بعد التغيرات الكبيرة التي حدثت على الساحة الإعلامية المصرية، والتي رأى العديد من المراقبين أنها تهدف لاستئصال أي بذور لمعارضة النظام المصري في القنوات الخاصة؛ كشفَ الإعلامي عمرو أديب، والذي سبق وأن أجرى سبْقًا إعلاميًا، بإجراء مكالمة هاتفية مع رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، في برنامجه، عن معلومات لديه تقول إن هناك أربع قنوات كُبْرى ستباع في الفترة القادمة، لرجال أعمال لم يذكر أسماءهم. وقال أديب لمتابعيه: »في جيل هياخد مكان الجيل الحالي في الإعلام، وفي ظرف سنتين كله هيتغير، وهتشوفوا حاجة تانية«.

لا يقتصر الأمر على الأخبار المتعلقة بشراء رجال أعمال مقربين من الرئيس، لقنوات كانت تعرض آراء معارضة للسيسي فحسب، وإنما يصل الأمر إلى أنباء متعلقة بخطة من جهاز المخابرات الحربية، لإنشاء إعلام يديره من الباطن، للترويج للرؤى التي يريدها أن تسود، وتشكيل المزاج العام للشعب بعد ذلك على هوى هذا الجهاز.

ولا يقتصر النظر على تصريحات الإعلامي عمرو أديب، من زاوية الأخبار الجديدة فقط، عن بيع القنوات التي تظهر في ثوب المعارضة فحسب، وإنما أيضًا من خلال ما ذكره الإعلامي حافظ الميرازي منذ أكثر من عام، عن وجود بعض الأفراد الذين ينصت لهم الرئيس، ويؤكدون له دومًا أن عليه عدم الوقوع في أخطاء نظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، والتي تمثلت من وجهة نظرهم، في سماحه بهامش كبير من الحرية للإعلام، تسبب في إبراز عيوب نظامه، وأنتج الثورة فيما بعد.

صورة من السطح

كان للإعلام الخاص المُمول من رجال الأعمال المصريين، دور كبير للغاية في إطاحة الرئيس السابق محمد مرسي.

ولعب هذا الإعلام دورًا كبيرًا في إبراز نظام الرئيس المعزول محمد مرسي، على هيئة النظام العميل والفاسد، والذي جاء بمؤامرة دولية، فضلًا عن التركيز على السخرية الدائمة من محمد مرسي وأفعاله، كما لعب هذا الإعلام دورًا كبيرًا في نقل الرسائل الخفية من قادة الجيش للشعب، والتي تضمنت بث هذا الإعلام للاطمئنان في نفوس من ينوون التظاهر قبل 30 يونيو (حزيران) 2016، بأن الجيش سوف يحميهم.

صورة من مظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013 في مصر (المصدر: وقائع الحدث)


ولعب هذا الإعلام أيضًا دورًا كبيرًا في ترسيخ تهمة الخيانة على كل من اعترض على أحداث الثالث من يوليو (تموز) 2013، وما تلاها، ما جعله يبدو وكأنه يمتلك عصا سحرية تُحرّك ملايين المصريين، وظهر بوضوح أنه أحد أهم الأسلحة التي لابد وأن يمتلكها ويجيد استعمالها من يود الاستمرار في حكم البلاد.

لكن هذا الإعلام رغم تأييده في العموم لسلطة الثالث من يوليو (تموز) 2013، ضد الإسلاميين وشباب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، لكنه ليس واحدًا؛ فكل مؤسسة إعلامية تنتمي لجناح ومؤسسة من مؤسسات الدولة العميقة، التي تبدو للعديد من المراقبين أنها في حالة صراع داخلي مكتوم.

وصرحت الإعلامية لميس الحديدي بوضوح، وهي المُقرّبة من النظام، وأول إعلامية مصرية تلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي، بأن المناخ العام يحتاج إلى ضبط: »كل نائب وراه جهاز بيشغله، وبيدي له معلومات«.

فيما يرى عديد المراقبين أن الأمر لا يتعلق بنواب الشعب المتناحرين، الذين يخدمون أجهزة الدولة المتعارضة بدورها، وإنما يتعلق الأمر أكثر بالمؤسسات الإعلامية. وظهر هذا التناحر بين المؤسسات الإعلامية التي تقف خلفها مؤسسات الدولة المختلفة، في الانتخابات الرئاسية عام 2014، إذ حرصت بعض القنوات التي يرى المراقبون أنها ذات علاقات قوية بجهاز أمن الدولة، وبمجموعة الحزب الوطني المرتبطة به، على تصدير رسالة إعلامية مفادها أن اللجان خاوية، وأن الشعب خذل السيسي، وأن ما يحدث بمثابة فضيحة.

رأى المراقبون آنذاك، أنها رسالةٌ من جهاز أمن الدولة ورجال الأعمال المتحالفين معه، للسيسي، مفادها أنهم لن يرضوا بتهميشهم لصالح المخابرات الحربية والجيش بشكل عام.

في مقابل ذلك، يبدو أن السيسي لم يقبل الانصياع التام لهذا التهديد، فشدد من ثقته في مؤسسته العسكرية، وبات يعطي ثقته الأولى للتقارير التي تأتيه من المخابرات الحربية، كما أعطى معظم المشروعات الضخمة الجديدة للإدارة الهندسية للقوات المسلحة، واستمر في تجاهل رجال الأعمال المتحالفين مع الجهاز الأمني، والذين ازداد غضبهم مع الضغوط التي مورست عليهم للتبرع لصندوق تحيا مصر، التابع لمكتب الرئيس.

وأمام هذه التحديات، وأمام هذا الصراع بين أجهزة الدولة المختلفة، فإن السيسي، بحسب تقرير أعده معهد واشنطون لسياسات الشرق الأدنى، قد قال إن جمال عبد الناصر كان محظوظًا بالإعلام الذي كان يتبعه في كل خطوة في عصره، ويؤيده دائمًا، كما أن الرئيس قد شنّ في أكثر من مرة هجومًا حادًا على الإعلام، وقال في أحد خطاباته للشعب: »الإعلام مش فاهم حاجة، واللي عاوز يعرف يجي لي أنا«.

الحرب على المعارضة الناعمة

في ما يخص الشأن الديني، وأثناء قراءة قائد القوات المسلحة آنذاك، عبد الفتاح السيسي، لبيان عزل الرئيس محمد مرسي، كان عشرات الجنود يداهمون قناة »الناس« السلفية، التي حظيت بنسبة مشاهدات مرتفعة منذ عام 2006، وحتى مداهمتها عام 2013، وبعد فترة اشتراها رجل الأعمال محمد الأمين، ليقوم مفتي الديار المصرية السابق، المقرب من عبد الفتاح السيسي، والذي يعده العديد من المراقبين الممثل الأهم لنسخة الإسلام الرسمي التي ترضى عنها الدولة، بإدارة القناة، عبر سيطرة شيوخ صوفيين أشعريين على شاشتها، وإبعاد حتى السلفيين المقربين من النظام عن خريطة برامجها.

وعلى الجانب الآخر، حين خرج الكاتب والإعلامي إسلام بحيري، بآراء قال إنها في سياق الدعوة لتجديد فهم الإسلام التي طالب بها السيسي، وكانت تلك الآراء مخالفة للرؤية الأزهرية، تم إيقاف برنامج البحيري، وأعلن الرئيس صراحة أن الموكل الوحيد بتجديد الخطاب الديني هي مؤسسة الأزهر وعلماؤها، وكان هذا قبل أن يتعرض بحيري للسجن بسبب آرائه.

وقد صرح المفتي السابق علي جمعة، المقرب من الرئيس، أن قناة الناس لن يخاطب فيها أحد الجمهور، إلا إذا كان أزهريًا.

كان هذا قد بيّن بوضوح أن نظام السيسي لن يقبل مرة أخرى بإعطاء هامش للحرية في ما يتعلق بالرؤى الدينية المخالفة لرؤية المؤسسة الإسلامية الرسمية.

رجل الأعمال المصري أحمد أبو هشيمة، (المصدر: مصر فايف)


أما على صعيد الإعلام السياسي، فقد جرى الإعلان في الأسابيع الأخيرة عن صفقة أثارت الكثير من الجدل، إذ أقدم رجل الأعمال المقرب من الرئيس السيسي، أحمد أبو هشيمة بشراء قناة »أون تي في«، من رجل الأعمال نجيب ساويرس.

وكانت قناة »أون تي في« هي آخر معاقل المعارضة الناعمة لنظام عبد الفتاح السيسي، إذ كانت القناة الوحيدة التي عرضت مظاهرات الصحافيين ضد وزارة الداخلية، كما أذاعت بيان نقابة الصحافيين المندد باعتداء وزارة الداخلية على الصحافيين، على الهواء مباشرةً.

وقد سبقت هذه الصفقة أيضًا، إبعاد الإعلامي يوسف الحسيني عن برنامجه »السادة المحترمون«، هذا بالإضافة إلى شهادات بعض العاملين بالقناة على الاضطرابات التي حدثت بداخلها، بسبب انتقاد بعض الإعلاميين العاملين فيها لنظام الرئيس، مثل خالد تليمة، وليليان داوود، وجابر القرموطي.

وحين قام نجيب ساويرس بعملية البيع صرح بعد ذلك قائلًا: »بصراحة كده إحنا لا عاجبين الفلول ولا الثوريين ولا الحكومة ولا النظام، فهي مسألة واقفة عليَّ بالخسارة من كل ناحية«.

ومشتري القناة، التي كانت محسوبة على المعارضة الناعمة بإعلامييها في ما سبق، هو رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، الذي كان وقت حكم الرئيس محمد مرسي مقربًا منه للغاية، وكان من المرافقين له في جولاته الخارجية، وفجأة بعد سقوط الإخوان، تبرع أبو هشيمة بمبالغ طائلة للنظام الجديد، ونشر إعلانات ترويجية للسيسي في الصحف الأمريكية. ويبدو أنه حصل عقب ذلك على ثقة كبيرة من الرئيس، ليكون واحدًا من رجال الإعلام لهذا النظام.

فقد استحوذ أبو هشيمة في فترة قصيرة على الحصة الأكبر في جريدة اليوم السابع، وقناة النهار الفضائية، والجريدة الأسبوعية صوت الأمة، و50% من شركة مصر للسينما، المملوكة لرجل الأعمال كامل أبو علي.

وبدأت تتبلور أكثر وأكثر خريطة المستقبل الإعلامي المصري، إذ المستقبل للإمبراطوريات الإعلامية العظمى التابعة لأحمد أبو هشيمة، ومحمد الأمين، ومحمد أبو العينين، المتحالفين تمامًا مع رئيس الجمهورية.

ويرى بعض المراقبين أن المستقبل الإعلامي المصري سيشتمل قريبًا على تقليص كبير في مساحة المواد الإخبارية، التي تكثفت بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011.

السيطرة المباشرة على الإعلام

لكن يبدو أيضًا أن المهمة لن يقوم بها رجال الأعمال المقربون من الرئيس فحسب، ويبدو أن نظام السيسي لن يكتفي بإملاء توجهات ومعلومات معينة على الإعلاميين، وإنما سيشارك هذا النظام بنفسه في صناعة الخطاب الذي يريده.

Egypt's Military Chief Visits Moscow

وكشف موقع »عربي 21« نقلًا عن مصادره، أن النظام بات على مقربة من إطلاق باقة من القنوات الفضائية، سيكون المشرف المباشر عليها جهاز المخابرات الحربية.

وبحسب الموقع، فإن المخابرات الحربية ستستخدم أحد رجالها، وهو رجل الأعمال طارق إسماعيل، ليصبح واجهة الإنفاق على تلك القنوات ويصبح مالكها في الظاهر.

وقد أكد تقرير »عربي 21« على أن عماد ربيع، وهو الرئيس التنفيذي لقطاع الإنتاج في قنوات »سي بي سي« سابقًا، هو الذي يشرف على تدشين تلك القنوات التابعة للمخابرات، وهو يعمل حاليًا على استقطاب عدد كبير من نجوم الفن والإعلام، ليصبحوا وجوه تلك القنوات الجديدة.

وبحسب المصادر التي اعتمدت عليها »عربي 21« في سبقها، فإن جميع المسئولين في الحكومة المصرية سيتعين عليهم الظهور في ضيافة برامج تلك القنوات بشكل دائم، لتصبح تلك القنوات قادرة على تشكيل ذهن المشاهد المصري في ما بعد، تحت خطة تضعها المخابرات الحربية، في إطار حربها مع الرئيس ضد أجهزة الدولة التي تتنازع معهما في صراع مكتوم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد