وصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فترة حكمه بأنها شهدت «طفرة غير مسبوقة في مؤشرات التنمية الاقتصادية.. وأرقامًا قياسية لأية دولة ناهضة»، مشيرًا للإنجازات الاقتصادية التي تحققت خلال فترة رئاسته الأولى التي شارفت على نهايتها، وذلك خلال خطابه في 19 يناير (كانون الثاني) الجاري، إذ أعلن فيه عن كشف حساب لهذه الفترة، تضمن عدة أرقام، بعضها واضح، ويمكن الحديث عنه، وتناوله اقتصاديًا، والبعض الآخر من الصعب الحديث عنه أو رصده على أرض الواقع؛ وذلك لعدم وجود مصادر رسمية توضح تفاصيل هذه الأرقام، أو حجم إنجازات السيسي الحقيقي.

ومن أبرز الأرقام المبهمة التي جاءت في خطاب إعلان إنجازات السيسي: الإعلان عن إنجاز 11 ألف مشروع خلال أربع سنوات بتكلفة 2 تريليون جنيه، وذلك دون الكشف عن أي تفاصيل تخص هذه المشروعات ومصادر تمويلها، بالإضافة إلى القول بأنه تم توفير 3.5 مليون فرصة عمل بالمشروعات القومية، وذلك أيضًا دون الكشف عن تلك المشاريع التي وفرت هذا الكم الضخم من الوظائف، ولماذا لم تنعكس بالإيجاب على نسب البطالة في البلاد. وكذلك شمل الخطاب؛ الكشف عن تخصيص 250 مليار جنيه لتنمية سيناء، ووصول حجم الاستثمارات في مشروعات التنمية منذ منتصف 2014 وحتى الآن نحو 400 مليار جنيه.

كل هذه الأرقام لا نستطيع سوى وضع علامات استفهام حولها، لحين ظهور معلومات رسمية توضح حقيقتها، ولكن على الجانب الآخر تحدث السيسي عن خمسة أرقام تخص الاقتصاد الكلي، ويمكن الحديث عنها وتناولها اقتصاديًا، وذلك لتوفر المعلومات والبيانات الخاصة بها، إلا أن ظاهر إنجازات السيسي يختلف كثيرًا عن واقعها الذي قد يجردها من صفة الإنجاز، وهو ما سنوضحه خلال هذه السطور.

1- الاحتياطي النقدي.. قفزة غير مسبوقة ولكن!

السيسي: ارتفاع الاحتياطي النقدي إلى حوالي 37 مليار دولار بعد أن كان 16 مليار دولار في عام 2014.

في الثالث من يناير الجاري، أعلن البنك المركزي المصري عن ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى 37.020 مليار دولار في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2017؛ ليصل بذلك إلى مستوى غير مسبوق، ويصبح أعلى مستوى لاحتياطيات البلاد من العملة الصعبة، منذ بدء تسجيل بيانات الاحتياطي في مطلع التسعينات، ولكن مناقشة هذا الرقم على أنه أحد إنجازات السيسي بدون الحديث عن أسباب ارتفاعه، ربما يمثل نوعًا من التشويش على الرؤية.

إذ يجمع المتخصصون على أن السبب الرئيس لارتفاع الاحتياطي النقدي للبلاد، كان الديون الخارجية؛ فبعد نحو شهر واحد من تولي السيسي حكم  مصر، وتحديدًا في التاسع من يوليو (تموز) 2014، كشف البنك المركزي المصري عن أن إجمالي الدين الخارجي للبلاد سجل 45.288 مليار دولار بنهاية مارس (أذار) 2014، بينما في يونيو (حزيران) الماضي أعلن البنك المركزي المصري أنّ ديون مصر قفزت إلى 79 مليار دولار، أي بزيادة نحو 33.8 مليار دولار خلال هذه الفترة، وهي زيادة كفيلة برفع الاحتياطي إلى 49.8 مليار دولار، وليس 37 مليارًا فقط.

ولا تقف مصادر زيادة الاحتياطي النقدي على الديون فقط، بل تساهم فيها المنح والمعونات الخارجية، بالإضافة إلى استثمارات الأجانب في أذون الخزانة التي قفزت منذ تحرير سعر الصرف.

لتفاصيل أكثر، اقرأ أيضًا:

النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي – نوفمبر 2017

2- الميزان التجاري.. إنجازات السيسي يساهم فيها تلاعب المستوردين

السيسي: انخفاض عجز الميزان التجاري في العامين السابقين بمقدار 20 مليار دولار، منها 4 مليارات دولار، زيادة في الصادرات المصرية بالخارج، بالإضافة إلى انخفاض الواردات بمبلغ 16 مليار دولار.

بحسب آخر بيانات صادرة حول التجارة الخارجية المصرية، فقد تراجع عجز الميزان التجاري – الفرق بين قيمة الواردات والصادرات- في البلاد إلى 20 مليارًا و133 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2017؛ إذ سجلت الصادرات غير البترولية نحو 15 مليار دولار، بينما تراجعت الواردات إلى 35 مليارًا و130 مليون دولار، وهو ما يعتبره البعض من إنجازات السيسي الاقتصادية.

وبالرغم من أن هذه الأرقام تمثل في ظاهرها طفرة كبيرة، إلا أن هذه الزيادة جاءت بعد قرار تحرير سعر الصرف، والذي كان من المفترض أن يساهم في قفزة كبيرة في الصادرات المصرية، وهو ما لم يحدث، بينما كانت القيود على الواردات مثل رفع الجمارك، وزيادة الدولار الجمركي، بالإضافة إلى الركود الذي أصاب السوق المصري هما سبب التراجع في الواردات، وليس لأن البلاد اعتمدت على بديل محلي.

رئيس قسم الاقتصاد والإدارة في الجامعة العالمية للتجديد (جامعة غير حكومية) بإسطنبول، أحمد ذكر الله يقول إن: «الواردات المصرية لا توجد مصداقية لأرقامها؛ بسبب تلاعب المستوردين في قيمة الفواتير، سعيًا نحو خفض تكلفة الجمارك عليها، إلى جانب استيراد كميات كبيرة من السلع عن طريق التهريب».

وتابع ذكر الله خلال حديث لـ«ساسة بوست» أنه:«في حال اعتمدنا على الأرقام الحكومية المنشورة، فسنجد انخفاض الواردات بـ10 مليارات دولار، خلال النصف الأول من العام الجاري، ليس وحده مقياسًا معبرًا عن نجاح سياسات الحكومة الرامية لخفض عجز الميزان التجاري»، موضحًا أن: «التراجع مرحلي، ومؤقت، لمدة عام، ثم سيرتفع مرة أخرى تأثرًا بالزيادة المتوقعة في الأجور استجابة لمعدلات التضخم المرتفعة، وهو أمر طبيعي سبق وأن شهدته العديد من الدول التي سبق وأجرت تجربة لخفض قيمة عملتها المحلية، مثل لبنان وتركيا والبرازيل، لاسيما أن معاودة الواردات الارتفاع ستأتي في ظل عدم وجود إنتاج محلى يغطى نمو الطلب».

وحول الصادرات يقول ذكر الله: «إن ما تحملته الدولة من زيادة في تكلفة الواردات على الموازنة العامة للدولة ومعيشة الأفراد، فاق ما جنته من أرباح الزيادة الطفيفة في الصادرات، فالواردات الرسمية وغير الرسمية توازي 100 مليار دولار سنويًا، وقد تنخفض لـ80 مليار دولار هذا العام، وفي المقابل فإن زيادة سعر الدولار من 8.88 جنيه لقرابة 18 جنيهًا، سيكون أثره على التكلفة الإضافية للواردات حوالي 800 مليار جنيه، بينما ما ربحته مصر من زيادة الصادرات نحو 32.4 مليار جنيه فقط».

ويرى الباحث الاقتصادي أن الزيادة في قيم الصادرات ناجمة في الأساس عن زيادة صادرات شركات إلكترونيات شهيرة، مثل «إل جى»، و«سامسونج»، التي تستفيد من اتفاقية «الكوميسا»، التي تعفي مصر من الجمارك مع عدة دول أفريقية، ولم تنتج هذه الزيادة عن فائض إنتاجي حقيقي.

3- لهذه الأسباب معدل البطالة غير واقعي

السيسي: انخفضت معدلات البطالة من 13.4% إلى 11.9%، ويأتي ذلك في ضوء توفير فرص عمل كثيفة في المشروعات القومية الكبرى، وبما يصل إلى 3.5 مليون عامل.

تباهي الرئيس المصري في خطابه بانخفاص معدل البطالة، وهو ما يردده أنصاره ويعتبرونه من إنجازات السيسي الاقتصادية، لكن وفقًا لبعض المعطيات قد لا تكون هذه الأرقام صحيحة. في 15 فبراير (شباط) 2016، قال رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء السابق، اللواء أبو بكر الجندي، والذي بات وزيرًا للتنمية المحلية مؤخرًا: إن «الجهاز يجري إحصاء نسبة المتعطلين في مصر أربع مرات خلال السنة»، موضحًا، أنه من المستحيل حصر نسبة البطالة بأرقام محددة؛ لأن ذلك يستوجب التواصل بشكل مباشر مع كل أسرة مصرية.

«الجندي» قال أيضًا: إن «الجهاز يقوم بحساب نسبة البطالة من خلال إجراء استطلاع رأي على 21 ألف أسرة يمثلون كافة أقطار الدولة، للوصول لأقرب نسبة مماثلة للنسب الحقيقية»، بالإضافة إلى اعتبار من يعمل ساعة واحدة بالأسبوع ليس عاطلًا بحسب القانون المصري.

ووفقًا لحديث الجندي، لا يمكن اعتبار أرقام البطالة الصادرة عن المركزي للإحصاء معبرة عن واقع البطالة في مصر، إذ إن البنك الدولي قدر قوة العمل في مصر عام 2016 بنحو 31.569 مليون فرد، بينما قدرها الجهاز للعام نفسه بحوالي 28.934 مليون فرد، وذلك بفجوة بلغت نحو 2.635 مليون فرد بين التقديرين، وهو ما يدل على أن هناك خللًا واضحًا في التقديرات؛ لأنه في حال حساب البطالة على أساس تقديرات البنك الدولي فقد تتضاعف النسبة.

كما أن الحديث عن أن المشروعات القومية الكبرى وفرت وحدها ما يصل إلى 3.5 مليون عامل، رقم من الصعب مناقشته، بدون الكشف عن المشروعات التي استوعبت هذا الرقم الضخم، خاصًة أن كبرى المشروعات القومية التي تمت في هذه الفترة، سواء العاصمة الإدارية، أو تفريعة قناة السويس الجديدة، لم تستوعب سوى بعض الآلاف من العمالة، وهي عمالة مؤقتة، وليست دائمة.

4- التضخم.. المعدل الحالي يزيد 13.8% عن يونيو 2014

السيسي: انخفاض معدلات التضخم من 35% إلى 22% خلال الشهر الحالي، ونستهدف الوصول بها إلى نسبة 13%.

عندما تولى السيسي مقاليد الأمور في منتصف 2014، كان معدل التضخم نحو 8.2%، وذلك في يونيو (حزيران) 2014، ومنذ ذلك الحين يواصل التضخم في مصر الارتفاع؛ حتى وصل لأعلى مستوى في تاريخه، وهو 35%، ولا يمكن اعتبار تراجع هذه المعدل إلى نحو 22% إنجازًا أو طفرة غير مسبوقة خلال فترة رئاسة السيسي؛ لأن المعدل الآن يزيد عن ضعف الرقم المسجل عندما تسلم الحكم، كما أن هناك خللًا واضحًا في حساب نسبة التضخم في البلاد، وهذا الأمر موضح بتفاصيل أكثر خلال التقرير التالي:

المفارقة أن البنك المركزي المصري كان قد أعلن عن أن التضخم الأساسي السنوي في البلاد هبط إلى 19.86% في ديسمبر، بعدما كان 25.54% في نوفمبر (تشرين الثاني)، إلا أن الرئيس السيسي قال إنه وصل في الشهر الحالي إلى 22%، وهو ما يشير ارتفاع في المعدل، وذلك في حال إن كان هذا الرقم صحيحًا.

5- الاستثمارات الأجنبية المباشرة.. بالرغم من الارتفاع لا تعتبر طفرة

السيسي: ارتفاع تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 14% في العام المالي 2016-2017.

في آخر بيان صادر عن البنك المركزي حول الاستثمارات الأجنبية المباشرة، كشف البنك عن تراجعها بنسبة 17.8% في مارس 2017، مقارنة بنفس الفترة من عام 2016، مسجلة نحو 2.278 مليار دولار في نهاية مارس 2017، مقابل 2.772 مليار دولار في نفس الفترة المقابلة.

هذا الانخفاض جاء بعد عدة إجراءات تمت لدعم الاستثمارات كان أبرزها تحرير سعر الصرف وإصدار قانون الاستثمار الجديد الذي تُعوّل عليه البلاد، ولكن بعد هذه الإجراءات وصلت إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر نحو 10.8 مليار دولار في الفترة بين يوليو 2016 ومارس 2017 مقارنة مع 9.6 مليار دولار قبل عام.

وبالرغم من الزيادة في قيمة الاستثمارات، إلا أن هذا الرقم لا يعتبر طفرة أو أحد إنجازات السيسي الاقتصادية؛ لأن مصر سبق لها وأن سجلت أعلى من هذا المستوى؛ إذ يعتبر العام المالي 2007- 2008 هو الأعلى في تاريخ الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر؛ إذ بلغت الاستثمارات فيه 13.1 مليار دولار.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد