«إذا ما لاحظت أبنية مدينة حلب كلها تلاقيها منحوتة نحت، فيها شغلات وهذا يدل على الفن، وفي عمل الحجار ودقه للأحجار فيه إيقاع بيخليه يغني»* الممثل الحلبي الراحل عمر حجو

قد يتساءل البعض عن السبب في تميز الموسيقى الحلبية، والسر في ذلك يمكن أن يُعزى  إلى «القدود الحلبية» والتي عندما تستمع لها تجدها فريدة الإيقاع على الآذان في الكلمات واللحن، وقد نشأت في الأندلس ثم انتقلت بعد ذلك إلى بلاد الشام وبالأخص مدينة حلب، المعروف عنها اهتمام سكانها بالموسيقى والطرب، لذلك أخذت اسمها الذي تُعرف به اليوم، وهي عبارة عن خليط مُعقد ومميز من الموشحات الأندلسية والأغاني الشعبية.

حسبما يرى الباحث الحلبي عبد الفتاح قلعة جي فإن القد يعني المقاس، وعلاقة ذلك بالقدود أن الألحان الدينية كانت تخرج من الزوايا الصوفية باحثة عن كلمات تتضمن الغزل والقضايا الاجتماعية، فيظل اللحن الذي كان أساسًا أنشودة دينية، وعلى «قده» تُصاغ كلمات الأغاني.

ولم يؤثر انتشار القدود الغنائية في بلدان العالم العربي في نسيان موطنها، فتظل مدينة حلب هي المنبع الأصيل لها، بطقوسها وتواجدها في معظم المناسبات الدينية أو الدنيوية، وكذلك انطلاق العديد من المغنين المتقنين لها من هذه المدينة السورية، والذين سنرتحل بين سير أهمهم مستمتعين بطربهم.

صبري مدلل.. آخر شيوخ الطرب

عشية دخول الأمير فيصل الأول إلى سوريا عام 1918 كان هناك حدث آخر مهم هو مولد المغني الحلبي محمد بن أحمد جمال مدلل، الذي سيُعرف فيما بعد باسم صبري مدلل، وقد تلقى تعليمه الأولي في كتّاب الحي وعندما بلغ من العمر 12 عامًا توجه إلى حلقة الشيخ أحمد المصري الموجودة في إحدى مساجد حلب، وتحديدًا في حي الجلوم الشعبي، وبعد حضور الصبي لدروس قليلة انجذب الشيخ إلى ذلك الصوت الشجي الذي يصدر من حنجرته، ولم يكن وحده فقد كان المصلون يتوقفون للاستماع إليه، عندما يقرأ آيات القرآن الكريم في فناء المسجد.

صبري مدلل- المصدر: موقع عرب 48

كانت الخطوة التالية لهذا الصوت الوليد أن يدخل الاختبار الأصعب وفقًا لعالم الإنشاد الديني الحلبي، وهو الصعود إلى مئذنة المسجد فجرًا وأداء بعض التواشيح والأذكار ثم رفع الأذان، فإذا ما استيقظ جيران المسجد على صوته واستحسنوه يكون قد اُعتمد صوته مؤذنًا، وبالفعل استحسن سكان الحي صوت صبري مدلل وكانوا يتجمعون في محيط المسجد لسماعه، وهو ما أهله لأن يؤذن بعد ذلك في الجامع الأموي الكبير في دمشق 70 عامًا.

ونظرًا لطبيعة عائلة مدلل المتدينة فقد بذل شيخه المصري جهودًا حثيثة؛ لإقناع والده بنقله إلى حلقة الشيخ عمر البطش، مؤسس المدرسة الحلبية في الغناء والموشحات، ليسجل نجاحًا جديدًا هناك ويحوز استحسان الجميع، ويتعلم العزف على العود بالإضافة لبعض الآلات الإيقاعية.

وعلمه الشيخ البطش أصول الغناء والتقاسيم وغنى بعض ألحانه للموشحات، وبعد عام امتنع عن أخذ أجرة الدروس منه، واصطحبه معه إلى الحفلات الغنائية، فكان المشهد عجيبًا بتصدر التلميذ المسرح ليغني والشيخ وراءه يضرب على الرق، وربما كانت تلك رسالة للتأكيد على وجود خليفة له لا يقل عنه إبداعًا.

افتتحت إذاعة حلب عام 1947 ومع بداياتها انتسب صبري مدلل إلى فرقة الإذاعة ليقدم وصلات غنائية تراثية، إلى جانب بعض الأغاني الطربية الأخرى من ألحان الملحن الشهير بكري الكردي، ومما ساعد على ذيوع شهرته غناؤه أغنية «ابعتلي جواب»، وأيضًا أغنية «يا حلاوة الدنيا» للملحن المصري زكريا أحمد، والتي تفوق في أدائها على مغنيتها الأصلية المطربة المصرية فتحية أحمد.

لكن أمور مدلل لم تسِر على ما يرام في إذاعة حلب؛ ففي إحدى الأيام حضر والده وشاهده وسط الفنانات فأبدى لولده انزعاجه من هذه المهنة التي وصفها بأنها تجلب العار، ومن ذلك اليوم ترك الإذاعة ليرضي والده، وركز جهوده لتأسيس الفرق الدينية التي تؤدي المدائح النبوية فقط.

ويصف الموسيقي الحلبي محمد قدري دلال صوته بقوله: « حين تصغي إلى غنائه تحسبه تغريدًا؛ إذ إنّ فيه من الإحساس باللحن ما يجعلك تحلق رغم أنه أوتي صوتًا كامل الرجولة، واجتماع القوة والمساحة والحس في صوت واحد يعدُ من النوادر».

جاءت المحطة الفاصلة في حياة صبري مدلل لانتقاله إلى العالمية عندما سمعه الباحث الموسيقي الفرنسي كريستان بوخه في مسجد الكلتاوية بمدينة حلب، فطلب منه أن يلبي دعوته للذهاب إلى فرنسا بصحبة فرقته، وبالفعل سافر مدلل إلى هناك وأحيا حفلتين، وانبهر الفرنسيون من غنائه وسجلوا أسطوانة طُبعت باسمه، وكان ما حدث انطلاقة لحفلاته في بعض الدول الأوروبية الأخرى.

وقد اعتزل صاحب الصوت النادر من نوعه صبري مدلل عام 2001 بعد أن ترك لنا تراثًا غنيًا بالأغاني، وكذلك بالألحان التي تجاوز عددها 40 لحنًا معظمها لأناشيد دينية أبرزها «يا نبي سلام عليك»، و«الأطيار تشدو»، و«أحمد يا حبيبي سلام عليك»، وتوفي مدلل في أغسطس (آب) عام 2006 بعد أن بلغ من العمر 88 عامًا قضاها في إطراب آذان السميعة.

صباح فخري.. صمدت حنجرته 10 ساعات متواصلة

سمعنا عن مغنين برزت موهبتهم منذ التحاقهم بالسنوات الأولى في المدرسة، لكن أن نسمع عن مغنٍ تنبأ المحيطون بجمال صوته منذ مولده فهذا صعب التوقع، ذلك ما حدث مع المغني الحلبي الشهير صباح فخري، صاحب الصوت الذي يحلق بسامعيه بين سُحب الطرب، فبعد مولده في الثاني من مايو (آيار) عام 1933، كان يأتي لزيارتهم في البيت أحد أقربائه والذي كان يتعمد أن يقرصه ليثير بكاءه، وعندما تشككت والدته في الربط بين مجيء هذا الزائر وبكاء نجلها، راقبته حتى فاجأته في إحدى المرات وهو يفعل فعلته، فأخبرها بحبه لسماع بكائه من روعة نغماته.

صباح فخري- المصدر: موقع مركز الموسيقى العالمي

بعدما بلغ صباح من العمر خمس سنين كان يخرج للعب مع أقرانه في فناء المنزل، ويغنون وينغّمون، فسمعته إحدى الجارات وطلبت منه أن يأتي إليها لتعليمه المواويل، وبالفعل ظلت تلقنه أساسيات غناء الموال، وكان أول موال غناه في حياته يقول فيه: «غرد يا بلبل وسلي الناس بتغريدك، الله يتمم عليك الجمال يا حلو ويزيدك».

العزف منفردًا.. موسيقيون عرب أظهروا أروع ما في الموسيقى

واستمر في الغناء وسط أهل الحي في جلساتهم، ثم بعد ذلك أصبح يذهب مع أخيه إلى السهرات الغنائية، التي تواجد فيها أساتذة للطرب والتلحين مثل الموسيقي الحلبي محمد رجب، الذي علم صباح أصول غناء الموشح وأعطاه بعض ألحانه ليغنيها، ثم تعرف لاحقًا إلى الموسيقيين نديم الدرويش وإبراهيم الدرويش أبناء الشيخ علي الدرويش.

يحكي صباح فخري عن دور نشأته في تنمية حسه الإبداعي، فيقول إنه حفظ القرآن على يد والده الذي كان شيخ طريقة صوفية، فكان مما يحضره بصحبته حلقات الأذكار التي ربته تربية إنشادية دينية مثل الكثير من عباقرة الغناء العربي، ثم بعد ذلك تطور ودخل في مرحلة جديدة عندما التحق بالإذاعة السورية عام 1947 واتجه لغناء الأغاني التراثية، وبالتوازي مع نفس المرحلة بدأ الدراسة في المعهد الموسيقي الشرقي بدمشق، ليتعلم هناك النظريات الموسيقية والعزف على العود، وحفظ المقامات الشرقية والغربية.

يمكن التعامل مع رصيد فخري الغنائي على أنه موسوعي فهو يعد أحد أعلام الغناء العربي؛ بتلحينه وغنائه الكثير من القصائد العربية لشعراء قدامى أمثال أبي الطيب المتنبي وأبو فراس الحمداني، وابن زيدون وابن زهر، إلى جانب العديد من الشعراء المعاصرين أيضًا ومنهم فؤاد اليازجي وأنطوان شعراوي، وجلال الدهان وعبدالباسط الصوفي، ويوجد له خمس أسطوانات كبيرة، و20 شريط كاسيت مدة الواحد منها ساعة.

لم يكتف المغني الحلبي بتقديم الأغنيات بتنوع قوالبها، إنما أراد أن يمارس دورًا أكبر، وذلك من خلال المسلسل التلفزيوني السوري «نغم الأمس»، الذي قدم فيه لكل مقام موسيقي العديد من الموشحات والقصائد وبالطبع القدود الحلبية، فسجل ما يقرب من 160 مقطوعة غنائية عربية أصيلة بشرحها المفصل لتحبيبها إلى آذان المستمعين وترسيخها في أذهانهم.

نجح صباح فخري أن يسطر اسمه في موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية عام 1968، عندما قدم حفلة غنائية في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، غنى فيها لـ10 ساعات متواصلة، ويسرد لنا تفاصيل تلك الليلة بقوله: «كانت ليلة من ليالي التجلي، فقد غنيت لـ10 ساعات متواصلة دون الحاجة لاستراحة أو لدخول الحمام، وذلك من العاشرة مساءً إلى الثامنة صباحًا، والحقيقة أنه كان هناك جو خاص بحضور المغتربين الذين لديهم الشوق والحنين، الذي يدفعهم إلى التجاوب والانفعال مع الغناء».

أراد فخري أن ينقل حبه للغناء إلى الأجيال الصاعدة فافتتح «معهد صباح فخري للموسيقى والغناء»، الذي يعمل على تعليم الغناء والموسيقى بطريقة تعتمد على تربية المطرب وصوته لمدة ثلاث سنوات، بغض النظر عن عمره أو شهادته؛ بهدف حماية التراث الغنائي الأصيل للحفاظ عليه من جهة، وتطويره من جهة ثانية ومواجهة الصرعات الغنائية الوافدة.

الأغنية السياسية السورية الساخرة.. رحلة محفوفة بالضحكات والدمع 

نال المغني صباح فخري على مدار رحلته الفنية العديد من الجوائز منها إقامة الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة له حفل تكريم عام 1975 قلده فيه وسام تونس الثقافي، ونال وسام التكريم من السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان عام 2000؛ تقديرًا لجهوده في المحافظة على التراث الغنائي العربي، وأيضًا حصل على الميدالية الذهبية في مهرجان الأغنية العربية بدمشق عام 1978.

أديب الدايخ.. حفظ 10 آلاف بيت من قصائد الشعر العربي

أُطلقت على أديب الدايخ المغني الحلبي المولود عام 1938 العديد من الألقاب ما بين «مطرب الملوك» و«زرياب» و«راهب العشاق» و«سفير الطرب»، وجميعها تدل في النهاية على صوت يشنف الآذان نادر التكرار، ولعل أبرز الحوادث المؤكدة على ذلك ما حدث في أواخر سبعينيات القرن الماضي عندما انطلق صوته الشجي من إذاعة «مونت كارلو»، فأثار انتباه السامعين ونشر الشاعر اللبناني الشهير جورج جرداق تحليلًا موسعًا لصوته، وصفه فيه بأنه صوت قادم من عمق الصحراء العربية، يستحضر قوة أداء زرياب والفارابي وكل أساطين الغناء في التاريخ العربي، ولذلك كانت مهارته تظهر عندما كان ينشد منفردًا أي بدون مصاحبة آلات موسيقية.

أديب الدايخ في إحدى حفلاته- المصدر: موقع عالم نوح

ويبدو أن الانطلاقة من المساحة الدينية قاسمًا مشتركًا بين مغني القدود الحلبية، فقد كانت بداية أديب الدايخ في اقتباسه اللون الصوفي من والده الذي كان يعمل قارئًا للقرآن الكريم في مدينة حلب، فعلمه أصول القراءات السبع للقرآن الكريم، إلى جانب قواعد التلاوة السليمة، وأثناء ذلك لمس ما يتمتع به ولده من قوة وحسن الصوت، فنصحه بحفظ مجموعة من قصائد العصور العربية المختلفة؛ لتناسبها مع مهارته في غنائها بتمرس.

ويسرد الدايخ ذكرياته عن هذه المرحلة التأسيسية من عمره فيقول لنا: «منذ الطفولة وأنا متعمق في القصائد الصوفية والغزلية وقد دعيت إلى إحياء حفلات القرآن، وعلى الرغم من صغر سني وضعف بنيتي آنذاك، تمكنت من إبراز موهبتي إلى درجة اعتباري أعجوبة مدينة حلب».

وصل عدد الأبيات التي حفظها المغني الحلبي إلى 10 آلاف بيت من الشعر، جمعها في مجموعة خاصة به اسماها «الكنز الكبير»، ضمت قصائد متنوعة لشعراء من العصر الجاهلي والأموي والعباسي، وحتى بعض الشعراء المعاصرين، ومن شدة جمال صوته يُلاحظ في معظم تسجيلاته الأداء الخافت للموسيقى، بالإضافة إلى ذلك فالمستمعون من شدة طربهم يطالبونه بإعادة نفس القصيدة مرة أخرى، ومن هنا أطلقوا عليه لقب «راهب العشاق»، فطريقة أدائه للكلمات تجعله أقرب إلى الذوبان في معانيها، فهي تخرج من روحه مخترقة أحباله الصوتية إلى آذان الجمهور وقلوبهم.

يتُرجم خبراء الموسيقى ذلك بتوضيحهم أن أديب الدايخ امتلك مساحة صوتية رحبة تغطي ثلاث أوكتافات، وكان يتنقل بكل خفة ومهارة من النغمة المرتفعة الحادة إلى النغمة المنخفضة، إلى جانب انتقاله بين المقامات ببراعة متناهية النظير، وشهد على ذلك جمهور الحفلات التي أحياها في دول مختلفة عربية وأوروبية، تشارك في إحداها مع الموسيقي الفرنسي جوليان جلال الدين فايس، وقد أحيا آخر حفلاته في معرض دمشق الدولي، قبل أن يرحل عن الحياة إثر إصابته بجلطة دماغية عام 2001.

«ذا نيويوركر»: تتبع قصص هروب فناني سوريا من «الأسد»

المصادر

تحميل المزيد