تحديات كبيرة تواجهها الأمهات العازبات في العالم العربي، إذ يربين أبنائهن بمفردهن، بعد غياب الأب بسبب الطلاق، أو الموت، أو تخلّيه عن مسؤولياته الأسرية.

يمكن الجزم بأن أغلبية السيدات في العالم العربي، يعانين من التهميش والتمييز، علاوة على تعرضهن للعنف المنزلي، والجنسي، والجسدي معظم الوقت، ويتعرضن كذلك لمضايقات في أماكن عملهن، ويتدخل في شأنهن الخاص، القاصي والداني، لمجرد أنهن إناث، يجب أن يخضعن لسلطة أسرية ما، بشكل ودي متعارف عليه في بعض المجتمعات العربية، أو بشكل قانوني في هيئة قانون، مثل قانون الولاية، كما في المملكة السعودية.

وفي العالم العربي؛ تتحمل السيدات المتزوجات، القسم الأكبر من تربية الأبناء ومسؤوليتهم، بالرغم من وجودها في علاقة زواج يقاسمها فيها شريك. وبالرغم مما تعانيه الأمهات وتبذله من مجهود خرافي، فإنه لا يُقارن بكم التحديات التي تواجهها الأمهات العازبات، اللاتي يربين أبنائهن بمفردهن، بعد غياب الأب بسبب الطلاق، أو الموت، أو تخلّيه عن مسؤولياته الأسرية.

ليست «سترونج إندبندنت وومن».. المسؤوليات تُرهقها والمجتمع يتربص بها في مصر

بحسب الأرقام الرسمية، يوجد في مصر أكثر من 12 مليون امرأة معيلة، إذ إن 38% من نساء مصر معيلات، 86% منهن مطلقات أو أرامل؛ لكن مسألة الإنفاق والإعالة المادية ليست المشكلة الوحيدة التي تواجه الأمهات العازبات في مصر.

الروائية نورا ناجي تحدثت لـ«ساسة بوست» عن التحديات التي تواجهها، كونها مطلقة وأمًا لطفلة تدور حولها حياتها، كما تحب نورا أن تصف نفسها، إذ تقول: «أنا أم عزباء. منذ سنوات لم يكن هذا المسمى معروفًا أو منتشرًا، من هُن مثلي يتجنبن التصنيف منعًا للتطفل في مجتمع لا يرحم. نخفي الحالة الاجتماعية على «فيسبوك»، فيما سهلت علينا الحكومة الأمر في البطاقة الشخصية، بأن تركت الخانة بيضاء ناصعة».
تضيف نورا: «أين زوجك؟ سؤال يطرح علي دائمًا لكوني أجُر طفلتي معي في كل مكان، فأقول يعمل في الخارج، وأحيانًا لا أرد. لكني أضطر للاعتراف في المصالح الحكومية بأني مطلقة، فتتحسر الموظفات على حالي ويقُلن ما زلتِ صغيرة، ثم يدفعهن الفضول للسؤال عن سبب الانفصال، فأكتفي بأن أقول: نصيب».
تقول نورا لـ«ساسة بوست»، إنها تفضل أن تُعرف نفسها بـ«أم عزباء»، لكن البعض يستكثره على الأمهات اللواتي يربين أبناءهن بمفردهن، ويقولون: «تتشبهن بالغرب».

وبسؤالها عن التحديات التي يفرضها عليها المجتمع لكونها من الأمهات العازبات أو الـ«سنجل ماذر»، تقول نورا إنها أحصت عدة تحديات تواجه السيدات العازبات في المطلق، وتواجهها بشكل شخصي، فبعيدًا عن مشاكل النفقة، والولاية التعليمية، وحضانة الأطفال، والرؤية وخلافه من المشاكل التي ترافق كل انفصال نتج عنه أبناء، «الجميع يحسب على العزباء أنفاسها، ما يُحيلها إلى شخص متردد طوال الوقت، يطيل التفكير في أي قرار مهما كان بسيطًا ولا يحتمل ترددًا، خوفًا من أن يحكم الآخرون على اختياراتها، والقول بأنها اختارت هذا لأنها مطلقة».

التحدي الثاني الذي ذكرته نورا لـ«ساسة بوست»، هو النجاح الذي تحققه وغيرها من الأمهات العازبات في الحياة المهنية، ووصم الأمهات العازبات بأنهن نساء قويات مستقلات، أو ما يعرف بـ«سترونج إندبندنت وومن»، بشكل ساخر؛ وتقول: «الجميع يجهل أن الأمهات العازبات لا ينتمين لهذا الوصف أو عكسه، فهن قويات رغمًا عنهن، لكنهن لسن مستقلات. هن يحملن على ظهورهن شيئًا آخر، مسؤولية طفل أو أكثر تصحبهم طيلة حياتهم، هذه المسؤولية تمنعهن من فعل الكثير، وتعطلهن عن الكثير، لكنهن لا يمانعن هذا، إنها مسؤولية حب تجعلهن غير عابئات بمسميات، ولا تريندات، ولا تصنيفات. سمهن مطلقات، أو أرامل، أو معيلات، أو أمهات عازبات، في النهاية، هن سيدات مسؤولات رائعات فحسب، ينحتن في الصخر، ويقمن بعدة أدوار في وقتٍ واحد»، على حد تعبير نورا.

فخرًا بأنفسهم أم بأطفالهم.. لماذا ينشغل الآباء بنشر يوميات أطفالهم على «فيسبوك»؟

أما (ف. خ.) والتي تعمل مُعلِّمة، فقد اضطرت للعمل مُجبرةً من أجل الإنفاق على ابنتها الوحيدة بعد انفصالها عن زوجها الذي يعمل خارج مصر، ولا يعرف أي شيء عن ابنته. تقول (ف): «أنا من محافظة الغربية، انفصلت بعد سنة زواج، وبسبب عدم وجود دخل أصرف منه على نفسي أو ابنتي، وعدم تمكني من الحصول على نفقة صغير، خرجت للبحث عن عمل. المُرتّبات في مدينتي لا تزيد عن ألف جنيه شهريًّا»، وتتابع (ف) لـ«ساسة بوست»: «اضطررت للانتقال بمفردي للقاهرة وأعود أسبوعيًّا لزيارة ابنتي الصغيرة التي تركتها في بيت أمي» وعن تأثير ابتعادها عن ابنتها عليهما، تقول: «أُعاني كثيرًا لابتعادي عن ابنتي وأشتاق إليها. وقد بدأت أُلاحظ تأثرها بغيابي، لكن لو جلست في البيت، من أين سنأكل ونشرب؟ أنا عائلها الوحيد، وأهلي ساعدوني كثيرًا جدًّا، وما يُمكن أن تُقدّمه الحكومة لا يُسمِن ولا يُغني من جوع».

وبسؤالها عن فرص الأمهات العازبات في دخول علاقة عاطفية جديدة، تقول (ف) إن: «معظم المطلقات يرفضن هذه الفكرة خوفًا من انتزاع حضانة الأبناء منهن بعد زواجهن مرة أخرى، كما أن بعض المتقدمين للزواج من مطلقة، يشترطون ترك الأبناء لآبائهم. الأمر الذي لا تستطيع كثير من الأمهات قبوله». وتضيف لـ«ساسة بوست»، أن فُرصة المرأة المطلقة في زواج ثانٍ ضعيفة، فما بالك بمطلقة وتعول؟».

الأم العزباء في المملكة السعودية حلقة المجتمع الأضعف

«إن كانت الأم العزباء في أي بلد عربي تعاني مرة، فنحن هنا نعاني ألف مرة».

هذا ما قالته باحثة الماجستير بإحدى الجامعات السعودية، وإحدى الأمهات العازبات لـ«ساسة بوست» عند سؤالها عن وضعها المجتمعي وتقبله لطلاقها وإعالة بناتها. تحكي (ز. أ) لـ«ساسة بوست» وتقول: «فكرة الطلاق في المملكة مستهجنة، لكن أحيانًا تصير ممكنة، إذا كانت المرأة تعمل ومستقلة ماديًّا. على أساس أنها من ستعول نفسها وأولادها بعد عودتها لبيت أبيها». وتشير (ز. أ.) إلى أن الطلاق يقع على عاتق المرأة، فهي المسؤولة عنه بحسب الجميع، حتى إن معظم القضاة يميلون إلى الميل ناحية الرجال في القضايا التي تعقب الطلاق، مثل حضانة الأولاد ومقدار النفقة، وغيرها. وتقول (ز. أ.) إنه وبسبب عدم قدرتها على تسيير أمورها وشؤون بناتها، أو التوقيع على مستند رسمي، أو استخراج أي وثيقة تخصهن، أو الذهاب إلى مدرستهن، لأن والدهن هو الوصي عليهن والولي بحسب القانون السعودي؛ فقد اضطرت إلى التخلي عن حضانتهن، وإرسالهن للعيش مع أبيهن.

Embed from Getty Images

وتشير (ز.أ) إلى أن وضع النساء المطلقات في المملكة «مرة صعب»، فعلى سبيل المثال، وبسبب وفاة أبيها، لم تستطع (ز) تجديد جواز سفرها الذي كانت قد استخرجته خلال زواجها، إذ إنها تحتاج إلى «وصي ذكر» ليتقدم لوزارة الداخلية بطلب تجديد جواز السفر، الأمر الذي انتفى بعد طلاقها، وبوفاة والدها، وبعدم وجود أخ «شقيق»، الأمر الذي يوضح كم المعاناة التي عانتها وقت أن كان «البنات في حضانتها» بحد تعبيرها، إذ تقول (ز): «وزارة الداخلية لا تعترف بأني شخص كامل الأهلية، فكيف سأكون مسؤولة عن بناتي وعن تسيير شؤونهن؟ أنا مثلًا لا أستطيع إدخال إحداهن مستشفى لإجراء جراحة، فـ«تنويم» أي أنثى داخل مشفى في المملكة، يستدعي موافقة وليها الذكر، حتى وإن كانت بين الحياة والموت».

أم حصة (اسم مستعار)، تحكي هي الأخرى قصتها لـ«ساسة بوست» وتقول، إن زوجها طلقها دون علمها، وظلت في بيته «تطبخ وتنفخ» – على حد تعبيرها- لمدة عام كامل، قبل أن تكتشف طلاقها. وتوضح أم حصة لـ«ساسة بوست»، أن القانون السعودي في السابق، لم يكن يلزم الرجل بإخطار زوجته بطلاقها، الأمر الذي كان يسمح للرجل بـ«أكل نفقتها، واستغلال أي توكيل رسمي منها له، بالرغم من انتفاء صفة الزواج التي تمكنه من استخدام التوكيل»، لكن هذا الأمر قد تغير مؤخرًا، وصار لزامًا على أي رجل طلق زوجته، أن يخطرها بذلك.

وتكمل أم حصة ما تعانيه مع أبنائها الثلاثة؛ فزوجها يمتنع عن زيارتهم، أو الوقوف على أمورهم، بالرغم من أنه الوصي المعترف به أمام السلطات. الأمر الذي يُصعّب عليها الحياة والقدرة على تربية الأبناء، والوقوف على أمورهم؛ أما النفقة «فيدفع شهرًا ويماطل عشرًا» بحسب قولها. وتوضح أم حصة أن المجتمع دائمًا وأبدًا ما يُحمّل المجتمع المرأة ذنب طلاقها. إذ تقول: «لو لجأت للمحكمة، يأخذ القاضي جانب الرجل؛ لأنه يرى أن خراب البيت لا بد وأنه وقع بسبب المرأة. وإذا شكوت توقفه عن النفقة أو عدم اهتمامه بشؤون الأولاد، يقال لي أنتِ السبب، لم تحافظي على بيتك، وكأني كنت أعيش حياة هانئة، وقررت التبطر عليها».

للنساء فقط.. هل تخيّلت كيف تعيش النساء في قرى خاصة بهنّ فقط؟

المصادر

تحميل المزيد