنموي بجانب العمل الأمني، والعمل على تصليح الشرخ الكبير الذي تم كسره بسبب تحميل فاتورة ما يحدث للمدنيين، أما العمل الأمني فقط وتوسيع دوائر التعامل مع الأبرياء سواء بذنب أو بدون ذنب فسيؤدي إلى المزيد من الاحتقان، وأخشى من ذلك الاحتقان وخاصة أن هناك إرهابًا يتربص ويستفيد من زيادة الشرخ ومعاناة الأهالي العزل.

يتحدث مُحسن عن حلمه الخاص بسيناء أن تظهر الحقيقة لكل المصريين، وأن يُدركوا قُدسيته بكائناته البشرية وشجره وحجره، يقول مُحسن أننا لسنا ملائكة، لكن على الأقل لنُظهر حلونا ومرنا بدون مؤامرات لصالح أهداف معينة. وعن حلمه الشخصي يقول مُحسن:

“حلمي أخد الأوسكار عن فيلم من سيناء، مش فيلم درامي، لكن متأكد إن شخصيتي هتختار فكرة إنسانية بشكل كبير لإني لا أميل إلى أدلجة الواقع لكني أميل لأنسنة الحياة، وتناول المواضيع بشكل بعيد كل البعد عن الصخب”.

 


عرض التعليقات
تحميل المزيد