في أحداثٍ مأساوية شهدتها العاصمة السريلانكية كولومبو، يوم الأحد الماضي، استيقظ العالم على سلسلة من التفجيرات، استهدفت بعض الكنائس الكاثوليكية والفنادق الرئيسية، وذلك إبان الاحتفال بعيد الفصح المسيحي، ووصل عدد الضحايا إلى 350 قتيلًا و500 جريح، وقد أعلنت السلطات حالة الطوارئ، كما فرضت السلطات حظرًا للتجوال ليلًا، وأعلنت حظر جميع مواقع التواصل الاجتماعي الرئيسية، هذا إضافةً إلى اعتقال 24 شخصًا تبين تورطهم في تفجيرات عيد الفصح.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تفرض فيها السلطات حجبًا لمواقع التواصل الاجتماعي، رد فعل على أعمال شغب أو عنف؛ فقد أعلنت الحكومة حالة الطوارئ لمواجهة أعمال العنف التي اندلعت ضد المسلمين العام الماضي، بعدما هاجم بوذيون مساجد ومتاجر مملوكة لأشخاصٍ من الأقلية المسلمة. ونتيجة لذلك منعت مواقع مثل «فيسبوك» و«فايبر» و«واتساب»، بدعوى «منع انتشار العنف الطائفي»، والذي بدا وكأنه عذر مناسب لخنق الانتقادات التي واجهت الحكومة حول طريقة تعاملها مع الأزمة، وتجاهل الأسباب الجذرية لهذه القضايا.

لكن العجيب كان تصريح ئيس أساقفة سريلانكا لـ«الجزيرة» قبل أيام بأن «خطاب الكراهية لا يمكن تجريمه ومعاقبته وفقًا للقوانين الحالية للبلاد». في انتقادٍ صارخ للقوانين السريلانكية، وكأنها لا تجرم خطاب العنف والكراهية. فما هي هذه القوانين، وهل الخطاب الطائفي، والحث على العنف لا يُعد جريمة في الدولة السريلانكية؟

«خطاب الكراهية» جزء من حرية التعبير

يقول فايزر شهيد، الصحافي السريلانكي بجريدة «كولومبو تليغراف»، أن تاريخ العنصرية والتطرف في سريلانكا يعود إلى سنواتٍ سابقة كثيرة؛ كان فيها بعض رجال الدين من ذوي «الأرواب البرتقالية»، وهم البوذيون الذين يمثلون الأغلبية، على الرغمِ من تطرفهم يجيدون طرق الإفلات من العقاب، والإعفاء التام من سيادة القانون عن طريق الحصانة.

«القوانين غير كافية للقيام باعتقالات سببها خطاب الكراهية» *فايزر شهيد

يشير شهيد إلى أن الحجج التي طالما ترددت فيما يخص مرتدي الأرواب البرتقالية من المتطرفين، كانت دائمًا تعمل على اتهام القوانين السريلانكية، كونها غير كافية لاعتقالهم، بسبب خطاب الكراهية، أما الحجج الأخرى فكانت تتلخص في أن حظر مثل هذه الخطب ينتهك حرية التعبير. كل هذا قد أدى إلى ما نراه الآن من عنصرية تخترق كل أطياف المجتمع، بحسب شهيد.

ومن هنا يأتي السؤال، هل خطاب الكراهية جزء من حرية التعبير في سريلانكا؟

Embed from Getty Images

في تعريف «خطاب الكراهية»، تجري الإشارة إلى أنه ليس مجرد تعبير لفظي؛ إذ يشمل كل ما تكتبه إضافةً إلى الصور ومقاطع الفيديو والموسيقى، وحتى الأموال التي يدفعها البعض لتمويل بعض الحملات السياسية، كل هذا يوضع تحت تعريف الخطابة، وخطاب الكراهية هو كل الوسائل التي قد تدعو إلى العنف والكراهية. أما بخصوص حرية التعبير، فيقول شهيد أن حقوق الإنسان طالما كفلت حرية التعبير للجميع، وهي حقوق عالمية ومتساوية وغير قابلة للتجزئة.

إلا أن القوانين ذاتها تضع قيودًا على خطاب الكراهية، إذ يحظر القانون الدولي أية دعوة للكراهية القومية أو العنصرية الدينية قد تشكل تمييزًا بين أفراد المجتمع أو تحريضًا على العداوة والعنف. ولذلك فإن حظر خطاب الكراهية أمر حتمي بنفس قدر حرية التعبير؛ فمن حق كل فرد من أفراد المجتمع أن يحظى بالحماية ضد هؤلاء ممن يبشرون بالكراهية.

«تايم»: سريلانكا تغرق في الدماء.. 6 أسئلة تشرح لك تفاصيل التفجيرات هناك

هل القوانين السريلانكية تسمح بالتحريض على العنف والتمييز الطائفي؟

في ورقةٍ بحثية، أعدها مركز «البدائل السياسية للأبحاث» في سريلانكا، وتناقش القوانين الخاصة بجرائم «خطاب الكراهية والحث على العنف»، جرى الإشارة إلى أن سريلانكا لا تفتقر إلى القوانين التي تحد من خطاب الكراهية والحث على العنف، بل على العكس من ذلك تمامًا؛ إذ -ومن خلال البحث داخل القوانين السريلانكية المعمول بها في البلاد- تجد أربعة قوانين هامة في سريلانكا بهذا الخصوص، هما: «القانون الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية رقم 56 لعام 2007»، و«قانون العقوبات رقم 2 لسنة 1883»، «قانون منع الإرهاب رقم 48 لسنة 1979»، «مرسوم الشرطة رقم 16 لعام 1865»، وفي السطور التالية نتناول هذه القوانين.

أولًا: «القانون الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية»

«لا يجوز لأي شخص نشر دعاوى الحرب أو خطابات العنصرية الدينية أو العرقية أو القومية والتي قد تشكل تحريضًا على العداء والعنف والتمييز».  *نص القسم الثالث من القانون

صادقت سريلانكا على «القانون الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)»، والذي يعد أكثر التشريعات فعالية في سريلانكا، فيما يتعلق بمعاقبة المخالفين، ومرددي خطابات الكراهية، إلا أنه على الرغم من سن هذا القانون قبل أكثر من 10 سنوات، لم يتم الإبلاغ عن أية محاكمات أو أحكام تم إبرامها بموجب هذا القانون في سريلانكا، وقد حددت الورقة البحثية «مواجهة مسألة خطابات الكراهية في سريلانكا 2018» مسألة عدم وجود محاكمات بموجب هذا القانون، نتيجة نقص في الوعي بين المدعين العامين والمحامين والقضاة فيما يتعلق بالأحكام الخاصة لهذا القانون.

Embed from Getty Images

تشير الورقة البحثية إلى أن هناك أيضًا أسبابًا سياسية قد تسببت في الحد من استخدام هذا القانون، منها المخاوف من رد الفعل العام، في حالة إنفاذه، ومخاوف أخرى خاصة بإساءة استخدامه سياسيًا بما يعمل على سحق المعارضة، وتقييد حرية التعبير، إلا أن استقلال القضاء يعد أحد الأسس المعتمد عليها في هذه الحالة، من حيث التأكيد على استخدام القانون بما يتماشى مع الخبرة والمعرفة القانونية للفصل في القضايا المتعلقة بالتحريض على العنف والكراهية، والتأكد من عدم إساءة استخدام هذا القانون.

وعلى الرغم من أن مصادقة سريلانكا على القانون الدولي تعتبر خطوة نحو الاتجاه الصحيح، إلا أن سريلانكا لا تلتزم بالقانون على شكله الحالي، بل تتجاوز عن المادة رقم 19 الخاصة بحرية التعبير. وتشير الورقة البحثية إلا أن كلا المادتين 19 و20 ضروريتان من أجل إنفاذ روح هذا القانون، ولا يجب التغاضي عن أي جزء منهما، وذلك من أجل تحقيق توازن عادل لصالح أفراد المجتمع، الجدير بالذكر أن سريلانكا قد استخدمت قبل ذلك الجزء الخاص بخطابات الكراهية لقمع المعارضة ضد الحكومة الحاكمة، دون الالتفات إلى الفرق الواضح ما بين التحريض على العنف والكراهية، وحرية التعبير.

«قانون العقوبات رقم 2 لسنة 1883»

«النطق بكلماتٍ مسيئة أو الإقدام على أفعال خبيثة ومتعمدة تهدف إلى جرح المشاعر الدينية للآخرين يعاقب صاحيه بالسجن لمدة قد تصل لعام واحد، أو غرامة أو كليهما» القسم 291A والقسم 291B من قانون العقوبات

يتضمن الفصل 15 من قانون العقوبات السريلانكي وعنوانه «جرائم متعلقة بالدين» ستة أحكام خاصة بالإساءة الدينية، والتي تجرم النطق بكلماتٍ مسيئة أو أفعالٍ خبيثة من شأنها إثارة المشاعر الدينية للآخرين، هذا إضافةً إلى المادة 120 من قانون العقوبات، والتي يمكن استخدامها هي الأخرى لمحاكمة جرائم خطاب الكراهية والعنف.

لسوء الحظ، هناك نقص في الأحكام المبلغ عنها في هذه الحالة، إلا أن قانون العقوبات جرى استخدامه هو الآخر في قضايا تنتهك حرية التعبير، إلى الدرجة التي تنتهك معها المادة 19 بموجب القانون الدولي للحقوق المدنية والسياسية. تشير الورقة البحثية إلى أن هناك بعض التأثيرات المزعجة لمثل هذه القوانين؛ إذ يجري استخدامها بطريقة تسيء إلى القانون ذاته والمعايير الدولية.

«قانون منع الإرهاب (الأحكام المؤقتة)»

«ينص على حكم مؤقت لمنع أعمال الإرهاب في سريلانكا، ومنع الأنشطة غير المشروعة لأي فرد أو مجموعة من الأفراد أو الجمعيات أو المنظمات او الهيئات الخاصة، سواء كان ذلك داخل سريلانكا أو خارجها».

يتضمن هذا القانون تجريم ومعاقبة أي شخص تسبب في مقتل أو اختطاف أو ارتكاب أي هجوم على شخصٍ آخر، بالإعدام أو السجن لمدة لا تقل عن سبع سنوات، كما يشمل هذا القانون أي شاهد على إحدى الجرائم السابقة، أو التهديدات بإيذاء أي شخص أو اختطافه أو القيام باستيراد أو تجميع أو تصنيع أسلحة نارية دون إذن قانوني. هذا بالإضافة إلى السطو على الممتلكات الحكومية أو المجالس الإدارية وغيرها من مراكز الدولة، أو الإساءة إليهم. ويشمل القانون جرائم التآمر أو التحريض على ارتكاب الجريمة. فأي شخص يرتكب إحدى هذه الجرائم يعاقب بموجب هذا القانون فترات قد تصل إلى «السجن مدى الحياة».

Embed from Getty Images

كان هذا القانون عرضة دائمًا للانتقادات الدولية؛ إذ جرى استخدامه لاستهداف الأقليات ومنتقدي الحكومات المتعاقبة والصحافيين والمعارضين السياسيين، وقد اعتبره المجتمع الدولي «قيدًا» على حرية التعبير، ويجري إجراء مباحثات من أجل إلغاء هذا القانون، أو استبداله بما يتناسب مع المعايير الدولية، والتزامات سريلانكا نحو قانون الحقوق المدنية والسياسية.

«مرسوم الشرطة»

ويمنح «القدرة على اعتقال أي شخص دون إذنٍ قضائي»، وعلى الرغم من أن مرسوم الشرطة لا يشير بشكلٍ مباشر إلى «خطاب الكراهية»، إلا أنه يعطي جهاز الشرطة سلطات واسعة النطاق، وذلك لاحتواء الحالات التي قد تشمل تهديد السلم والنظام العام، ويتضمن المرسوم القدرة على اعتقال أي فرد دون إذن قضائي، وذلك في حالة قيام أي شخص في مكانٍ عام أو خاص باستخدام سلوك مهدد أو مسيء أو مهين يهدف إلى إثارة مشاعر الآخرين أو انتهاك سلام المواطنين والأمن.

إدمان ثقافة الإفلات من العقاب

على الرغم من كل هذه الصلاحيات الواسعة التي حظي بها جهاز الشرطة في سريلانكا، إلا أن الشرطة قد اتهمت بالتقاعس خلال العديد من أعمال العنف السابقة التي شهدتها الدولة السريلانكية. وقد كان تقاعس الشرطة خلال الأحداث العنيفة التي شهدتها مدينة «الوتجاما» سببًا في رفع عدة دعاوى قضائية على جهاز الشرطة؛ حين أضرم متطرفون بوذيون النار في عدة محال تجارية ومنازل عام 2014 ضد الأقلية المسلمة.

ساهم تقاعس الشرطة عن أداء مهامها في نشأة ثقافة الإفلات من العقاب داخل المجتمع السريلانكي، وتشير الورقة البحثية إلى أن القوانين التي من شأنها حماية المواطنين من أعمال العنف، جرى إساءة استخدامها على مدار سنوات لقمع حركات المعارضة للحكومات المتتالية، ولذا نشأت هناك ضرورة ملحة لاتخاذ إجراءات سريعة، وذلك فيما يتعلق بالقبض الفوري على الجناة والمتطرفين ممن يستخدمون خطابًا يحث على الكراهية، وإتمام التحقيقات في إطار زمني محدد دون تأخير.

علاوة على ذلك، يحث التقرير على تدريب فريق متخصص يولي اهتمامه الأكبر لجرائم الكراهية والعنف والقضايا ذات الصلة، وذلك بالتنسيق مع جهازي الشرطة والمدعي العام، وبحسب الورقة البحثية، فجهاز الشرطة بحاجة إلى إصلاحاتٍ جوهرية لاستعادة ثقة المواطنين في القانون والجهاز المفوض بتنفيذه.

عن ذلك يقول فايزر شهيد، أن خطاب الكراهية محظور في سريلانكا بموجب القانون الدولي وقانون العقوبات السريلانكي، إلا أن جهاز الشرطة على الرغم من صلاحياته الواسعة لا يقوم بتنفيذ أمر التوقيف دون إذنٍ قضائي، وهو أمر يتطلب وقتًا طويلًا، ويضيف: «لدى سريلانكا قوانين ملائمة لحماية مواطنيها من جرائم الإرهاب وخطابات الكراهية، إلا أن الأزمة تنبع من عدم إنفاذ هذه القوانين بشكلٍ عملي لحماية المواطنين؛ فقد أصبح الجو العام السائد يشجع على ثقافة الإفلات من العقاب، مما يعمل في النهاية على حماية المتطرفين أنفسهم».

مأساة بلا نهاية.. لماذا يُقتل المسلمون في سريلانكا على أيدي البوذيين المتشددين؟

المصادر

تحميل المزيد