تعاقبت على الجزائر حضاراتٌ عديدةٌ، وكانت محلّ أطماع الغزاة الذي تعاقبوا لقرونٍ على احتلال الجزائر، ولم يبق من شواهد تلك الحضارات والغزاة سوى أثارٍ منتشرةٍ عبر ربوع الجزائر، تؤرخ لتاريخٍ طويلٍ للمدن الجزائرية، ومن بين تلك الشواه مدينة «عين تموشنت» أو ما كانت تسمى بـ«سيقا» والتي أسسها القائد الأمازيغي البربري سيفاكس، واتخذها عاصمةً للدولة النوميدية الغربية أوّل الدول التي أسسها الجزائريون.

في هذا التقرير نتعرف سويًا على أوّل عاصمةٍ للجزائر؛ والتي تحوّلت في فترة الاحتلال الفرنسي إلى معقلٍ للكولون الفرنسي.

«عين تيموشنت».. المدينة التي لم تعرف الهدوء حتى استقلال الجزائر

تقع مدينة سيقا (أو تيموشنت) في الغرب الجزائري على الساحل الوهراني، وبالتحديد في منعطف واد تافنة، أو ما يعرف بنهر سيقا – في الفترة القديمة – وتبعد بحوالي 40 كم عن مقرّ ولاية عين تموشنت.

يشير المؤرخ الروماني الشهير سترابون في كتابه «جغرافية سترابون» أن إقليمها الجغرافي كان يمتد من نهر الملوشة أو الملوية مركز حدود القبائل المورية غربًا، وينتهي عند رأس تريتون شرقًا، وكانت تحت زعامة الملك الأمازيغي البربري سيفاكس.

وتحتل مدينة سيقا موقعًا إستراتيجيا مُميزا ساعدها أن تكون أحدى المستوطنات المهمة في العالم القديم، كما أن خصوصيتها الطبيعية أهلتها لتكون أحد أهم المراكز التجارية، التي كانت تربط شرق البحر الأبيض المتوسط بغربه ممّا جعلها مدينة ذات أهمية بالغة في البحر المتوسط.

في القرون التي سبقت الميلاد كانت الجزائر تحمل اسم نوميديا؛ وكانت الدولة منقسمةً في القرن الثالث قبل الميلاد إلى مملكتين؛ مملكة نوميديا الشرقية وعاصمتها سيرتا ( قسنطينة حاليًا) ويحكمها ماسينيسا، ومملكة نوميديا الغربية التي كانت عاصمتها سيقا (عين تيموشنت حاليًا) وحاكمها سيفاقس.

الملك الأمازيغي البربري صيفاقس ، مؤسس مدينة سيقا
تمثال الملك الأمازيغي البربري سيفاقس، مؤسس مدينة سيقا

ويعود هذا الانقسام في مملكة نوميديا إلى خلاف تاريخي بين ماسينيسا وسيفاقس؛ فيذكر المؤرخون أن سبب الخلاف بين أمراء مملكة نوميديا كان أميرةً قرطاجية تحمل اسم «صوفونيسبا»، وكان ملك نوميديا الشرقية متيّمًا بها، وينتظر الزواج منها قبل أن تغيّر أقدار السياسة هذا الزواج وتتزوج الأميرة القرطاجية من ملك نوميديا الغربية، فقرّر ماسينيسا الذي كان قُبيل ذلك الزواج حليفًا لقرطاجة؛ أن يغيّر موقعه ويقوم بالتحالف مع روما ضد قرطاجة.

في سنة 206 ق.م، وبينما كانت طبول الحرب تدق بين روما وقرطاجة إنبرا الملك الأمازيغي سيفاكس إلى الوساطة بين الدولتين العظمتين، فقام بتنظيم «مؤتمر سيقا الدولي» الذي يعدّ باكورة العمل الدبلوماسي للجزائر؛ حيث جمع سيفاكس في مدينة سيقا الرومان والقرطاج في إطار مساعيه الحثيثة لإنهاء الصراع القرطاجي الروماني بالطرق الدبلوماسية السلمية، وتجنيب منطقة شمال أفريقيا حربًا كارثية على جميع الأطراف، وخاصة مملكته نوميديا؛ لأنه كان يدرك خطر الصراع الروماني القرطاجي في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط.

في كتابه «المقاومة النوميدية للاحتلال الروماني من صيفاقس إلى تاكفاريناس من 203 قبل الميلاد؛ إلى 24م»؛ يوضح الباحث الجزائري في التاريخ القديم والأديان والمعتقدات القديمة، الدكتور جمال مسرحي بأن «صيفاقس الذي يعود إليه الفضل في توحيد المملكة النوميدية بجزئيها الغربي والشرقي في سنة 205 قبل الميلاد حاول الوساطة بين الرومان والقرطاجيين من خلال إشرافه على مؤتمر سيقا تفاديا لانتقال الحرب وقتها من إسبانيا إلى شمال أفريقيا».

مساعي الصلح التي قام بها سيفاكس سرعان ما فشلت، واندلعت الحرب بين قرطاجة وروما؛ وهي الحرب التي تسمى تاريخيًا بـ«الحرب البونيقية الثانية»؛ عندما اختار الملك البربري صيفاكس أن يكون في صفّ قرطاجة في حربها ضد روما على عكس ملك نوميديا الغربية ماسينيسا الذي تحالف مع روما ضد قرطاجة.

حاول الملك صيفاقس رفقة جيشه إيقاف زحف جيش سكيبيو الأفريقي من التقدم داخل إفريقية (تونس)، لكنه انهزم وانسحب إلى مملكته في سيقا، وكان لقرار صيفاكس الوقوف مع قرطاجة ضد روما وضد ماسينيسا، أثرٌ بالغ في نفس هذا الأخير.

فتذكر كتب التاريخ أنّ ماسينيسا لم يكتف بهزيمة صيفاقس في المعركة، بل طارده حتى إلى أراضي مملكته، وهزمه في معركة تعرف باسم «معركة سيرتا» سنة 203 قبل الميلاد، وأسره وقدمه هديةً لروما التي سجنته، ثمّ قتلته سنة 202 قبل الميلاد، فكانت مدينة سيقا ميدانًا للحرب البونيقية الثانية؛ وتعرضت للتدمير من طرف جيش ماسينيسا وحلفائه الرومان.

أسر صيفاقس في معركة سيرتا سنة 203 ق.م ومن تمّ قتل في روما
أسر سيفاقس في معركة سيرتا سنة 203 ق.م

بعد نهاية الحرب، سقطت المدينة تحت سيطرة حكام نوميديا الغربية المتحالفين مع الرومان، وتعرضت للتهميش كونها كانت عاصمةً لعدو ماسينيسا الأوّل في تلك الفترة الملك صيفاقس. ثمّ لم تلبث أن سقطت المدينة تحت سيطرة الرومان في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، قبل أن تجتاحها جيوش الوندال حوالي سنة 430 ميلادية في إطار الهجرة الوندالية التي شهدها القرن الخامس للميلاد، والتي استطاعت أن تنهي السيطرة الرومانية على شمال أفريقيا.

وبعد حكم الوندال، الذي لم يغيّروا كثيرًا في المدينة، رزحت المدينة لقرنين كاملين تحت سيطرة البيزنطيين، حيث حوّلوها إلى ميناءٍ بحريٍ هام في البحر المتوسط، قبل أن يصلها الفتح الإسلامي سنة 711م، فعرفت المدينة في تلك الفترة ازدهارًا واستقرارًا كبيرين، خاصة في فترة حكم المرابطين والموحدين، ثمّ عادت المدينة إلى المعارك الدامية من خلال صدّها للحملات العسكرية التي شنها الإسبان على المنطقة قبل مجيء العثمانيين لحكم الجزائر.

معقل الكولون الفرنسي في فترة الاحتلال ومحطة انتفاضة 11 ديسمبر التاريخية

في سنة 1830 سقطت الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي، وتدفق مئات الآلاف من المسعمرين الأوروبيين لاغتصاب أراضي وثروات الجزائر بإيعازٍ وتشجيعٍ من الجيش الفرنسي؛ وكانت مدينة عين تيموشنت أبرز المدن التي استوطن بها آلاف المستوطنين الذين باتوا يعرفون تاريخيًا بـ«الأقدام السوداء»، وهو مصطلحٌ يشير إلى المستوطنين الفرنسيين المولودين في الجزائر، أو الذين عاشوا فيها خلال فترة الاستعمار؛ فسهول عين تيموشنت الخصبة كانت بمثابة جنّة على الأرض تصلح لزراعة مختلف أصناف الحمضيات، وهي الزراعة الرائجة لدى المستوطنين الأوروبيين.

كانت عين تيموشنت في البداية خزانًا فرنسيًا للحمضيات، وانتشرت بها مصانع الخمور التي كانت تصدّر إلى أوروبا وإلى العالم أجمع، قبل أن تتحوّل إلى تجمعٍ أوروبيّ بسبب زيادة عدد المستوطنين الفرنسيين بالمدينة التي كانت المظاهر بها توحي بأنّها مدينة فرنسية على أرضٍ جزائرية.

لكنّ تلك المدينة التي صبغت بصبغة الكولون الفرنسي لها دورٌ تاريخي حتى في فترة الاحتلال الفرنسي، فقد كانت عين تيموشنت معقلًا للأمير عبد القادر الجزائري مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة في إحدى محطات مقاومته، وبها تمّ توقيع «معاهدة التافنة» أشهر اتفاقيات الأمير عبد القادر مع المحتل الفرنسي، كما كانت محطة لنضال العديد من قادة الحركة الوطنية والثورة التحريرية، مثل مصالي الحاج الذي يسمى بأبي الحركة الوطنية، والعربي بن مهيدي وغيرهما.

في سنة 1960 وعلى ضوء ما حملته الثورة الجزائرية من تطورات أدت بالرئيس الفرنسي شارل ديجول إلى مراجعة خططه بالجزائر، وإعلان مشروعه «الجزائر جزائرية» عوض المشروع الذي كانت تتبناه الأقدام السوداء، والذين كانوا يرفعون شعار «الجزائر فرنسية»؛ زار الرئيس الفرنسي الجزائر في الفترة الممتدة ما بين 9 إلى 12 ديسمبر (كانون الأوّل) 1960، واختار تحدي الأقدام السوداء المعارضة لمشروعه بزيارة معقلهم بمدينة عين تموشنت في أولى محطاته.

عين تيموشنت كانت منطلق مظاهرات 11 ديسمبر 1960 التاريخية
عين تيموشنت كانت منطلق مظاهرات 11 ديسمبر 1960 التاريخية

إستقبل المستوطنون الفرنسيون رئيسهم بمظاهراتٍ عنيفة؛ فشلّوا مدينة عين تيموشنت واعتدوا على الشرطة الفرنسية وعلى الجزائريين أيضًا، لكن سرعان ما تحوّلت مظاهرات المستوطنين إلى انتفاضة جزائرية ستكون لاحقًا سببًا مباشرة في استقلال الجزائر.

ففي التاسع من ديسمبر اشتعل من مدينة عين تيموشنت فتيل المظاهرات الأشهر في تاريخ الجزائر الحديث؛ المعروفة بـ«مظاهرات 11 ديسمبر 1960».

وخرج المتظاهرون الجزائريون في عين تيموشنت في مسيرات حاشدة رفضًا لمشروع ديجول ورفضًا لزيارته المدينة، حاملين العلم الجزائري الذي رفع أوّل مرة بالمدينة التي يسيطرُ عليها الأقدام السوداء، وانتقلت شرارة المظاهرات بعدها إلى العاصمة الجزائر ووهران وعنابة وسطيف وولايات عدّة عبر ربوع التراب الجزائري.

هل دفعت المدينة التاريخية بعد الاستقلال ضريبة تواجد الكولون بها؟

اشتهرت العديد من المدن الجزائرية كتلمسان، والجزائر، وعنابة، وتيارت، وقسنطينة؛ كونها مدنًا لها رمزية تاريخية، لكنّ مدينة عين تموشنت التي كانت عاصمةً دولة نوميدية الغربية، والتي رسمت تاريخًا راسخًا قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر؛ وجدت نفسها مهمشةً بعد الاستقلال!

فالبلدة التي تتوسط ثلاث من كبرى المدن الجزائرية وهي: وهران، وتلمسان، وسيدي، بلعباس؛ لم تعلن كمحافظة سوى سنة 1984 ضمن التقسيم الإداري الجديد الذي عرفته الجزائر، والذي بموجبه رُفعت ولايات البلاد إلى 48 ولاية.

ويعزو مصعب بكرتي أحد سكان عين تيموشنت تهميش المدينة إلى الصراع الذي حدث بعد الإستقلال؛ ويقول مصعب في حديثه مع «ساسة بوست» بأنّ «عين تيموشنت ذهبت ضحية الصراعات التاريخية والسياسية؛ ودفعت ضريبة فترة الاحتلال الفرنسي وتركز طبقة كبيرة من المستعمرين بها؛ وبالتالي هناك من يريد أن يوسم بالمدينة بأنّها كانت مع المحتل الفرنسي، وهذا كله خطأ».

ويضيف محدثنا «مدينة عين تيموشنت رغم ما عانته في فترة الإحتلال إلّا أنها بقيت محافظة على هويتها وخصوصًا لغتها العربية، وكانت مركزًا مهمًا للعديد من العمليات ضد المحتل الفرنسي، دون أن نغفل عن أنها كانت في صدارة مظاهرات 11 ديسمبر التاريخية التي مهدت إلى استقلال الجزائر».

مدينة عين تيموشنت
مدينة عين تيموشنت

ويرى الدكتور أحمد قنّاش، الباحث في تاريخ الجزائر المعاصر بالمركز الجامعي في عين تيموشنت، خلال حديثه مع «ساسة بوست» أن القيمة التاريخية لمدينة عين تموشنت من المفترض أن تجعلها قطبًا سياحيًا وإيكولوجيًا كبيرًا، وأن يكون الاهتمام بها على أعلى مستوى، بسبب تعدد الثقافات والحضارات التي نزلت بالمدينة، وأضاف قناش بأنّ «على الجزائريين أن يتصالحوا مع تاريخهم الحقيقي وأن ترجع للمدينة التاريخية رمزيتها، كونها كانت عاصمة للدولة النوميدية، وساهمت في توحيد شمال أفريقيا».

سياسة

منذ 3 سنوات
الحنين إلى الأرض المُغتصبة.. هل تعود «الأقدام السوداء» إلى الجزائر؟

المصادر

تحميل المزيد