اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عام 2014، منطقة سنجار الواقعة على الحدود الشمالية الغربية للعراق مع سوريا، واستهدف التنظيم الأغلبية الإيزيدية بسنجار، في حملة إبادة جماعية من القتل والاغتصاب. نجحت القوات العراقية المختلفة، وبمساعدة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، في تخليص سنجار من التنظيم المسلح، بعد هروب سكانها، لكن ما تزال سنجار تحاول التعافي من صدمة احتلال تنظيم داعش. 

في الأيام القليلة الماضية، أعلنت حكومة مصطفى الكاظمي توصلها إلى اتفاق «تاريخي» كما وصفه أحمد ملا، المتحدث باسم الحكومة العراقية، لإعادة الاستقرار في سنجار، وتعزيز سلطة الدولة بها، فما قصة هذا الاتفاق؟

هذه هي محاور «اتفاق سنجار»

تعد منطقة سنجار من ضمن 14 منطقة إدارية متنازع عليها بين الحكومة المركزية ببغداد، وحكومة إقليم كردستان، وبينما تسيطر حكومة بغداد «اسميًّا» فقط على سنجار، تفرض الفصائل المسلحة الشيعية العراقية، بجانب حزب العمال الكردستاني، سيطرتها على المنطقة.

- العراق - الكاظمي

وبالعودة إلى اتفاق حكومة الكاظمي، الذي يضم عددًا من المحاور، وبحسب وسائل إعلام عراقية، فإن وثيقة الاتفاق تتضمن الآتي:

  1. أن تتولى الشرطة المحلية وجهازا الأمن الوطني والمخابرات، مسئولية الأمن داخل سنجار.
  2. خروج جميع التشكيلات المسلحة الأخرى من سنجار.
  3. تعزيز الأمن بسنجار من خلال تعيين 2500 عنصر ضمن قوى الأمن الداخلي.
  4. إشراك النازحين في المخيمات من أهالي سنجار، في الوظائف المحلية.

ترحيب كردي ودولي بـ«اتفاق سنجار».. ولكن!

على الفور، وبعد إعلان حكومة بغداد بنود الاتفاق، جاء الترحيب الكردي مباشرة، على لسان مسعود بارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني قائلًا: «أهنئ كلًّا من الحكومة الاتحادية العراقية وإقليم كردستان على اتفاق سيعيد حياة المواطنين في تلك المناطق إلى طبيعتها، ويحد من معاناة الأخوة والأخوات الإيزيديين، الذين عانوا من السنوات الماضية والهجمات الإرهابية»، وأكد بارزاني أن أهمية هذا الاتفاق تكمن في كونه بداية جديدة لحل المشكلات العالقة بين بغداد، وأربيل.

ورحبت كلٌّ من السفارة الأمريكية بالعراق وبعثة الأمم المتحدة بالاتفاق بين الحكومة المركزية ببغداد، وحكومة إقليم كردستان بشأن وضع سنجار. لكن بعيدًا عن الترحيب والأمل المنشود من وراء هذا الاتفاق، هناك من يرى أن الأمور لن تسير بهذه السهولة، فيرى النائب السابق عن قضاء سنجار ماجد شنكالي، أن «ضمان تنفيذ الاتفاق.. هو الأهم».

يقول السيد شنكالي، لـ«ساسة بوست»: «بالطبع، الاتفاق خطوة جيدة كان من المفترض حدوثها منذ تحرير سنجار، لكن التطبيق هو الأهم، وهو الأمر الذي سيواجه صعوبة».

من وجهة نظر السيد شنكالي، أن صعوبة تنفيذ الاتفاق تكمن في قدرة كلٍّ من الحكومة المركزية ببغداد على نزع السلاح من سنجار، فيقول: «لن يعود النازحون إلى سنجار إلا بعد إرساء الأمن وخروج جميع الجماعات المسلحة، وعلى رأسهم حزب العمال الكردستاني من سنجار».

«الحشد الشعبي»: لن نخرج من سنجار إلا على جثتنا

كما ذكرنا سابقًا، فإن من ضمن بنود اتفاق سنجار، هو الخروج الكامل لجميع الفصائل المسلحة في قضاء سنجار، وهناك تكمن معضلة تنفيذ الاتفاق، الفصائل المسلحة التابعة للحشد الشعبي، والتي خاضت المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سنجار، رفضت اتفاق حكومة الكاظمي، ورفضت الانسحاب على وجه الخصوص.

مقاتل من الحشد الشعبي

في حديثه لـ«ساسة بوست»: يرى السيد محما خليل، رئيس بلدية سنجار، أن أصعب أمر سيواجه الحكومة في خطة تنفيذ الاتفاق، هو خروج فصائل الحشد الشعبي المتمركزة في سنجار ونينوى، فيقول «التحديات ستكون كبيرة أمام حكومتي بغداد والإقليم، في السابق رفض الحشد الشعبي، الخروج من نينوى وسنجار، والآن سيكررون رفضهم أيضًا»؛ إذ يخشى السيد خليل من أن رفض فصائل الحشد الشعبي، أو حزب العمال الكردستاني للتخلي عن قضاء سنجار، سيخلف المزيد من التوتر والصراع في المنطقة.

بينما صرح رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، مؤكدًا أن «أمر الأمن في غرب نينوى يقع ضمن صلاحيات الحكومة الاتحادية»، وقد رفض القائد السابق للواء 30 ضمن قوات الحشد الشعبي، وعد القدو، اتفاق سنجار برمته، قائلًا «لواء 30 منتشر في سهل نينوى، ولن يخرج منها إلا على جثتنا».

ويرى أحد قادة الفصائل المسلحة، ضمن هيئة الحشد الشعبي، والتي لها حضور في قضاء سنجار، أن الاتفاق بين حكومة بغداد وحكومة إقليم كردستان مخزٍ، فيقول لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته: «لقد ضحينا بأرواحنا لتطهير سنجار من داعش، ولن نقبل بأن يخرجنا أحد من هناك، رغبة في إرضاء الآخرين».

يؤكد القائد شبه العسكري، في حديثه لـ«ساسة بوست»، أن خروج الحشد الشعبي من سنجار لن يساهم في إرساء الاستقرار في المنطقة، بل سيعرضها لخطر داعش المتجدد.

«تنازل وليس اتفاقًا»

تعرض اتفاق سنجار إلى العديد من الانتقادات من القوى السياسية الشيعية في العراق، متهمين الكاظمي بإبرامه صفقات سياسية لكسب رضا حكومة إقليم كردستان، فقد صرح قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق في بيان له قائلًا: «اتفاق سنجار، مجاملة سياسية، ومكافاة انتخابية على حساب الإيزيديين».

سياسي شيعي بارز، تحدث لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته، يرى أن اتفاق سنجار ما هو إلا تنازل لصالح إقليم كردستان، ولا توجد منه أي فائدة، فيقول: «تنازل وليس اتفاقًا. يريد الكاظمي شراء ود الإقليم، وسيحكم الحزب الديمقراطي الكردستاني سنجار. لا يسعى الاتفاق إلى إعادة النازحين، أو إعادة الإعمار، كل ما في الأمر رغبة في سيطرة كردستان على سنجار».

كما عبر السياسي الشيعي، عن دهشته، من عدم إجراء مناقشة برلمانية على الاتفاق قبل إعلانه، فيقول: «فجأة سمعنا عن الاتفاق والترحيب به من هنا وهناك، كان من الضروري طرحه على القوى السياسية، وعلى الشعب العراقي أيضًا».

ترى بعض النخب السياسية الشيعية، أن الاتفاق بين حكومة بغداد، وحكومة إقليم كردستان لا يستند إلى أي سند دستوري أو قانوني، بينما يرى مؤيدو الاتفاق أنه تم بموجب المادة 140، التي دار حولها الكثير من الجدل، فهناك من يقول إن العمل بها تعطَّل منذ عام 2007، وفي الوقت نفسه أصدرت المحكمة الاتحادية العراقية في عام 2019 بيانًا، أقرت فيه بأن هذه المادة ما تزال سارية المفعول.

لكن هناك من يجادل بأن المادة 140 لا تشمل سنجار، منطقة متنازع عليها بين بغداد وأربيل، وإنما تخص كركوك!

ما موقف الإيزيديين من الاتفاق؟

أصدر البيت الإيزيدي في سنجار بيانًا، رافضًا للاتفاق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، وجاء في البيان «هناك مخطط سياسي خطير يستهدف القضاء على الوجود القومي الإيزيدي وإنهائه من الخارطة البشرية والاجتماعية».

يقول النائب البرلماني السابق عن سنجار، أمين فرحان، لـ«ساسة بوست»: «الاتفاق لا يمثل القضية الإيزيدية، ولم يجر الاجتماع مع من يمثل الإيزيديين؛ لذلك فإن هذا الاتفاق لا يهدف إلى حماية الإيزيديين كما يدَّعون، ولن يقدم الاتفاق بدون موافقة الإيزيديين الاستقرار والأمن، وإعادة الإعمار إلى سنجار».

ويرى الإيزيديون أن حكومة بغداد لم تشاركهم الأمر، والدليل على ذلك، أنها سوف تستعين بقوى أمنية من خارج سنجار، وهذا ما يرفضه الإيزيديون رفضًا قاطعًا؛ فهم يرون أنه من المفترض تشكيل قوات أمنية من أهالي سنجار، وليس الاستعانة بقوات خارج محافظة نينوى.

قبل الاتفاق الذي أعلنته حكومة الكاظمي، كانت هناك محاولات سابقة لإعادة إعمار سنجار، وإعادة النازحين. فبعد تولي رئيس الوزراء السابق، عادل عبد المهدي، منصبه في عام 2018، كلف لجنة المصالحة الوطنية، وهي هيئة حكومية مكلفة بتسهيل السلام بين الطوائف، لصياغة خارطة طريق لإعادة إعمار سنجار.

تضمنت الخطة العديد من النقاط من التعليم والصحة، وتوفير البنية التحتية الأساسية، وإرساء الأمن، لكن حينها اختلفت بغداد وأربيل على أمر المجالس المحلية لسنجار، ولم يُدعَ أيٌّ من ممثلي الإيزيديين في تلك الخطة، كما حدث في اتفاق حكومة الكاظمي، لذلك كان من السهل التكهن وقتها، بفشل الأمر، فهل هذا ما سيحدث هذه المرة أيضًا؟

مجتمع

منذ سنتين
بالأرقام والمناطق.. تعرف إلى خريطة «التنوع الطائفي» في العراق

المصادر

تحميل المزيد