إن كانت الحرب الأخيرة على قطاع غزة، والتي استمرت لواحد وخمسين يوما، دكت فيها المقاتلات الحربية الإسرائيلية معظم مناطق وأحياء وأزقة القطاع، مخلفة عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، فإن تداعياتها لم تنته بعد، فالمعركة السياسية لا زالت رهينة لأجندة خارجية، وتجاذبات حزبية محلية، يغوص الشعب في أدق تفاصيلها.

شهران ونيف مضوا على وقف إطلاق النار في غزة، بعد موافقة الفصائل الفلسطينية وإسرائيل على ذلك، برعاية مصرية، وفقا لمفاوضات التهدئة غير المباشرة التي جرت خلال الحرب، لكن جملة من المسائل المعلقة والمؤجلة جعلت حناجر الفلسطينيين تصدح صباح مساء، بلا مجيب!

إعادة إعمار قطاع غزة، والآلية المتفق عليها فلسطينيا وعربيا وإقليميا، وموقف الفصائل الفلسطينية من عدم إيفاء إسرائيل بوعودها التي قطعتها كشرط لوقف الحرب، فضلا عن المستجدات الأخيرة حول مفاوضات التهدئة المعلقة بين الفينة والأخرى، هي أبرز الملفات المتداولة على الساحة الفلسطينية في الوقت الراهن.

مؤخرا، تم طرح خطة لعادة إعمار غزة يمسك بزمامها الممثل الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام روبرت سيري، فما هي بنود هذه الخطة؟ وكيف تنظر إليها الفصائل الفلسطينية؟ وما النقاط المختلف عليها؟ فضلا عن مصير مفاوضات التهدئة غير المباشرة إلى أين؟

 

ما هي خطة روبرت سيري لإعمار غزة؟

روبرت سيري الممثل الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام

هي خطة أممية تم التوصل إليها في السادس عشر من سبتمبر الماضي، بعد اتفاق بين حكومة الاحتلال والسلطة الفلسطينية لإدخال مواد البناء إلى غزة، تشمل آلية لمراقبة ضمان عدم استخدام مواد البناء التي سيتم توريدها إلى القطاع لأغراض أخرى بخلاف عملية الإعمار، في إشارة لاستخدامه من قبل فصائل فلسطينية في تشييد الأنفاق.

وتنص الخطة حسب سيري أنه في غياب بدائل صالحة، فإن الأمم المتحدة ترى أن الآلية المؤقتة لإعادة البناء خطوة هامة برفع الإغلاقات عن غزة وفق قرار مجلس الأمن الدولي 1860 الصادر عام 2009، ومع دخول الآلية حيز العمل من الضرورة القصوى على المانحين الإيفاء بالتزاماتهم التي قدموها في مؤتمر القاهرة من أجل تمويل مشاريع البنية التحتية الضرورية، وتلبية احتياجات غزة من الكهرباء والماء.

وكما تنص أيضا على ضرورة مراقبة مواد البناء وإعادة الإعمار في غزة بوجود كاميرات مراقبة في المحلات التجارية تكون مرتبطة بمقرات الوكالة أو الاحتلال الإسرائيلي، حيث يقوم الاتفاق على ضمانات أمنية مشددة من خلال آلية رقابة من قبل الأمم المتحدة وفق نظام يشرف على إدخال واستخدام جميع المواد اللازمة لإعادة إعمار قطاع غزة لضمان عدم تحويلها عن أهدافها المدنية الخالصة.

ولفت إلى أنه من أجل أن يتم تنفيذ إعادة البناء بالسرعة المطلوبة، يجب تقوية حكومة الوفاق لتحمل مسؤولياتها بشكل حقيقي للقطاع.

 

لماذا يرفض الفلسطينيون الخطة؟

معبر كرم أبو سالم الذي تسيطر عليه إسرائيل لإدخال مواد البناء لغزة

قوبلت خطة سيري برفض فلسطيني كامل من قبل حكومة التوافق والفصائل الفلسطينية والمجتمع المدني، واعتبرت إدارة من قبل الأمم المتحدة للحصار على غزة وخضوع للشروط الإسرائيلية.

وترى الفصائل الفلسطينية أن خطة سيري لإعادة إعمار غزة هي بمثابة شرعنة الحصار الإسرائيلي المفروض منذ ثماني سنوات على القطاع، من حيث مراقبة مواد البناء وإعادة الإعمار، مما يشكل خطرًا كبيرًا على المواطنين الفلسطينيين ويجب إعادة النظر إليها، وفق نظرتهم.

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تقول: “إن قلقها من الخطة ناجم عن عدم الإيفاء بالتعهدات المالية لدول العالم في مؤتمر الإعمار الذي أقيم في القاهرة خاصة مع بدء موسم الشتاء حيث المواطنين يعيشون في مراكز الإيواء دون أدنى مقاومات الحياة”.

ويشار إلى أن مسؤولين في السلطة ومسؤولين في حكومة الوفاق الوطني قد أكدوا أن السلطة الفلسطينية ستتسلم إدارة المعابر بين قطاع غزة والاحتلال الإسرائيلي للسماح بإدخال مواد الإعمار إلى غزة قبل أسبوع إلا أن ذلك لم يتم بداعي عدم الانتهاء من التجهيزات الفنية.

حركة حماس، وعلى لسان العضو في مكتبها السياسي موسى أبو مرزوق أوضحت أن من أهم أخطاء “خطة سيري” اعتراض “إسرائيل” على المنتفعين في إعادة الإعمار، واعتراضها على الكميات المقررة لأصحاب البيوت المهدمة كليًا أو جزئيًا، واعتراضها على إعادة البناء في بعض المناطق، بالإضافة إلى الإجراءات الطويلة والمعقدة والتي تعيق الإعمار.

وترفض الحركة أن تكون الأمم المتحدة طرفا مقررًا في إعادة إعمار غزة في المباحثات غير المباشرة التي جرت في القاهرة، مضيفة: “كان هناك إصرار من الجميع على أن تكون السلطة الفلسطينية المسؤولة عن الإعمار من خلال حكومة التوافق الوطني”.

وتعقيبا على ذلك، قال الكاتب الفلسطيني أسامة الفرا: “واضح أن خطة سيري لإعادة الإعمار في غزة هي بمثابة مادة تجميلية للوجه القبيح للحصار، وتعزز ثقافة الكوبونة بتوسيع دائرة نفوذها إلى مواد البناء بعد اقتصرت لسنوات طويلة على المواد التموينية”.

ولفت الفرا في مقال له نشر على موقع” الكوفية برس” الفلسطيني إلى أنه من يمتلك القليل من المعرفة باحتياجات قطاع غزة لإعادة إعماره يدرك أن آلية سيري في إدخال مواد البناء ومراقبتها الدقيقة لن تقود إلى إعادة إعمار، وإن استطاعت أن تتجاوز المعيقات والتسويف الإسرائيلي فإنها بحاجة لعقود كي تنجز مهامها بحركة السلحفاة المعتمدة، ناهيك عن أن خطة سيري تتجاهل بشكل مطلق التنمية الطبيعية للقطاع ومتطلباتها.

وفي موضوع ذي صلة، أكد مدير عمليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، “أونروا”، في قطاع غزة، روبرت تيرنر أن إعادة إعمار القطاع، قد يستغرق ما بين عامين إلى ثلاثة أعوام، في حال “سارت الأمور بشكل جيد”.

وقال تيرنر: “إن إعادة إعمار غزة يحتاج إلى وقت طويل، سنعمل في البداية على إزالة الركام، ومن ثم مرحلة تصميم المنازل، وترخيص البناء”، لافتًا إلى أن المنازل المدمرة، لن تبنى كما كانت عليه في السابق، بل وفق “معادلة عدد الأفراد مقابل عدد الأمتار المربعة”، مضيفًا: “هذا ليس تعويضا نهائيا للعائلة، إنما هدفنا الآن إيجاد بديل سكني لها”.

وتوصل الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي، يوم 26 أغسطس/ آب الماضي، إلى هدنة طويلة الأمد، برعاية مصرية تنص على وقف إطلاق النار، وفتح المعابر التجارية مع غزة، بشكل متزامن، مع مناقشة بقية المسائل الخلافية خلال شهر من الاتفاق، ومن أبرزها تبادل الأسرى وإعادة العمل إلى ميناء ومطار غزة.

وتابع: “سنواجه تحدٍ في توفير هذه المبالغ خلال العام القادم بسبب العجز المالي الذي نعاني منه، المقدر بـ 55 مليون دولار، ولكن ميزانية الطوارئ بحالة جيدة، بعد أن وصلتنا تبرعات كبيرة من عدة جهات، وسيخصص جزء منها لمساعدة متضرري الحرب”.

وأضاف: “حجم الدمار كان ضعف توقعاتنا، ظننّا في البداية أنه يصل إلى 60 ألف منزل، 70% منهم للاجئين الفلسطينيين، ولكن الرقم وصل إلى 90 ألف بيت”.

وتحاصر إسرائيل قطاع غزة، حيث يعيش أكثر من 1.8 مليون نسمة، منذ أن فازت حركة حماس بالانتخابات التشريعية في يناير/ كانون الثاني 2006، ثم شددت الحصار إثر سيطرة الحركة على القطاع منتصف العام التالي، وما زال الحصار متواصلا رغم تخلي حماس عن حكم القطاع، مع الإعلان عن حكومة الوفاق الفلسطينية في 2 يونيو/حزيران الماضي.

وبحسب الشركة الدولية “شيلتر كلاستر” فإن إعادة إعمار قطاع غزة يحتاج إلى خمسة أعوام في حال تم إدخال 400 شاحنة يوميا من مواد البناء دون رقابة أو قيود، لكن في حال تم تطبيق آلية الرقابة سوف يحتاج القطاع إلى 20 عامًا لإعادة الإعمار.

ويؤكد الخبير الاقتصادي الفلسطيني حامد جاد أن آلية سيري في إدخال مواد البناء لغزة “مجحفة” بحق الشعب الفلسطيني ولا تلبي الاحتياجات الأساسية لإعادة الإعمار، نظرا لبطء تنفيذها واحتياجها لسنوات طويلة.

ويشير جاد إلى أنه عندما دخلت أول شحنة من مواد الإعمار في الرابع عشر من الشهر الماضي، مكثت في المخازن دون توزيع لمدة أسبوعين، وإلى أن تم التوزيع عبرّت الآلية عن حالة من السخرية بعدما تم توزيعه من كيس واحد أو اثنين لأصحاب البيوت المدمرة جزئيا.

ويوضح أن هذه الآلية إن نظرنا إليها بهذه الوتيرة “فمن المؤكد أن العائلات المشردة من بيوتها المدمرة ستمضي عشرات فصول الشتاء تحت العراء ومستبعد إعادة الإعمار خلال سنوات طويلة”.

ويتابع الخبير الاقتصادي: “نحن بحاجة إلى كميات كبيرة تقدر بـ1500 شاحنة يوميا من مواد البناء، وليس 400 فقط وتحت رقابة مشددة”، مبينا أن هذه الآلية لا تعبر عن سقف تطلعات الشعب الفلسطيني في إعمار ما دمره الاحتلال.

 

مفاوضات التهدئة غير المباشرة إلى أين؟

الفصائل الفلسطينية وبحثها لمفاوضات التهدئة في مصر “أرشيف”

في موضوع المفاوضات غير المباشرة، كأحد أهم المسائل المتعثرة في كثير من الأحيان، والتي باتت رهنا لأزمات الداخل والخارج، وسط حالة من اليأس والإحباط تسود الفلسطينيين، حيث علقت أحداث سيناء الأخيرة المفاوضات غير المباشرة بين الوفد الفلسطيني و”إسرائيل” في القاهرة الأمر الذي حال دون وصول أعضاء الوفد من قطاع غزة لإغلاق معبر رفح وتأجيل التباحث على تثبيت وقف إطلاق النار ومناقشة شروط المقاومة الفلسطينية.

وبمجرد الإعلان عن مقتل الجنود المصريين في سيناء سارع الإعلام المصري لاتهام قطاع غزة والزج بحماس دون إثبات التحقيقات ذلك.

ومن السيناريوهات المتوقعة حيال ذلك، أنه ستزداد مأساة المواطنين في قطاع غزة لاسيما بعد 51 يوما من العدوان وتدمير البنية التحتية وعدم إدخال مواد البناء لإصلاحها.

ويؤكد المحلل السياسي هاني البسوس الذي يتبنى الرأي السابق أن تعثر المفاوضات يعني بقاء الحصار ومضاعفته في قطاع غزة وكذلك حدوث انفجار في وجه الاحتلال خلال فترة ليست بعيدة.

ويبقى التساؤل، في كل حادثة تمر بها مصر، ويزج بها الفلسطيني للوهلة الأولى، إلى متى سيبقى سكان القطاع المحاصر رهينا لأحداث مصر الداخلية؟

وكان رئيس الوفد الفلسطيني للمفاوضات غير المباشرة مع الجانب الإسرائيلي عزام الأحمد، إن الجانب المصري أجل المفاوضات إلى النصف الثاني من شهر نوفمبر المقبل جراء الأوضاع السائدة في شمال سيناء وإغلاق معبر رفح نتيجة العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش المصري في المنطقة.

وكانت مصر قد شهدت هجوما استهدف نقطة تفتيش عسكرية، بمحافظة شمال سيناء، شمال شرقي البلاد، وأودى بحياة 30 عسكريا، فضلا عن أكثر من 31 مصابا، وفق حصيلة رسمية، وهو الأمر الذي أعلن على إثره الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحداد 3 أيام، وفرض حالة طوارئ لمدة 3 أشهر متبوعة بحظر تجوال طوال ساعات الليل، بمناطق في المحافظة.

 

 

المصادر

تحميل المزيد