منذ سبع سنوات وحتى الآن لم يتحقق الاستقرار، ويبدو أنه لن يتحقق قريبًا لأهالي قضاء سنجار في العراق الذي تسكنه غالبية إيزيدية، بالإضافة إلى عرب وأقليات منها التركمان، ويقع الإقليم على بعد 80 كيلومترًا شمال مدينة الموصل، عاصمة محافظة نينوى، ويشكّل هذا القضاء مثلثًا يجمع العراق بتركيا شمالًا وسوريا غربًا؛ ما يجعله منطقة إستراتيجية مهمة.

وقبل عام 2014 كانت سنجار منطقة تنافس على النفوذ بين حكومة بغداد المركزية، وحكومة إقليم كردستان شمال العراق، ولكن المؤسسات الحكومية فيها كانت تتبع حكومة بغداد، بينما تهيمن قوات «البيشمركة» التابعة للإقليم على مفاصل القضاء، لتنتهي المسألة عام 2017 بدخول «حزب العمّال الكردستانيّ»، وقوات «الحشد الشعبيّ» العراقي المدعومة من إيران، بعد انسحاب قوات «البيشمركة» الكردية، وذلك عقب تحريرها للمنطقة من «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)»، الذي سيطر على القضاء، وعرَّض آلاف الفتيات والنساء الأيزيديات للخطف، والاغتصاب، والسبي، بينما قتل مئات الرجال وجنّد الأطفال بالقوة.

منذ خروج «داعش» بلدات خاوية على عروشها

يضمُّ مخيم «سردشت» حوالي 5 آلاف عائلة أيزيدية، ويقع فوق جبل سنجار غربي الموصل، ويروي الشاب اللاجئ في هذا المخيم، مراد كاكا، لـ«ساسة بوست» عن رحلة نزوحه التي لم تكن سهلة، ويقول: إن الهاربين من الحرب والموت عاشوا ظروفًا عصيبة لدرجة أن أهل المخيمات بدأوا يشعرون بأنه لا جدوى بعد اليوم من العودة إلى مناطقهم الأصلية.

ويؤكد كاكا، بحسب اطلاعه على ملفات النازحين داخل إدارة المخيم، فإنّه لم يزل نحو 360 ألف نازح يعيشون في مخيمات شمال غرب العراق، وفي داخل مدن الإقليم، ولم يتمكن سوى قلة لا تتجاوز المئات فقط من العودة إلى سنجار حيث لم تزل معظم المنازل على حالها: أنقاضًا، وبلا كهرباء، أو مياه نظيفة، ومع وجود ضعيف للمؤسسات الصحية مثل المستشفيات.

ومنذ سبع سنوات مرت على اجتياح «داعش» لمدينة سنّجار الجبلية التي تسكنها الأقلية العرقية الدينية المعروفة بالأيزيدية، ويعيش منهم 550 ألفًا في العراق من أصل ما يقارب مليونًا و500 ألف أيزيدي حول العالم ما يعني أن معظمهم يعيشون في العراق، وتعيش أعداد قليلةٌ منهم في المناطق الناطقة بالكردية في سوريا وتركيا.

مشاهد من مخيم لنازحي إقليم سنجار

وفي وقت سابق كشفَت وزارة الهجرة والمهجرين في العراق أن «عدد مخيمات النازحين في البلاد يبلغ حاليًا 86 مخيمًا بعدما كان العدد 184، ويقطنها نحو 68 ألف نازح، موزعون بصورة متفاوتة بين 40 و4 آلاف عائلة في كل مخيم»، وذكرَت أن «النازحين من مناطق سنجار ونينوى» يشكّلون النسبة الأكبر من النازحين عمومًا.

ويتابع «كاكا» شارحًا بأن هناك أسبابًا كثيرة تعيق عودة الأهالي إلى مدنهم في قضاء سنّجار، فعن مسقط رأسه مجمع العدنانية، بالكردية «كرزرك»، يقول لـ«ساسة بوست»: «السبب الرئيس لعدم عودة النازحين هو وجود أعداد كبيرة من مخلفات الحرب» مثل الألغام والمقذوفات غير المنفجرة، «التي تشكل خطرًا حقيقيًا على حياة الناس».

ومنذ سبعة أعوام لم يعد أحد إلى البلدة، سوى بعض الأهالي لتفقد ما بقي من منازلهم المتضررة، بالإضافة لعدم وجود إدارة رسمية أو أجهزة أمنية حكومية، وهذا من أهم ما يمنع عودة السكان خصوصًا بعد سيطرة «الحشد الشعبي» وعناصر «بي كا كا» على سنجار.

مصالح إقليمية متضاربة واتفاق «سنجار»

عدم تدخل المنظمات المحلية والدولية، وتجاهل الحكومتين المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان لإيجاد حل جذري لمعاناة النازحين، تسبب بعدم وجود خطه لإخراج الفصائل التي دخلت قضاء سنجار إبان الحرب على «داعش» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، ولم تخرج حتى اللحظة رغم توقيع «اتفاقية سنجار».

الاتفاقية التي يتحدث عنها نازحو قضاء سنجار، أعلنت عنها وزارة الدفاع العراقية، في نوفمبر 2020، وهي نتيجة الاتفاق بين حكومتي بغداد وأربيل، وتنص على نشر الفِرْقَة السادسة من قوات الشرطة الاتحادية، التابعة لوزارة الداخلية والتي تأسست عام 2004، لتتولى أمن المنطقة بعد إخراج أي قوات أخرى من البيشمركة أو من الحشد الشعبي أو «بي كا كا».

وفي حديث لـ«ساسة بوست» يؤكّد عمر كيكاني، نازحٌ مُنحدر من مدينة «تل القصف» في قضاء سنجار، أنّ عناصر «بي كا كا»، ما زالت متواجدة حتى اللحظة منذ أن أوجدت لها موطئ قدم في المنطقة بعد اجتياح تنظيم «داعش» لها في 2014، وأنشأ حزب العمال ما أسماه بـ«وحدات حماية سنجار».

ويأتي في نفس الاتجاه تصريح ريبر أحمد، وزير الداخلية في حكومة إقليم كردستان، في أبريل (نيسان) 2021، الذي أكّد فيه أن اتفاق سنجار الذي أُبرم بين بغداد وأربيل «نُفّذ شكليًا فقط، وأنّ أعداد المليشيات زادت في سنّجار، على عكس بنود الاتفاق المبرم».

Embed from Getty Images

أكرادٌ يحتفلون بذكرى ميلاد عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، الصور في سنجار، العراق عامَ 2016 

وبحسب كيكاني، فإن «قوات حماية سنّجار» تابعة لـ«لواء الفتح المبين» في العراق، الذي غيّر اسمه بعد اتفاق سنجار إلى «اللواء 80» لينضوي تحت مظلّة الحشد الشعبي، ويبلغ قوام قوات حماية سنجار نحو 3500 مقاتل، وتستلم تمويلًا من هيئة الحشد الشعبي، وتعتبر نفسها حاليًا تابعةً بشكل رسمي لقوات الحشد، الذي صنف رسميًا باعتباره قوة عسكرية قانونيّة في العراق، بموجب إعلان البرلمان العراقي في نوفمبر 2017.

تغيُّر المسمى، والإعلان عن الانسحاب، لم يكن سوى «مسرحية»، بحسب ما أكده، قادر قاجاغ، مسؤول «الفرع 17» من الحزب الديمقراطي الكردستاني في سنجار في تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن «أعلام (بي كا كا) أزيلت عن بعض البنايات الرسمية التي كانت تحتلها، أما في باقي مقراتها فلم تزل أعلامها وصور عبد الله أوجلان موجودة».

أما بالنسبة للحشد الشعبي، فيعتقد كيكاني أنه لا يمكن إخراجه من المنطقة، خاصة وأن خروجه يهدد اتصال منطقة النفوذ الإيراني الممتدة من إيران إلى لبنان، إذ تقع منطقة سنجار في وَسَط الطريق الدُّوَليّ الرابط بين إيران وسوريا، ويقول حاتم شنكالي، عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، في حديث لموقع «العربي الجديد»، أنّ حلفاء إيران في العراق، سواء من الأحزاب السياسية أو الفصائل العسكرية كالحشد الشعبي، ساهموا في عرقلة اتفاقية سنجّار، لتضغط إيران بذلك على تركيا؛ لأنَّ المنطقة تهدد الأمن التركي لوجود حزب العمال الكردستاني، على غرار معقلهم التقليدي في جبال قِنْدِيل.

تأسس حزب العمال الكردستاني عامَ 1978، وبدأ عمله العسكري ضد تركيا بهدف الاستقلال بدولة قومية للأكراد، وتمركزَ شمال العراق مستغلًا ضعف سيطرة حكومة بغداد، ويعادي الحزب القوى السياسية في كردستان العراق وعلى رأسهم الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة آل بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني الذي أسسه الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، وفقًا لمركز «كارنيجي للشرق الأوسط».

بغداد موافقة ضمنيًا على الوضع الراهن

وبالرغم من إعلان قيادة العمليات المشتركة في الجيش العراقي بأنها لن تسمح بوجود أي تنظيم مسلح في سنجار، إلا أن القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، محيي الدين المزوري، قال إنّ حكومة بغداد المركزية وافقت على وجود تنظيمات مسلحة مدعومة من دول خارجية.

ويرى المزوري في حديثه لـ«ساسة بوست» أنّ هناك اتفاقًا بين القوات العراقية و«بي كا كا» في المنطقة، خاصة أنّ الأخيرة تأخذ جزءًا من تمويلها ورواتبها من الحكومة الاتحادية بحسب المزوري، ولذا فإنّ «هناك اتفاقًا سياسيًا بين الطرفين في تواجده داخل سنّجار، والشارع السنّجاري لديه علم كامل بأنه إذا طلبت القيادات العراقية العسكرية والسياسية بالإخراج فسوف تخرج» مباشرةً.

ودليلٌ آخر على رضى بغداد من تصرفات الفصائل المسيطرة على القضاء، طبقًا لعمر كيكاني في حديث مع «ساسة بوست»، هو صمت الحكومة المركزية على إدارة قضاء سنّجار من قبل فهد حامد عمر، بمنصب قائم مقام، إذ يمارس عمله في مركز القضاء بتعيين مباشر من حزب العمال الكردستاني، مقابل إدارة أخرى تعمل من خارج سنّجار بقيادة القائم مقام، محما خليل، الممنوع من العودة إلى القضاء، وهو عضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني.

وما يؤكد عدم رغبة بغداد في استمرار هذا الوضع داخل قضاء سنّجار، حَسَبَ المزوري، هو القبول بترشح أعضاء من حزب العمال الكردستاني ضمن قوائم المرشحين للانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، رغمَ أنّ الحزب مصنفٌ على لوائح «الإرهاب» الأمريكية، وفي تركيا، وإيران، وسوريا، ومجموعة من الدول العربية، وفي بريطانيا، والاتحاد الأوروبي، وأستراليا.

Embed from Getty Images

مشاهد من العمليات العسكرية التركية عند الحدود العراقية التركية شمالي العراق 

واعتبر المزوري أنّ دخول «بي كا كا» ضمن العملية السياسية خرق قانوني، خاصةً مع تصنيفه بأنه «إرهابي» دوليًا، وحتى في نظر الرئيس الأمريكي جو بايدن، إذ قارن في أوائل عام 2016 حزب العمال الكردستاني بتنظيم «داعش»، قائلًا إنه يمثّل خطرًا و«تهديدًا مماثلًا» لتهديد «داعش» على تركيا.

أمل العودة يقابله الأجندات متضاربة

وبالعودة إلى أهالي القضاء المهجرين، يرى نازحو سنجار أن القضاء بات محورًا لتجمع الأطراف المتخاصمة، والتي تحالفت مؤخرًا مع بعضها، لتحقيق أهداف متضاربة أحيانًا، وأكثر ما يخيف الأهالي في الوقت الراهن هو دخول المنطقة في حرب إقليمية، خصوصًا مع تركيا بعد تحالف الفصائل الشيعية مع حزب العمال.

سطوة السلاح فرضت على الأهالي القبول بالوضع الحالي والاستفاقة من حلم العودة الذي راودهم على مدى السنوات السابقة كما يذكر مراد كاكا لـ«ساسة بوست»، إذ يسهّل القضاء للحزب الكردي التنقل بين العراق وسوريا، نظرًا لموقعه الجغرافي الملاصق للحدود السورية، والذي ربط الحزب مع حليفه في سوريا، «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني» في المناطق الخاضعة لسيطرة «الإدارة الذاتية الكردية».

تابعت تركيا توجيه ضربات عسكرية للحزب في مناطق تواجده، عبر عمليات عمليات «المِخْلَب» منذ 28 مايو (أيار) 2019، وآخرها «مخلب البرق» التي أطلقتها تركيا في 24 أبريل 2021، ويُحذّر الأهالي بعضهم البعض من ترك الخيام والخروج للجلوس في بيوتهم  التي قد تستهدفها القوات التركية أو المسيّرات الأمريكية، بسبب تواجد فصائل مسلحة مدعومة من إيران تعملُ في المنطقة بجانب الحزب الكردي، مثل قوات «منظمة بدر» بقيادة هادي العامري، و«عصائب أهل الحق» بقيادة قيس الخزعلي.

ويرى بعض الأهالي أنّ الأمل الوحيد لهم بعودة قوات «البيشمركة» التي انسحبت من سنجار في 2017 بعد ضغط قوات حكومة بغداد إبّان الاستفتاء الدستوري الكردي للانفصال عن العراق في سبتمبر من نفس العام.

سوريا

منذ 4 شهور
سلاح على الأرض ولوبي في واشنطن.. ماذا تفعل حركة كردية مسلحة في أمريكا؟

المصادر

تحميل المزيد