في آخر حوار له قبل ترشحه لفترة رئاسية ثانية، قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حجم النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة لا يتعدى 3%، وبالعودة لإجمالي الناتج المحلي للسنة المالية لعام 2018، نجد أنّها بلغت نحو «5 تريليونات و250 مليار جنيه»؛ ما يعني أنّ نصيب الجيش منها -وفق تصريحات السيسي- يصل إلى 157.5 مليار جنيه أي حوالي 9 مليارات دولار، بالإضافة إلى 1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية سنوية من الولايات المتحدة، مع العلم بأن الأرقام الرسمية الصحيحة لم تُنشر بعد، لأنّ ميزانية الجيش سرية، وصناعاته غير خاضعة للضريبة.

وجدير بالذكر أن القانون لا يضع أية رقابة مدنية على الجيش في قضايا الكسب غير المشروع، كما أنّ الجهاز المركزي للمحاسبات يراقب الأرقام فقط دون رقابة حقيقة عليها، وأن القانون المصري أيضًا يمنح المؤسسة العسكرية تسهيلات وامتيازات وإعفاءات ضريبة واسعة؛ كان آخرها القانون الذي طال كل شرائح المجتمع عدا الجيش، والذي نص على أن: «لا تدفع القوات المسلحة ضريبة القيمة المضافة على السلع والمعدات والمواد الخام اللازمة لأغراض التسلح والدفاع والأمن القومي».

لكن إمبراطورية الجيش المصري الاقتصادية لا تنتهي عند حدود الوطن؛ فبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» عن جنرال عسكري تولى في ما بعد إحدى الشركات المملوكة للجيش؛ فإن هناك عددًا كبيرًا من المشروعات الخارجية، منها عقد لإعادة تدوير النفايات الزراعية في الجزائر بقيمة 400 ألف دولار.

التقرير التالي يتنقل بين ثلاث دول عربية بحثًا عن «معركة المال» التي يخوضها السيسي بنجاح.

1- العراق.. سوق كبيرة لفائض إنتاج شركات الجيش المصري

لطالما كان العراق بالنسبة إلى مصر بعد الغزو الأمريكي وسقوط نظام صدام حسين عام 2003 مجرد دولة عربية شقيقة، لا تتمتع بنفوذ إقليمي ولا فائدة سياسية تُرجى من نظامه الحاكم، حتى أن التبادل التجاري كان محدودًا، وبعد سقوط نظام مبارك استعدت أول حكومة بعد الثورة للصدام وإشعال أزمة دبلوماسية على خلفية الديون والمستحقات التي يدين بها العراق لمصر حكومةً وشعبًا. فالقاهرة طالبت بتسديد مليار و72 مليون دولار، بينما أصرت بغداد على الرفض وأرادت إسقاط 80% من الديون، وبعدما تولى السيسي الحُكم سدد العراق 408 ملايين دولار من تحويلات العمالة المصرية في العراق التي تعطلت بعد غزو الكويت عام 1990، والتي عُرفت باسم التحويلات الصفراء. لكنّ ماذا عن بقية المبلغ؟

Embed from Getty Images

السيسي يستقبل نائب رئيس الوزراء العراقي

في أقصى صحراء مصر الجنوبية، على مشارف بوابات الصعيد في محافظة بني سويف، شرعت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في بناء أكبر مصنع أسمنت في الشرق الأوسط، في زمن قياسي بلغ 18 شهرًا، شارك فيه 8 آلاف عامل، ليكون جنبًا إلى جنب مع مصانع الجيش في العريش وشمال ووسط سيناء، ومن المقرر أن تبلغ إنتاجية المصنع نحو 12.6 مليون طن من الأسمنت سنويًّا، وبحسب «رويترز»، فإنّ الطاقة الإنتاجية السنوية في مصر -بحسب آخر الإحصاءات المُعلنة- بلغت 79 مليون طن عام 2017 بفائض 27 مليون طن، جدير بالذكر أنّ شركات الجيش تسببت في انهيار الشركة القومية للأسمنت التابعة للدولة، ولكنّ ماذا سيفعل الجيش بكل ذلك الفائض بعدما سيطر على السوق؟

يرفض النظام المصري حتى الآن المطالبة برد مستحقاته المالية من العراق في ظل أزمته الاقتصادية؛ لكن في المقابل ستساهم مصر في مؤتمر إعمار العراق الذي حضرته نحو 200 شركة مصرية، ترأسهم مساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية الذي يحوّل كل الصفقات للمؤسسة العسكرية؛ وبينما اقتصر دور الدول العربية على تقديم المنح والمساعدات وتمويل مشاريع البنية التحتية، كانت شركات الجيش المصري تستعد لجني أرباح طائلة من الدمار الذي لحق بالعراق.

وفي اللقاء الذي جمع السيسي بنائب الرئيس العراقي، حصل الرئيس المصري على وعد بأنّ مصر سيكون لها دور كبير في الاستثمار ببغداد، وجدير بالذكر أيضًا أن الجيش يمتلك 51% من شركة تتولى تطوير العاصمة الإدارية الجديدة برأس مال بلغ نحو 45 مليار دولار في السوق المصرية والعربية، وستكون منافسًا شرسًا أمام شركة المقاولات المصرية الحكومية.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي دفعت الحكومة المصرية لتعويم الجنيه والاقتراض من صندوق النقد، تجد الشركات التابعة للجيش -الرسمية منها والوهمية- نفسها في ساحة واسعة للسباق، وفي الوقت الذي يعتزم فيه العراق إنشاء عدد من خطوط أنابيب نقل النفط الخام والمشتقات النفطية إلى الحدود مع دول الجوار، وصولًا إلى محافظة العريش المصرية -شمال مصر-، تبين لاحقًا أنّ شركة (EPC) التي يمتلك الجيش المصري حصة فيها، تريد الاستحواذ على الصفقة، وشرعت مصر مؤخرًا في بناء أكبر مصنع بتروكيماويات في الشرق الأوسط -تابع للجيش-، وبحسب تصريحات وزارة النفط العراقية، فإن العراق يحرص على شراكة مصر في قطاعات التصفية واستخراج الغاز، وهو مكسب إضافي لاقتصاد الجيش.

اللافت للنظر أنّ العراق مدّ مصر أوائل عام 2018 بـ12 مليون برميل من النفط لمدة عام بتسهيلات في الدفع والسداد، دون أن تُطالب الحكومة المصرية أن تكون الشحنات ثمنها مجاني، نظرًا إلى الديون الطائلة التي لم تحصل عليها من الحكومة العراقية، على جانب آخر حصلت المنتجات المصرية التي دخلت السوق العراقية على تخفيض الجمارك والضرائب لتكون الأكثر تنافسًا في السوق.

كان العالم العربي سيتغير جذريًّا.. 5 أشياء كانت لتحدث لو لم تغز العراق الكويت!

2- سوريا.. السيسي طلب من بشار ثمن الدور المصري

تبدأ مصر رسميًّا المشاركة في اللجنة الدستورية لوضع مسودة الدستور السوري بترحيب من الحكومة السورية والمعارضة على السواء، وسبق لمصر أن خرجت عن الصف العربي مرتين للمحافظة على علاقتها مع بشار الأسد؛ مرة في أواخر عام 2016، حين أيدت مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن بشأن الأزمة السورية، والذي ترتب عليه قيام السعودية بقطع إمداداتها النفطية عن مصر، ومرة أخرى حين رفضت في أوائل عام 2018، الضربات العسكرية التي قامت بها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ضد سوريا، ردًّا على هجوم بالغاز السام أودى بحياة عشرات المدنيين. ويمكن القول بأنه لطالما خالف النظام المصري الإجماع العربي بسبب دعمه المستميت لبقاء الأسد، والوصول إلى حل سياسي لا يتضمن رحيله.

ونتيجة للدور الذي قامت به مصر في عهد الرئيس السيسي، ورفضها الثورة السورية، والدفاع المستميت عن نظام الأسد، ستشارك مصر بقوة في ملف إعمار سوريا، إذ تصدرت كل من وزارة الوزارة التجارة والصناعة إضافة لنقابة المهندسين المصريين المشهد من أجل المشاركة في حصة في مشاريع المقاولات، وذلك قبل أن تتفق كل الأطراف على تسوية سياسة.

هل ينتحر بشار رجال المال

ومرة أخرى تدخل الشركات التابعة للجيش بصفة مباشرة أو غير مباشرة على الخط؛ فشركة «النصر للاستيراد والتصدير» التابعة اسمًا للحكومة المصرية، والتي يترأسها لواء بحري، سيكون لها نصيب في الاستحواذ على الصفقات، بجانب الشركة الأخرى الموازية لها شركة «النصر للإنشاءات والمباني»، ويعود تاريخ إنشائها إلى المخابرات العامة المصرية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر لأهداف سياسية للتوغل في عمق أفريقيا.

والسؤال الذي يطرح نفسه كيف تتولى الشركات الحكومية المصرية تنفيذ مشروعات في سوريا، والدولة المصرية نفسها تُسند المشاريع القومية في الداخل للجيش المصري؛ ومؤخرًا قامت الهيئة الهندسية ببناء مصنع للحديد والصلب ستبلغ سعته الإنتاجية مليوني طن سنويًّا، ما يعني أن المؤسسة العسكرية ستتجه إلى التصدير للخارج.

دور الجيش المصري لا يقتصر في سوريا على مشاريع اقتصادية فقط؛ فصحيفة «السفير» اللبنانية سبق أن نقلت عن مصدر عسكري سوري، وجود وحدة عسكرية مصرية بقاعدة حماة الجوية تضم 18 طيارًا، ينتمون إلى تشكيل مروحيات بشكلٍ خاص، فضلًا عن وجود ضابطين مصريين برتبة لواء، على مقربة من غرف العمليات في هيئة أركان الجيش السوري بدمشق، يقومان بجولات استطلاعية على الجبهات السورية، بعد وصولهم إلى دمشق سبتمبر (أيلول) 2016، الأمر نفسه أكدته وكالة إيرانية كشفت أنّ الحكومة المصرية أرسلت قوات عسكرية إلى سوريا «في إطار التعاون والتنسيق العسكري مع الجيش السوري بقيادة بشار الأسد»، وقوبلت هذه التصريحات بالنفي على لسان الخارجية المصرية.

وبخلاف الدعم العسكري والاستراتيجي، فمصر دخلت وسيطًا بين الفصائل المسلحة ونظام الأسد، عن طريق رعاية اتفاقات وقف إطلاق النار وتوقيع الهدنة بين أطراف الأزمة، ففي أقل من عام نجحت المخابرات في استضافة الطرفين في مقرها الرسمي في القاهرة، وتوقيع ثلاث اتفاقات وقف إطلاق النار، كما رحبت الخارجية السورية بانضمام مصر في أية مفاوضات للتسوية السورية.

«موسم الحج إلى دمشق».. هكذا انطلق «قطار التطبيع» العربي مع نظام الأسد

 

3- ليبيا.. اللعب على حبال حفتر والسراج

عقب نجاح الثورة الليبية عام 2012، سارعت كل التيارات السياسية إلى إنشاء أحزاب تُعبر عن كياناتها، فأسست جماعة الإخوان المسلمين حزب «العدالة والبناء» ليكون أكبر الأحزاب الإسلامية وأكثرها نفوذًا وتصدرًا للمشهد، تزامنًا مع وصول فرع الجماعة في مصر إلى الانتخابات الرئاسية، وعلى غرار الانتصارات حاول الإسلاميون في ليبيا الفوز بانتخابات أعضاء المؤتمر الوطني الليبي المنتهية ولايته حاليًا، والذي تمثلت صلاحيته حينها باختيار رئيس الوزراء، والاتفاق على الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، إلا أنهم فشلوا، وتوالت الهزائم مرة أخرى بعدم حصولهم على الأغلبية في البرلمان، في وقتٍ انقلبت فيه الطاولة في مصر لصالح العسكريين بعد أحداث الثالث من يوليو (تموز) عام 2013.

التغيير السياسي في مصر أتبعه ظهور شخصية عسكرية في ليبيا مثلت الرؤية المصرية الجديدة تجاه ليبيا، فالجنرال الليبي خليفة حفتر قام عام 2014 بمحاولة انقلاب فاشلة، وأعلن تجميد عمل المؤتمر الوطني والحكومة، إلا أنه لم يستطع دخول طرابلس، بسبب ميليشيات «فجر ليبيا» التابعة للإسلاميين، وبعد المحاولة بثلاثة أشهر أطلق حفتر بدعم مصري إماراتي عملية الكرامة تحت شعار «محاربة الإرهاب» وإعادة الاستقرار، ونجحت خطته في بسط مزيدٍ من الأراضي والمساحات الشاسعة من الشرق الليبي تحت قبضته، ذلك النجاح كلله المشير الليبي قائلًا: «لولا السيسي لما استطعنا الوقوف على أرجلنا ومواجهة الإخوان في مصر وليبيا».

Embed from Getty Images

رئيس حكومة الوفاق فائز السراج

على الجانب الآخر كانت مصر تلعب على حبال حكومة السراج المُعترف بها دوليًّا، فبينما كانت القاهرة تدعم حفتر عسكريًّا في الشرق، قامت بطرد القنصل الليبي التابع لبرلمان طبرق المؤيد لحفتر، كما قبلت على مضض استقبال السفير الحالي محمد عبد العزيز رغم أنه استقبل دبلوماسيين قطريين في القاهرة في الوقت الذي تدعم فيه مصر الحصار الخليجي على قطر.

بودار التحولات السياسية تجاه حفتر تبعها تحولات اقتصادية إلى حكومة الوفاق، وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، فإن عملية إعادة إعمار ليبيا قد تصل إلى 200 مليار دولار، وقد تمتد إلى 10 سنوات، وهي الصفقة الرابحة التي سُرعان ما انتزعتها مصر من حكومة الوفاق التي تعهدت على لسان وزير ماليتها أن تكون الأولوية للشركات المصرية في عملية الإعمار، بالاستعانة بقطاعات التشييد والبناء والكهرباء، والتي يفوق تعدادها 500 شركة مصرية، وحصل الجيش منها على نصيب الأسد، لا سيما قطاع التشييد الذي تستحوذ عليه المؤسسة العسكرية المصرية.

قصة الصراع الممتد في ليبيا على عرش القذافي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد