تغير موقف الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» من الدستور، من الإشادة به إلى انتقاده والدعوة إلى تعديله، لوجود العديد من المواد التي تزعجه وتؤرقه على مايبدو، من بينها مواد متعلقة بقضايا شائكة كسلطات البرلمان و«تيران وصنافير» ونظام الانتخابات الرئاسية، وعزل شيخ الأزهر، ومقتل جوليو  ريجيني.

 

تحول السيسي من مدح الدستور لانتقاده

 

«الدستور الجديد حقق توازنًا حقيقيًا، وحقق كثير من العدالة، وعلى المصريين أن ينزلوا ليكتبوا تاريخيهم ومستقبلهم»، هكذا أكد السيسي في 11 يناير (كانون الثاني) 2014، معتبرًا الدستور «خطوة على طريق المستقبل».

قال السيسي هذه الكلمات، في وقت كان فريق أول ووزيرًا للدفاع، ولم يكن أعلن حينها صراحة عن نيته للترشح لرئاسة الجمهورية، وبالرغم من نفيه المسبق لتلك الفكرة، إلا أن السيسي قرر في النهاية الترشح لمنصب رئيس الجمهورية والفوز به.

وبعد نحو عام من حكم السيسي لمصر، وأثناء الاستعداد لانتخاب برلمان جديد، تحول موقف السيسي من مدح الدستور، الذي نال موافقة 98%  من الناخبين وسط مقاطعة كبيرة للمعارضة، إلى انتقاده والدعوة إلى تعديله.

وظهر هذا التحول جليًا عندما قال السيسي في 13 سبتمبر (أيلول) 2015، إن مواد الدستور كتبت بنوايا حسنة، «والبلد لايمكن أن تحكم بحسن النوايا»، على حد تعبير السيسي الذي لفت إلى أن البرلمان يمكن أن يكون إعاقة أو يصبح خير لبلدنا، على حد تعبيره.

تشكيل البرلمان يخفف إنزعاج السيسي من صلاحياته بالدستور

وربط مراقبون بين تلك التصريحات، وصلاحيات البرلمان في الدستور، وبالأخص أن تلك التصريحات جاءت أثناء الاستعداد للانتخابات البرلمانية الجديدة، ومن بين المواد الخاصة المرتبطة بصلاحيات البرلمان المادة رقم 161، والتي تمنح البرلمان الحق في سحب الثقة من الرئيس او إجراء انتخابات رئاسية مبكرة بعد موافقة أغلبية الثلثين وموافقة أغلبية الشعب في استفتاء عام.

ولكن تشكيل البرلمان برعاية أمنية وتدخل من الدولة، وسيطرة الكتلة الداعمة للسيسي عليه، خفف من حدة تلك المخاوف على ما يبدو، ليصبح البرلمان «خير لبلدنا»، وليس إعاقة لها»، من وجهة نظر السيسي، الذي يكاد ينعدم أن يجد في البرلمان قرارًا نهائيًا مخالف لرغبات السلطة التنفيذية، التي يرأسها.

المادتان 140 و226 تجمحان طموح السيسي في تمديد حكمه

تجمح مادتي رقم 140، و226 من الدستور، من طموح السيسي ورغباته المحتملة في تمديد حكمه لمصر أكثر من ثمانية سنوات، وهي رغبات ظهرت كثيرًا على لسان مؤيدي السيسي في الإعلام والبرلمان، إذ تحدد المادة رقم 140 مدة الولاية الرئاسية بأربعة سنوات ميلادية، وتمنع إعادة انتخاب نفس الشخص «إلا لمرة واحدة» .

وبذلك فإن أقصى مدة يمكن أن يحكم فيها السيسي مصر رسميًا، هي ثماني سنوات إذا ما ترشح وفاز في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستجرى في 2018.

 

وجاءت المادة 226  من الدستور لتعزز ذلك المعنى، بتحصينها المادة رقم 140 من التعديل، إذ تنص الفقرة الأخيرة من المادة 226 على «فى جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أوبمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات».

ويزيد قلق السيسي من هاتين المادتين، بعد فشل حملة برلمانية لتجميع خُمس أصوات أعضاء البرلمان، بغية تعديل الدستور، لتوسيع صلاحيات الرئيس وتمديد الفترة الرئاسية من أربع لست سنوات، على اعتبار أن المدة المنصوص عليها في الدستور لا تمكن الرئيس من أداء برنامجه على حد تعبير النائب إسماعيل نصر الله الذي دشن الحملة وفشل في تحقيق مبتغاه.

المادة 151.. الكابوس المفاجئ

وفي سياق متصل، تنص المادة 151 من الدستور المصري على أن «يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا لأحكام الدستور. ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة، وفى جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أى جزء من إقليم الدولة».

ولقد وضعت تلك المادة في الدستور «علشان مرسي»، بعدما كثُر الكلام في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي من قبل معارضيه على بيعه للأراضي في سيناء، «لكن لبسنا فيها إحنا دلوقتي»، وفقًا لما قاله دكتور السياسة «معتز عبد الفتاح»، أحد أكبر الداعمين للسيسي، في لقائه مع الإعلامي الداعم للنظام المصري عمرو أديب، في 17 يناير  (كانون الثاني) الماضي، بعد مرور عامين على إقرار الدستور.

https://www.youtube.com/watch?v=gMlKIWe885U

 

وجاءت تصريحات عبد الفتاح تلك، في إطار حديثه عن إتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، والتي تنازل فيها السيسي عن ملكية مصر في جزيرتي «تيران وصنافير» دون استفتاء شعبي، في مخالفة صريحة للمادة 151، التي تتضمن في ختام نصها أيضًا: «وفى جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أى جزء من إقليم الدولة».

ويزداد قلق السيسي من تلك المادة بعدما أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمًا نهائيًا بمصرية الجزيرتين، في 16 يناير  (كانون الثاني)، استعانت فيه بتلك المادة، وهو ما اعتبره البعض أن القرار المحكمة يقضي أيضًا بـ«خيانة السيسي»، ومما قد يزيد انزعاج السيسي من تلك المادة أيضًا أن مجرد محاولة تعديلها في حد ذاته، وبالأخص الجزء الأخير منها، يمثل إدانة له.

المادة السابعة تمنع السيسي من عزل الطيب

على الرغم من دعم «أحمد الطيب»، شيخ الأزهر، لبيان السيسي في الثالث من يوليو (تموز) 2013، إلا أن العلاقات بين السيسي والطيب شهدت عدد من الصراعات والخلافات، بدأت برفض الطيب للعنف في أحداث الحرس الجمهوري، مرورًا بالتبرأ من فض اعتصامي رابعة والنهضة، وصولًا لأزمة الطلاق الشفوي.

https://www.youtube.com/watch?v=RrblOIwbv_o

اقرأ أيضًا: الطيب والسيسي.. ماذا تعرف عن صراع الشيخ والرئيس؟

ويخرج السيسي أحيانًا عن طبيعة الصراع الذي يبدو مكتومًا، بعبارات علنية مثل «أنا بقول لفضيلة الإمام(شيخ الأزهر) كل ما أشوفه: أنت بتعذبني»، و«تعبتني يا فضيلة الإمام».

ولايرضى الجنرال السابق عن عدم امتثال الطيب لرغباته ودعم سياساته، وهو ما قد يجعل السيسي يفكر في الإطاحة به، ولكن  المهمة تصبح صعبة ومزعجة، مع وجود المادة السابعة من الدستور، والتي تؤكد استقلال الأزهر، وتنص في نهايتها على «شيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء».

تلك المادة التي ظهرت أصوات بالفعل تطالب بتعديلها والتحايل عليها، من خلال تعديل لائحة الأزهر بما يضمن ألا يستمر شيخ الأزهر في منصبه لمدة تزيد عن لـ«تجديد الخطاب الديني»، على حد تعبير ياسر قورة، مساعد رئيس حزب الوفد الداعم للنظام، السبت الماضي، الموافق الرابع من مارس (آذار) الجاري.

ولكن ذلك الصوت سرعان ما خفت، ببيان أصدره المستشار  بهاء الدين أبو شقة، سكرتير عام حزب الوفد، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب، ورئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية  بالبرلمان، أكد فيه استقلالية شيخ الأزهر وعدم قابليته للعزل.

 

المادة 52 تذكر السيسي بـ«ريجيني»

تعد قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في مصر، واحدة من أكثر القضايا إزعاجًا للنظام المصري، وفي الرابع من فبراير (شباط) 2016، وجدت جثة الطالب الإيطالي ملقاة على قارعة طريق القاهرة- اسكندرية الصحراوي وعليها آثارتعذيب.

وتوجه أصابع الاتهام بقوة لأجهزة الأمن المصرية، بتسببها في مقتل الطالب، ومما يقوي من تلك الاتهامات ضعف الرواية الرسمية وتضاربها، واستبعاد النائب العام المصري منذ أشهر علاقة خمسة مصريين بريجيني كانوا قد صفتّهم الشرطة المصرية لاتهامهم بقتلهم «ريجيني»، وأدت تلك القضية لاضطرابًا في العلاقات بين مصر وإيطاليا التي كانت من أقوى الداعمين لبيان الثالث من يوليو  (تموز) 2013.

وتنص المادة رقم 52 من الدستور المصري على أن «التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم» ، وهي مادة تزعح السيسي ونظامه، نظرًا للصيت الدولي سيئ السمعة المرتبط بقضية «ريجيني».

ويتهم السيسي ونظامه من قبل معارضيه بانتهاك عدد من مواد الدستور وخاصة تلك المدرجة تحت باب الحقوق والحريات في الدستور، ولكن يتجاوزها السيسي، إما بالنفي، أو تبرير بعض الإجراءات القمعية، وبالأخص عندما يكون الضحايا مصريين لا يتمتعون بالصيت الذي يتمتع به ريجيني.

عرض التعليقات
تحميل المزيد