بدا واضحًا اهتمام الجنرال عبد الفتاح السيسي منذ بداية فترة حكمه في مصر، عقد صفقات واتفاقيات متعددة وضخمة على الصعيد الأوروبي والدولي بشكل عام.

كلفت تلك الصفقات والاتفاقيات الدولة المصرية مليارات الدولارات، وكان منها ما هو مرتبط بـ”الأمن القومي المصري”، ولها أبعاد إستراتيجية هامة في المستقبل.
مصر التي تقع في المركز قبل الأخير في عجر الموازنة من بين 144 دولة على مستوى العالم وفقًا لتقرير التنافسية العالمية لعام 2014- 2015، اتجهت لعقد صفقات اقتصادية ضخمة يراها مراقبون أنها قد تجلب المزيد من الخسائر الاقتصادية، ليحصل نظام الجنرال “السيسي” على المزيد من الدعم السياسي و”الشرعية الدولية”.

نسلط الضوء في هذا التقرير على أبرز تلك الصفقات والاتفاقيات التي عقدتها مصر مع الأطراف الدولية، ومدى جدواها اقتصاديًّا وسياسيًّا:

1- الرافال

في ١٦ فبراير ٢٠١٥، وقعت مصر صفقة لشراء أسلحة فرنسية تتضمن ٢٤ طائرة “رافال” إضافة إلى فرقاطة بحرية، وقع عن الجانب المصري الرئيسُ، وعن الجانب الفرنسي وزير الدفاع ‬جان-إيف لودريان

‫‬.
تعد الصفقة هي الأولى التي تبيعها فرنسا من هذا النوع من الطائرات بعد فشل مستمر لبيع ولو “طائرة واحدة” منها بعد ثلاثة عقود من بدء تطويرها وعِقد واحد من بدء استخدامها في فرنسا في عام ٢٠٠٤، وانتقدت الصفقة – بشدة- نظرًا لتعدد الدول التي رفضت شراءها سلفًا.
فالمغرب رفضت صفقة قوامها ٢٤ طائرة في عام ٢٠٠٧ برغم العلاقات المغربية الفرنسية القوية، لتعقبها البرازيل التي رفضت شراء الطائرة “رافال” وفضلت عليها طائرات “جربن” السويدية، بالرغم من أن رئيس فرنسا فرونسوا أولاند قام شخصيًّا بالترويج لها في زيارة رسمية له للبرازيل في ديسمبر ٢٠١٣.‬
مصر بالأساس لم تكن عميلًا محتملًا لفرنسا لشراء هذا النوع من الطائرات، بعد فشل صفقة البرازيل قال أولاند إنه كان “فشلًا متوقعًا”، وقال وزير دفاع فرنسا: “الهند ودول الخليج عملاء محتملون لنا”.‬‬

وبالفعل وقعت قطر – في 4 مايو- صفقة مع فرنسا لشراء 24 طائرة مقاتلة من طراز رافال التي تصنعها شركة داسو بقيمة 6.3 مليار يورو أي 7 مليار دولار.

كما أعلنت الهند في العاشر من أبريل توقيع اتفاق لشراء 36 طائرة رافال خلال زيارة لرئيس الوزراء نارندرا مودي إلى فرنسا.

وقال وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس في الآونة الأخيرة إن المباحثات مع الإمارات العربية المتحدة بشأن شراء طائرات رافال “تسير في الاتجاه الصحيح”.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه بالرغم من الانتقادات الدولية الواسعة لأحكام الإعدام والسجن المؤبد، الصادرة بحق الرئيس المصري السابق محمد مرسي، وقياديين آخرين في جماعة “الإخوان المسلمين”، فقد علق ستيفان لوفول – المتحدث الرسمي باسم الحكومة الفرنسية-: “لا يمكننا التعليق على قرار صادر من قبل الجهاز القضائي المصري”.

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، رومان نادال، في بيان صادر عنه “سجلنا ملاحظتنا حول القرار، وإن فرنسا تذكر مرة أخرى موقفها الرافض لعقوبات الإعدام”.

2- صفقة تاريخية مع ألمانيا

 

” عقود ليس لها مثيل من قبل”.

هكذا وصف رئيس شركة سيمنز الألمانية العقد الذي أبرمته الشركة مع مصر – 4 يونيو 2015- لإنشاء محطات توليد كهرباء تعمل بالغاز والرياح بلغت قيمتها 8 مليار يورو (9 مليار دولار)، “ستزيد إنتاج الكهرباء بنسبة 50%” وفقًا لسيمنز.
فأكبر تعاقد في تاريخ الشركة سيضيف 16.4 جيجا وات – بحسب سيمنز- إلى الشبكة العامة للكهرباء في مصر عند اكتمال المنشآت الخاصة به.
وبالرغم من إمكانية الصفقة في المساهمة لحل مشاكل الكهرباء في مصر مستقبلًا، فقدانتقدت هذه الصفقة نظرًا لارتفاع سعرها نتيجة لإبرامها عن طريق الأمر المباشر لا المناقصات ، وهو ما قد يكلف مصر المزيد من الأعباء الاقتصادية مستقبلًا كان من الممكن تخفيفها إذا تم إبرامها عن طريق المناقصات التي تعتمد على طلب الحكومة المصرية محطات كهرباء بمواصفات محددة، وتعرض الشركات المختلفة عروضًا مختلفة بأسعار متنوعة تختار الحكومة أفضل تلك العروض.

وتجدر الإشارة إلى أن سيمنس تبرم عقود مثل هذه المحطات للطاقة التي تعمل بتوربينات الغاز في الخارج فقط في الوقت الراهن، إذ يشهد سوق مثل هذه المحطات ركودًا حاليًا في أوروبا ولا سيما في ألمانيا، مما دفع سيمنس إلى المزيد من الشطب لآلاف الوظائف منها ألفان ومئتا وظيفة في ألمانيا وحدها.
وكان “السيسي” قد أبرم تلك الصفقة بشكل نهائي خلال زيارته الأخيرة بألمانيا التي لقت انتقادات واسعة في الأوساط الألمانية، تلك الانتقادات التي ازدادت بعد أحكام الإعدام الأخيرة ضد “مرسي” لتتضمن رفضًا رسميًّا لها، إذ طالبت برلين بإلغاء عقوبة الإعدام بحق الرئيس المعزول محمد مرسي. وقال شتيفن زايبرت المتحدث باسم الحكومة الألمانية الأربعاء 17 يونيو 2015 إن حكومة بلاده تأمل أن “يتم رفع هذه العقوبة (الإعدام) في الاستئناف”. في الوقت نفسه، أعرب زايبرت عن تشككه حيال استيفاء إجراءات القضاء المصري مع مرسي في هذه القضية للمتطلبات الدستورية.

3- قطارات المجر

عقب زيارة السيسي لألمانيا توجه مباشرة إلى المجر لتبرم مصر – في 12 يونيو 2015- اتفاق قرض مع دولة المجر بقيمة 900 مليون يورو لتمويل توريد 700 عربة قطار.

«رفض العرض المجري لتكلفته الباهظة على الاقتصاد المصري، خاصة أن العملية ستتم بالأمر المباشر، مع عدم وجود عرض فني، كما أن هيئة السكة الحديد غير جاهزة لاستقبال تلك العربات، حيث إنها توريد دون أي دراسة لاستغلال تلك العربات، وسبق للهيئة خلال السنوات الماضية شراء قطارات بالأمر المباشر بمليارات الدولارات، تم تشوينها برغم تحمل الشعب المصري بالكامل لعبء تكلفتها، ونوصي بسرعة إعادة هيكلة السكك الحديدية، وإيجاد منظومة حديثة لإدارتها إدارة اقتصادية وفنية دون تحميل الموازنة العامة للدولة بأعباء جديدة يتحملها المواطن لسنوات طويلة دون حدوث أي تطوير بالخدمة».

كانت هذه توصية المكتب الفني لوزارة التعاون الدولي، التي رفعها – في 15 سبتمبر 2014- إلى وزيرة التعاون الدولي، وذلك بعد لقاء عقد بين السكة الحديد ومسؤولي التعاون الدولي.
كان هذا جزءًا مما كشفه تحقيق أجرته صحيفة “المصري اليوم” – القريبة من النظام المصري- في 11 أكتوبر 2014، الذي جاء تحت عنوان بالمستندات: إهدار 13 مليار جنيه في شراء «قطارات مجرية» تصنع محليًّا، وكشف عن مستندات رسمية عن سعي وزارة النقل للحصول على قرض بقيمة مليار يورو (10 مليارات جنيه) من أحد البنوك التجارية المجرية، بفائدة تتراوح ما بين 2.25% و3.30%، لتمويل شراء 700 عربة درجة ثانية، و16 قطارًا كاملًا، على الرغم من عدم وجود دراسة فنية، أو اطلاع على المصنع المجري الذي سيصنع تلك العربات، كما أن الهيئة العربية للتصنيع لديها إمكانيات تفوق المصانع المجرية، في هذا الشأن، وبإمكانها توريد تلك العربات بأسعار أقل كثيرًا، بحسب الصحيفة.

4- سد النهضة

وقع قادة مصر وإثيوبيا والسودان، 23 مارس 2015، على وثيقة مبادئ بشأن سد النهضة الذي تبنيه أديس أبابا على النيل الأزرق عقب جهود دبلوماسية رفيعة المستوى لتخطي نقاط الخلاف، وذلك في احتفال خاص استضافته الخرطوم.

وتعترف مصر بموجب الوثيقة بحق إثيوبيا في بناء السد مقابل تعهدات أديس أبابا بمشاركة القاهرة في إدارته. ويمهد الاتفاق الطريق أمام حل الخلاف المصري الإثيوبي حول السد، وذلك باستحداث آليات للتعاون والتشاور.

 

قال الدكتور أيمن سلامة أستاذ القانون الدولي، عضو اللجنة العليا لملف المياه: إن مصر استطاعت انتزاع حقوق قانونية بوثيقة مبادئ سد النهضة، ترفضها إثيوبيا.

 

وأضاف “سلامة”، أنه راضٍ على الوثيقة بنسبة 85%، مشيرًا إلى أنه يجب على الشعب المصري أن يعرف أن الحكومة الحالية لم تفرط في قطرة واحدة من مياه النيل.

ولكن خبراء مصريين حذروا من عدم إقرار إثيوبيا في الوثيقة بحصة مصر من مياه النيل، والتي تقدر بـ55 مليار ونصف المليار متر مكعب سنويًّا وفقًا لاتفاقية عام 1959.

 

عبارات مطاطة لا تحمل ضمانات تُلزم الجانب الإثيوبي بعدم التعدي على الحقوق المصرية وتعتمد على “حسن النية” في التعامل مع الملف، وهو ما يوصف بأنه “تراخيًا” لا يتسق مع جدية الملف وخطورته على الأمن القومي المصري.

واستشهد أصحاب ذلك الرأي بأن نظام مبارك الذي اشتهر بتفريطه في الحقوق المصرية كان على استعداد بضرب سد النهضة حال بنائه.

ففي 2010 جاءت في وثائق ويكيليكس نقلًا عن مدير المخابرات السابق عمر سليمان قوله:

“الدولة الوحيدة التي تتعاون هي إثيوبيا، نحن مستمرون في التفاوض معهم بالوسائل الديبلوماسية، وبالفعل نحن نناقش التعاون العسكري مع السودان، لكن إذا وصل الأمر إلى أزمة فسنقوم ببساطة بإرسال طائرة لقصف السد والعودة في نفس اليوم ، وتذكروا ما فعلته مصر في أواخر السبعينيات في عام 1976 وقتها كانت إثيوبيا تحاول بناء سد كبير، فقمنا بتفجير المعدات وهي في عرض البحر في طريقها إلى إثيوبيا”.

شاهد الفيديو:

وتجدر الإشارة إلى أن الحل العسكري كان مطروحًا في لقاء الرئيس السابق “محمد مرسي” مع القوى السياسية، الذي بُث بالخطأ على الهواء مباشرةً.

5- غاز شرق المتوسط:

“#غاز_مصر _راح _فين”
هاشتاج أطلقه الدكتور نائل الشافعي «المحاضر بمعهد ماساشوستش» ومؤسس موسوعة المعرفة، بعد انتهاء قمة الكالاماتا التي انعقدت بين مصر وقبرص واليونان في 8نوفمبر 2014 لتحديد مستقبل آبار غاز منطقة شرق البحر المتوسط المتنازع عليها والتي يبلغ قيمتها 200 مليار دولار، تلك القمة التي شابها الريبة نظرًا لضآلة المعلومات المعلنة في الإعلام المصري حولها.

وكتب “الشافعي” في منشوره على “الفيس بوك”: “السيد الرئيس السيسي، بكل الحب، قارب حكمك العام، وجدت فيه الوقت لمصالحة مرتضى منصور وشوبير. إلا أني كنت وما زلت أتوقع أن تـُطلِعنا على أكبر تحديات مصر، ألا وهي اختفاء الغاز، الإرهاب هو لإلهاء مصر عن اختفاء الغاز”.
وفي أبريل 2015، أصدرت الدول الثلاث لقمة الكالاماتا ما يسمى بـ”إعلان نيقوسيا” والتي تلقت فيه مصر الدعم السياسي من قبرص واليونان، المتمثل في محاربة “الإرهاب في ليبيا” ودعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ومحاولة إيجاد حل سياسي للأزمة السورية.
وحوى البيان كلامًا عامًا قلت فيه التفاصيل عن ترسيم الحدود وآبار غاز شرق المتوسط، إذ جاء فيه: “وندرك أن اكتشاف احتياطات هامة للنفط والغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، ​​يمكن أن تكون بمثابة محفز للتعاون الإقليمي. نؤكد أن هذا التعاون سوف يخدم بشكل أفضل من خلال انضمام دول المنطقة إلى المبادئ الراسخة للقانون الدولي. في هذا الصدد، نؤكد الطابع العالمي لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وقررت المضي قدمًا على وجه السرعة في مفاوضاتنا بشأن تعيين المناطق البحرية لدينا، حيث لم يتم ذلك حتى الآن”.

ومع زيادة التكتم المصري حول ترسيم الحدود حول الآبار المتنازع عليها زادت الشكوك حول تخلي مصر آبار الغاز لقبرص وإسرائيل والامتثال لخريطة البنية التحتية الإسرائيلية التي نشرتها في 2011 وتجعل آبار الغار المتنازع عليها بينها وبين مصر في شرق البحر المتوسط، حكرًا لها.

تلك الشكوك دعمتها حقائق بدأت تظهر على السطح بعد إعلان رويترز – في 18 مارس 2015- عن تحول مصر من دولة مصدرة للغاز إلى دولة تستورد الغاز من إسرائيل.

فقد أعلنت رويترز عن أول اتفاق شبه رسمي بين المجموعة المسؤولة عن حقل تمار (نوبل، ديليك، أفنر) وبين شركة دولفينوس القابضة المصرية الخاصة، والاتفاق ينص مبدئيًّا على تصدير خمسة مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي في أول ثلاث سنوات، وعلق مصدر من وزارة البترول أن الوزارة لم تتلق أي طلبات استيراد رسمية من الخارج لكنها على استعداد للموافقة إذا ما قدم الطلب شرط التزامه بإضافة قيمة للسوق المحلي، وحل مشاكل التحكيم الدولي، وتوفير الغاز في السوق وهي الشروط التي لا تمثل أي عائق أمام الصفقة القادمة.

سيتم نقل الغاز من إسرائيل لمصر عن طريق خط الأنابيب الذي كان يستعمل لنقل الغاز من مصر لإسرائيل قبل حوادث التفجير الشهيرة المتكررة التي كانت من أسباب وقف تصدير الغاز مع أزمة الطاقة التي تمر بها مصر منذ فترة طويلة، مع إمكانية زيادة حجم الطلب المصري ليصل إلى 15 مليار متر مكعب في نفس الثلاث سنوات.

وفي 22 يونيو 2015، أعلنت “رويترز عن إبرام مصر لصفقة لشراء 16 شحنة من الغاز الطبيعي المسال من شركة بي بي البريطانية خلال عامين 2015- 2016.
ويأتي هذا الاتفاق – بين (بي بي) والشركة القابضة المصرية للغاز الطبيعي (إيجاس)- في إطار مناقصة كبرى طرحتها مصر في يناير الماضي لشراء 70 شحنة من الغاز المسال بقيمة نحو 2.2 مليار دولار.
وأشار تقرير رويتزر: “باتت مصر سوقًا كبيرة جديدة للغاز الطبيعي المسال مع انحسار الطلب في آسيا أكبر منطقة مستهلكة في العالم بما تسبب في هبوط الأسعار 60 بالمئة ودفع التجار إلى السعي وراء فرص بديلة.. ويؤدي هبوط الإنتاج وارتفاع الطلب إلى تحويل مصر من مصدر للنفط والغاز إلى مستورد لهما”.
لتفاصيل أكثر عن ملف غاز شرق المتوسط، اقرأ:
هل تقدم مصر تنازلات في ترسيم حدودها البحرية؟

حرب الطاقة العالمية في البحر المتوسط، كيف خسرت مصر لصالح إسرائيل؟
أبرز 4 محطات للجهود غير الحكومية لاستعادة الحقوق المصرية في غاز شرق المتوسط

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد