لماذا حسم السيسى الانتخابات الرئاسية بهذه السهولة؟؟ وهل ما رأيناه فعلاً هو كل شيء؟؟ يبدو أن الكثير من الأحداث تدور خلف الكواليس ولا يظهر منها على السطح إلا أقل القليل.

فى النهاية خاض السيسى انتخابات تبدو هزلية بشكل كبير فى ظل غياب منافسة حقيقية، والنتيجة المعلنة هي خير دليل على ذلك، وتنوعت أسباب غياب المرشحين بين المقاطعة لعدم الاعتراف بشرعية الانتخابات كالإخوان وحلفائهم، أو العزوف بسبب عدم الثقة في العملية ذاتها كخالد علي مثلاً أما الفئة الثالثة – والأكثر تحييرًا وإثارة للجدل- هم أبناء جهازالدولة الذين أعلنوا نيتهم خوض الانتخابات ثم تراجعوا فى اللحظات الأخيرة لأسباب غير معلنة؛ كالمرشح الرئاسى السابق أحمد شفيق، ورئيس الأركان السابق سامي عنان، إضافة إلى اللواء مراد موافي – رئيس المخابرات الأسبق- والذي ترددت أنباء عن خوضه للسباق الرئاسي مدعومًا من قواعد دولة مبارك رغم عدم إعلانه عن ذلك رسميًا.

ربما يفيدنا الرجوع للوراء قليلاً من أجل استيعاب المشهد بشكل أكثر دقة، وللوراء نعني به أواخر عهد دولة مبارك التي ارتكزت بوضوح على جناحين رئيسين، الأول هو الجيش بإمبراطوريته ونفوذه وعلى رأسه المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع الأسبق، وهو جناح لم يكن له دور سياسي مباشر فى عهد مبارك، أما الثاني فهو إمبراطورية الحزب الوطني برجال أعماله، ويشرف على رسم سياسته جهاز المخابرات العامة وتحديدًا اللواء الراحل عمر سليمان.

هكذا كانت دولة مبارك باختصار في وصف كثير من المحللين، الذين رأوا أن أحد أكبر أخطاء مبارك هو الاستعانة بعمر سليمان في منصب نائب رئيس الجمهورية، ثم تفويضه بصلاحيات رئيس الجمهورية – قبل يوم واحد من الإطاحة بمبارك- وهو ربما ما عجل من قرار الجيش بالإطاحة بمبارك ليصعد جناح العسكريين إلى واجهة السلطة بشكل مباشر.

السيسى ودولة مبارك؟!

 

طنطاوي وعمر سليمان

طنطاوي وعمر سليمان

هل يمكن أن نعتبر المرشح – الرئيس حاليًا- عبد الفتاح السيسي ممثلاً لدولة مبارك بكل طوائفها؟؟ عبد الفتاح السيسي الذي يصفه المقربون منه بكونه الابن المدلل للمشير حسين طنطاوى، وهو بالطبع امتداده وممثل جناح العسكريين في السلطة، وبالتالى ووفقـًا لاستقراء الأحداث وترجيح العديد من المحللين فإن عبد الفتاح السيسي لم يكن الخيار الأمثل للجناح الأكثر مدنية في دولة مبارك – رجال الأعمال وبقايا رموز الحزب الوطني- التابعين مجازًا لسيطرة جهاز المخابرات العامة، وهؤلاء ربما كانوا يفضلون دعم أحمد شفيق – الذي قرر التراجع ربما تحت ضغوط خارجية – أو مراد موافي الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العامة.

الشق الآخر يتعلق بالسيسي ذاته، والذى سبق أن حرص في أكثر من مناسبة على التأكيد على اعترافه بشرعية ثورة 25 يناير وبسقوط نظام مبارك، وهي التلميحات التي قد يفهم من سياقها أن السيسي ما زال يخشى أن يتم ابتلاعه من قبل دولة مبارك حال قرر الإلقاء بكل ثقله خلفها.

بين عبد الفتاح السيسي ومراد موافي

 

السيسي ومراد موافي

السيسي ومراد موافي

تولى اللواء مراد موافي إدارة المخابرات الحربية في الفترة ما بينمارس 2004 إلى يناير 2010، قبل أن يترك منصبه لصالح الفريق عبد الفتاح السيسي ويُعيّن في منصب محافظ شمال سيناء، قبل أن يُعيده مبارك من جديد فييناير 2011 أثناء أحداث الثورة، هذه المرة كرئيس للمخابرات العامة خلفًا لعمر سليمان الذي تولى منصب نائب الرئيس وبترشيح من عمر سليمان شخصيًّا،وتشير تكهنات إلى اعتراض طنطاوي على تعيين موافي؛ حيث كان يرغب في تعيين محمد فريد التهامي – رئيس المخابرات الحالي – الذى تم تعينه عقب الإطاحة بمحمد رأفت شحاتة رئيس المخابرات الذي عينه مرسي عقب الإطاحة بموافى في2012على خلفية حادث جنود رفح.

ووفقـًا للأنباء التي تم تداولها، فإن الرئيس المخلوع حسني مبارك طالب عمر سليمان وحسين طنطاوي بترشيح شخصيات للاختيار من بينها شخص يصلح مديرًا للمخابرات خلفـًا لعمر سليمان- بعد اختياره كنائب للرئيس- فقام عمرسليمان بترشيح تلميذه اللواء مراد موافي الذي كان يتولي منصب محافظ شمال سيناء، أما المشير حسين طنطاوي فقام بترشيح اللواء محمد فريد التهامي والذيكان يتولي منصب رئيس الرقابة الإدارية، لكن مبارك المخلوع قام بالموافقة على ترشيح اللواء مراد موافي لرئاسة المخابرات ووثق في اختيار عمر سليمان.

وباعتبار الامتداد بين عبد الفتاح السيسي والمشير طنطاوي، وبخاصة فيما يتعلق بالرؤية الداخلية، وباعتبار الصراع البارد التقليدي بين جناحي دولة مبارك يمكن أن يكون اللواء مراد موافي خصمًا سياسيًا للسيسي أكثر من كونه حليفـًا، ربما يدلل على ذلك الصور التي سربتها بوابة يناير-منذ شهرين- وتظهر السيسي ومراد موافي فيأكثر من مناسبة أثناء عمل موافي كرئيس للمخابرات الحربية بينما كان السيسي يعمل تحت إمرته، وفي حفل تكريم عقدته المخابرات الحربية أثناء تولي السيسي لرئاستها من أجل تكريم مراد موافي، فهل لموافي دخل بتمرير هذه الصور إلىوسائل الإعلام؟ وهل يهدف منها إلى إظهار دعمه للسيسي أم إلى إبراز تفوقهعليه؟

كذلك مقطع الفيديو الشهير الذي برز إلى الساحة فجأة في مارس الماضي بتاريخ 28 يناير 2010 ويظهر فيه المشير السيسي – اللواء وقتها- يثني فيه على الرئيس المخلوع حسني مبارك في كلمته له أثناء تنصيبه مديرًا للمخابرات الحربية في أول تسجيل صريح لموقف السيسي من الرئيس المخلوع.

من يهدف إلى إحراج السيسي؟؟

المتتبع لنشاط وسائل الإعلام – خصوصًا خلال أول يومين من التصويت في الانتخابات الرئاسية – لاحظ بالطبع حالة المناحة التي مارسها إعلاميو السلطة بسبب عزوف الناس عن التصويت، وهي بالتأكيد مفتعلة ومستغربة، فماكينة صناعة الكذب الإعلامي ما تزال تعمل بكل طاقتها وليس هناك أسهل من مقدرتهم على تزوير الحقائق وادعاء نسبة إقبال كبيرة كالعادة ومن البداية ودون الحاجة للقرار – المستغرب- بمد يوم ثالث للتصويت.

و يبقى سر الانتقادات التي وجهها ويوجها إعلاميون مقربون من السلطة للسيسي، والجهة الموجهة لها والتي تقع داخل الدولة على الأغلب، وهو الأمر الذي وصفه مراقبون بأنه رغبة جهات ما داخل الدولة في تقليم نفوذ السيسي مبكرًا قبل أن يصل إلى السلطة حتى تضمن التزامه بالأطر المرسومة للعبة السياسية وتوازنات القوى بين أجنحة الدولة.

تحالف موافي .. هل عادت دولة مراكز القوى؟؟

تتناقل وسائل الإعلام المصرية في الأيام الأخيرة أنباء عن الإعداد لتحالف انتخابي – يقال أن هدفه دعم السيسي في الرئاسة- يقوده اللواء مراد موافي رئيس المخابرات الأسبق وعمروموسى وشخصيات أخرى، ويبدو التحالف في طريقه بالفعل نحو التأسيس، ولعلنا نستبق الأحداث إذا قلنا أنه سيكون التحالف الأوفر حظـًا في حسم الانتخابات البرلمانية في ظل الدعم الذي يحظى به موافي من دولة مبارك وفي ظل الضعف المتوقع في المنافسة الانتخابية، ويبقى السؤال الأهم هو: هل يمكن اعتبار هذا التحالف مجرد تحالف انتخابي بريء وتقليدي؟؟

بمعنى أدق، هل كان انسحاب أحمد شفيق وعزوف مراد موافي عن الترشح للرئاسة وترك طريق مقعد السلطة معبدًا أمام السيسي هو أحد بنود صفقة حقيقية أو ضمنية – ربما برعاية جهة خارجية- يكون مقابلها أن تترك الفرصة لدولة المخابرات لأجل حسم الأغلبية البرلمانية وبالتبعية الحصول على نفوذ أكبر داخل الحكومة، وبالتالي تكون المعادلة السياسية القائمة – مؤقتًا- هي الرئاسة للسيسي “الجيش” والبرلمان والحكومة لموافي “المخابرات”.

ربما تكشف مجريات ونتائج الانتخابات البرلمانية – حال إجرائها- مساحة كبيرة من هذا الجدل، وبقى أخيرًا أن نذكر أن صراع أجهزة الدولة المصرية يبقى أكثر مناطق السياسة المصرية خفاءً، ودومًا ما يرتبط بالتكهنات والمفاجآت أكثر من تعلقه بالحقائق والمعلومات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد