بعد أكثر من أسبوعين، ما تزال دائرة الصدام المسلّح بين قبيلة الترابين، و«ولاية سيناء» تتلاحق أخبارها بين عمليات قتل وخطف وحرق متبادلة بين الطرفين.

فعلى الحدود الشرقية لمصر حشدت قبيلة الترابين قواتها لمواجهة التنظيم، وبدأت بشراء المزيد من السلاح وسيارات الدفع الرباعي، وأخذت تفرض إجراءاتها في المكان، بينما فعل ولاية سيناء كل ما يظهره بمظهر التنظيم القوي القادر على الانتقام، وهو ما يعني أن المنطقة مقبلة على أزماتٍ لا يحمد عقباها، سيكون الخاسر الوحيد فيها أبناء سيناء.

ما الذي حدث بين قبيلة الترابين وولاية سيناء؟

لم يكن الصدام الأول، بين تنظيم «ولاية سيناء» وقبيلة الترابين أكبر قبائل سيناء الذي وقع في أبريل (نيسان) الماضي، فقد سبق أن وقعت عدة احتكاكات وخلافات بين الطرفين، أغلبها كان في عام 2014 عندما أخذ التنظيم يعرقل أعمال التجارة الخاصة بالقبيلة في وسط وجنوب سيناء.

عنصر من «ولاية سيناء» أثناء حرق منزل للترابين (المصدر: المصري اليوم)

لكنّ 14 أبريل (نيسان) الماضي شهد شرارة الصدام الأكبر، إذ لم تمرر الترابين استفزازات التنظيم بحقها إثر محاولته منعها من عمليات تهريب السجائر إلى قطاع غزة، ذاك العمل الممتهن من قبل العديد من أبناء القبيلة، وهو ما دفع التنظيم لمواجهة تعنت القبيلة بقرار اختطاف أحد أبنائها، واستهدافه أحد منازلها بقذيفة، وواصل ارتكاب جرائم التصفية بحقّ كبار رجالها، حتى أقدم في 17 من أبريل (نيسان) الماضي على قتل سائق من القبيلة بتفجير سيارته؛ بحجة تهريب السجائر، إذ إن التنظيم يُحرِّم التدخين.

بيع السجائر المحرمة هي تهمة إضافية إلى تهمة تعاون القبيلة مع الجيش، وأجهزة الأمن المصرية، وقد كانت الضربة الموجعة التي تلقتها القبيلة من التنظيم، هي قيام الأخير بتفجير سيارة مفخخة في جمع من القبيلة في منطقة البرث جنوب رفح، إذ قتل 10 من القبيلة، ودمرت 12 آلية لها، وردت القبيلة على ذلك بإحراق أحد الأشخاص التابعين للتنظيم حيًّا، وتواصل الصدام، بإقدام التنظيم بتهديد جموع قبيلة الترابين، من «الاصطفاف إلى جوار منْ يحاربهم التنظيم من أبناء القبيلة، وملاقاة مصيرهم» حسب أحد بياناته.

وفي الأيام الأخيرة لم تنجح محاولات التهدئة، إذ لم تستجب القبيلة إلى الاحتكام لما وصفه التنظيم بـ«القضاء الشرعي»، بعد إزالة الحواجز وإلقاء السلاح بين الطرفين، وقررت القبيلة وقف عمليات التهريب بشكلٍ كامل، وهو ما يشير إلى انشغالها بالتجهيز للمرحلة المقبلة التي ستشهد انتقامًا للهجوم الانتحاري ضدها، وقد نقل شهود عيان في الساعات الأخيرة ما أسموه بوصول «أول الطلائع» إلى منطقة البرث، وهو قافلة لأكثر من 55 سيارة.

من الأقوى: الترابية أم ولاية سيناء؟

تمتلك قبيلة الترابين، كغيرها من القبائل البدوية الكبيرة في سيناء قوةً بشرية يرى البعض أنها تفوق بأضعاف قوة «ولاية سيناء»، وهي تسيطر على أجزاءٍ واسعة من جنوب مدينة رفح، وتحديدًا منطقة البرث التي تمتد حتى مناطق مركز الحسنة في وسط سيناء، والأهم أنها قبيلة مسلحة، يمكّنها سلاحها – والذي بدأت بشراء المزيد منه- من فتح جبهة مع التنظيم.

قبائل سيناء (المصدر: صحيفة العرب)

ورغم ما سبق، يرى الباحث في برنامج دراسة التطرف في جامعة جورج واشنطن، مختار عوض، أن القبيلة لا تمتلك القوة التي تمكّنها من مواجهة التنظيم، «لذلك قد يكون مصيرها على غرار ما حدث للقبائل المعادية لـ(تنظيم الدولة) في العراق وسوريا، فقد كان مصير قبيلة الشعيطات السورية مقتل 700 من أعضائها على يد التنظيم»، حسب عوض الذي أضاف في تصريحاتٍ لـ «مدى مصر»: «الترابين قبيلة لديها الكثير من الأسلحة، لكن تسليح (ولاية سيناء) أعقد بكثير، ومع ضعف الدعم العسكري المباشر من قبل قوات الجيش للقبيلة، ربما يستطيع ولاية سيناء إلحاق ضرر بالقبيلة».

ويرى المعنيون بشئون سيناء أن المستفيد من الصدام بين القبائل والتنظيم هو التنظيم نفسه، ويوضح لنا الباحث في شؤون الحركات الإسلامية «أحمد زغلول» أن لدى «ولاية سيناء» رغبةً في إبراز حضوره بالدخول في صدام مع أشرس قبائل سيناء، حيث يحقق بذلك مزيدًا من الرهبة لدى باقي القبائل من الدخول في صدام مستقبلي معها، وبغض النظر عن مدى هذا الصراع فإنه حقق ما هدفت إليه الولاية، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «يريد إرسال رسالة للمجتمع المحلي بكافة مكوناته تتلخص في أنهم: مستمرون وموجودون بغضّ النظر عن الخسائر الحادثة لهم من الضربات الأمنية، واستمرار حضورهم في المشهد المحلي كرقمٍ صعب قادر على إرباك المشهد».

القبائل تتوحَّد.. هل تستطيع مواجهة التنظيم؟

«حان الوقت للوقوف صفًّا واحدًا أمام هذا التنظيم الفاشي الذي لا يرحم شيخًا ولا شابًا»، ذلك جزء من بيان قبائل سيناء الذي خرج الخميس الماضي بغية دعوة جميع القبائل للتوحد مع الترابين في معركتهم مع «ولاية سيناء».

القبائل السيناوية لم تكن بحاجة للتذكير بمدى خطورة الوضع الذي يفرضه التنظيم عليها، فالغالبية منها تعرض أبناؤها للخطف والقتل والاعتراض على أعمالهم، ولم يرحم التنظيم شيوخهم و لا شبابهم، إذ قتل التنظيم نحو 400 مواطن، منهم ما يقرب من 36 شيخ قبيلة وعشيرة، ورغم وجود أبناء للقبائل منضمين لـ«ولاية سيناء» إلا أن هؤلاء أيضًا حاربوا أسرهم ، وأهدروا دماءهم.

في المحصلة، عجَّلت قبيلة الترابين إلى حشد باقي القبائل في سيناء للمشاركة بالسلاح في التصدي للتنظيم، ودعت إلى التوحد والتعاون من أجل القضاء عليه، كونه عكف على «انتهاك الحرمات، وبث الفساد في مناطق نفوذ القبيلة، وقتل المواطنين دون وجه حق»، حسب البيان السابق، وطالبت الترابين من القبائل محاصرة التنظيم من الجهة الجنوبية، ومنع طرق إمداد عناصره.

يوضح لنا «زغلول» بالقول إنّ: «تصدُّر قبيلة الترابين للمشهد مع غيابٍ حقيقيٍّ لأي دعم قبلي يدحض أي أطروحة تم تغذيتها وتتعلق بقدرة القبائل على مواجهة التنظيم، خاصةً أن قيادات (ولاية سيناء) من غالبية القبائل، إضافة إلى وجود داعمين محليين للتنظيم بغض النظر عن هدفهم من هذا الدعم»، وهو ما يعيق وجود تحالف قبلي حقيقي تجاه الأمر، حسب زغلول.

يذكر أنه عدد سكان القبائل في شمال سيناء يبلغ حوالي ثلاثمائة ألف، ويتراوح عدد أفراد كل قبيلة وعشيرة ما بين 500 نسمة إلى 21 ألف نسمة، وتسيطر كل قبيلة على مساحة محددة من الأراضي هي مساحة نفوذ، ويصل عدد القبائل الكبرى إلى ١٤ قبيلةً.

الجيش المصري يدعم العملية الثأرية

على رغم الاتهامات المتعددة التي كانت دائمًا «ولاية سيناء» تسوقها، بأن الترابين كغيرها من القبائل السيناوية تعمل لصالح الجيش المصري، إلا أن الوقائع على الأرض تؤكد أن القبيلة كانت في الغالب بمنأى عن الصراع بين الطرفين، ورغم تعاون بعض أبنائها بشكل انفرادي مع السلطات المصرية، إلا أنها رفضت محاولات تجييشها لمصلحة الأمن المصري.

ويُستشهد على ذلك بقيام القبيلة في أحد بياناتها الأخيرة بانتقاد النظام المصري، فذكرت: «نقولها بكل جرأة، كفوا عن ظلم أبنائنا والزج بهم في غياهب السجون دون أدنى حق، أو مراجعة قانونية، فهذا نذير خطر وقنبلة موقوتة على وشك الانفجار».

لكنّ التصعيد الأخير بين الترابين و«ولاية سيناء»، أظهر دعم الجيش المصري لهذه العملية الثأرية، إذ سمح بإعلان جمع السلاح لمحاربة التنظيم، وبدأت استعدادات السلطات المصرية في دعم قبيلة الترابين تظهر على السطح، فكما أسفلنا سهّل الجيش مرور قافلة بأكثر من 55 سيارة لمنطقة البرث، وفتح الطرق لدعم شباب البرث في وقت الحظر، كما أن الجيش لم يحرك ساكنًا عند اعتقال ثلاثة من أفراد التنظيم من قبل القبيلة، وأبقاهم لدى القبيلة.

وهنا بدأت تخرج الدعوات المؤيدة للنظام المصري، والتي ترى أهمية في دخول القبائل في «الحرب على الإرهابيين» بعد عجز النظام عن ملاحقتهم بسبب أساليب الكر والفر والتنقُّل الدائم في مساحة سيناء الشاسعة، ولذلك يرى الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية «أحمد كامل البحيري» أن: «احتدام هذا الصراع بين القبائل وتنظيم بيت المقدس (ولاية سيناء)، سيكون إيجابيًّا بالنسبة للدولة وسلبيًّا بالنسبة للتنظيم»، مضيفًا أنه في حالة احتدام هذا الصراع ودخول القبائل بالفعل في صدام مع التنظيم: «سيكون ذلك هو الضربة الحقيقة التي تحد من قدراته. فهم الأجدر على دحر هذا التنظيم تمامًا بحكم معرفتهم بأفراده وعائلاتهم وأماكن تواجدهم، فقدرة القبائل على ذلك أكبر بكثير من الدولة» حسب البحيري.

شبح ظاهرة «الصحوات»

بالرغم أن هناك من يرى أن استنفار القبائل في سيناء ضد «ولاية سيناء» يحمل ايجابيات تصبُّ في مصلحة السلطات المصرية التي تحارب «ولاية سيناء»، إلا أنّ أي طرف يحمل السلاح غير الدولة يعني التمهيد لـ «شريعة الغاب»، وتهديد قوة الدولة وتماسكها، وجعل سيناء بؤرة صراع مسلح طويل الأمد.

لذلك دخول القبائل التي تحكمها الأعراف والتقاليد والقوانين القبلية هذا الصراع يثير التخوف من استنساخ ظاهرة «الصحوات» التي تشكلت في العراق لمساندة السلطات، ضد الجماعات الجهادية، كما قد يدفع حمل السلاح نحو نشوء اقتتال قبلي لأي سببٍ آخر، بعيدًا عن محاربة الإرهاب، وفي الختام يقول زغلول: «بغض النظر عن آلية انتهاء هذا الصراع الدائر فإن مجمل السياسات المعتمدة على القوة العسكرية، وإن حققت نجاحًا جزئيًّا في تحجيم نشاط التنظيم إلا أنه انعكس سلبًا بزيادة مشكلات المنطقة السيناوية التي أضيرت من المواجهات الحالية، بصورةٍ عمَّقت من مشكلاتها اليومية، وبصورة ستكون تحديًا عميقًا أمام من يتولى إدارة ملف سيناء في اليوم التالي للقضاء على المسلحين إن تحقق ذلك».

المصادر

تحميل المزيد