ليست التحديات الداخلية ومشاكل الكهرباء والطاقة والأمن والبطالة أو حتى المشكلات الاقتصادية وعجزالموازنة هي أكبر التحديات التي يواجهها عبد الفتاح السيسي – قائد الانقلاب العسكري الفائز بأول انتخابات رئاسية بعد الانقلاب، فالملفات الخارجية الملغومة التي يجد السيسي نفسه مضطرًا للتعامل معها قد تشكل تحديات أكثر تعقيدًا من القضايا الداخلية، على خطورتها.
جاء وصول السيسي إلى رأس السلطة في لحظة تموج فيها الاضطرابات والتغييرات في المنطقة – يمكنك أن تعتبر وصوله إلى السلطة أحد تجليات هذه التغييرات- فمن القتال الدائر على حدود مصر الغربية في ليبيا، إلى المصالحة المهددة على حدودها الشرقية في فلسطين، إلى تفجر الأوضاع في العراق والوضع في سوريا.
يمكننا الربط بين التوجهات الخارجية الحالية والمرتقبة للسيسي وحكومته، وبين أولويات ومواقف حلفائه من قضايا المنطقة والقصد هنا الولايات المتحدة – التي استأنفت مؤخرًا مبلغ نصف مليار دولار من المساعدات التي كانت قد جمدتها على إثر فض اعتصام رابعة العدوية، والمملكة العربية السعودية أبرز الداعمين الماديين والسياسيين لانقلاب السيسي.

ليبيا: الحرب على المسلحين الإسلاميين وحل أزمة الطاقة.

تعد ليبيا أحد أكثر الملفات التي تشغل اهتمام السيسي، وتجلت بوضوح في تصريحاته أثناء حملته الانتخابية التي حمل فيها السيسي الولايات المتحدة المسئولية عما يحدث في ليبيا؛ بسبب تركها للبلاد في يد المسلحين في أعقاب الإطاحة بنظام القذافي، ومرر السيسي في حواره مع فوكس نيوز أثناء حملته الانتخابيىة رسالة إلى واشنطن مفادها أن شرق ليبيا بات يؤوي “معسكرات تدريب للجهاديين” الذين يعملون بالتنسيق مع الإخوان المسلمين، وأبرزها جماعة أنصار الشريعة التي تحملها واشنطن المسؤولية عن الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي؛ لذا فإن العلاقة بين السيسي والسلطة الحالية في ليبيا ليست على ما يرام.
يتوافق موقف السيسي من ليبيا مع الموقف الخليجى “السعودي والإماراتي” الذي يخشى من زيادة نفوذ الإسلام السياسي في ليبيا، ويلقي بثقله خلف الجنرال خليفة حفتر الذي قاد أكثر من محاولة – لم تنجح إلى الآن- للانقلاب على السلطة في ليبيا، حفتر – الذي يصف نفسه بأنه خليفة للسيسي – يقدم نفسه بكونه المنقذ الذي تنتظره ليبيا في مقابل الفوضى التي تعم البلاد منذ الإطاحة بالقذافي.

مؤخرًا وفي أوائل مايو الماضي نشر موقع ديبكا الاستخباراتي الإسرائيلي تقريرًا جاء فيه أن المشير عبد الفتاح السيسي يخطط لحل المشكلة الاقتصادية في مصر على حساب النفط الليبي؛ حيث سيتذرع بالإرهاب على الحدود المصرية الليبية من أجل تبرير عملية عسكرية ضد الليبيين تنتهي بالاستيلاء على كميات من النفط الموجود في الشرق.

زيارة الجزائر الحالية التي يقوم بها السيسي ربما تأتى في نفس الإطار، وهو ما صرح به السيسي أثناء زيارته حول سعيه للاستفادة من تجربة الجزائر- التي وصفها بالرائدة- في مكافحة الإرهاب، حيث تشترك كل من الجزائر ومصر في مخاوفهما بشأن ليبيا وربما يسعى السيسي لصناعة تحالف في شمال إفريقيا تحت إطار مكافحة الإرهاب، تقوده الجزائر وتشارك فيه مصر وتأتي زيارة السيسي للجزائر قبل أقل من 24 ساعة على القمة الأفريقية المنتظر انعقادها في مالابو عاصمة غينيا الاستوائية، والتي يعول عليها السيسي كثيرًا لإنهاء عزلته الأفريقية منذ انقلاب الثالث من يوليو.

الملف الثانى في زيارة الجزائر يتعلق بالطاقة وهذه بالمرة بالغاز، حيث يسعى السيسي للحصول على الغاز من الجزائر لتغطية العجز في الاستهلاك المحلي، خاصة لمحطات توليد الكهرباء، وعلى الرغم من ارتفاع أسعار الغاز الجزائرى “10- 11 دولارًا لكل وحدة حرارية” مقارنة بنظيره القطري “5- 6 دولارات” فإن مصر فضلت الذهاب إلى الجزائر في ظل توتر علاقتها مع قطر، هذا ولم يعلن إلى الآن أي اتفاق رسمي بشأن توريد الغاز الجزائري إلى مصر أو أسعار الغاز في هذا الاتفاق حال حدوثه.

العراق: واشنطن تدعم الحكومة والرياض تدعم داعش في الخفاء.

تشكل قضية العراق أبرز ملفات الخلاف الأمريكي السعودي في الوقت الحالي؛ حيث تتخذ الولايات المتحدة موقفًا مطابقًا لموقف النظام الإيراني الداعم للحكومة العراقية، في مواجهة حراك العشائر السنية المتحالفة مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ، وتشير الشواهد إلى أن الولايات المتحدة قد منحت إيران كافة الصلاحيات للتدخل في العراق بما في ذلك تدخل قوات الحرس الثوري الإيراني – كما ذكرت شبكة سى إن إن- وهو ما تتحفظ عليه السعودية بالقطع فرغم أن أيًا من مجلس العشائر أو تنظيم الدولة الإسلامية ليس حليفًا مثاليًا بالنسبة للرياض إلا أن المملكة لا تمانع من تقديم تنازلات في هذا المجال لتخفيف الحصار السياسي الخانق الذي تسعى إيران لفرضه على الرياض من خلال حلفائها في سوريا والعراق.

وتشير تصريحات المسئولين الأمريكيين إلى أن الولايات المتحدة لا تمانع من حيث المبدأ في توجيه ضربة جوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بشرط أن يتوفر لها الدعم العربي، وهو ما ترفضه السعودية وتشير التكهنات أن زيارة جون كيري الأخيرة إلى مصر ولقائه بالسيسي كان متعلقًا – أكثر ما يتعلق- بالعراق.

ووفقًا للمتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية “جون كيربي”، فإن مجموعة تتكون من 90 عسكريًا أمريكيًا وصلت إلى بغداد؛ للمساعدة في إنشاء مركز عمليات خاصة في العاصمة العراقية تتمثل مهمته في تقييم مدى جاهزية قوات الأمن العراقية، والتهديد الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، والوضع الميداني، بالإضافة إلى تقديم المشورة فيما يتعلق بأفضل طرق تقديم المساعدة للجيش العراقي.

ووفقًا لكيربى أيضًا فإن الطائرات العسكرية الأمريكية بما بين 30 إلى 35 طلعة استكشافية فوق العراق يوميًا، يذكر أن الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” قد أعلن الأسبوع الماضي، عزمه إرسال 300 مستشار عسكري أمريكي إلى العراق، وتأسيس مركزي عمليات مشتركة في بغداد وشمال العراق.

على الجانب المصري، نشر الموقع الإلكتروني لصحيفة دويتش فيله الألمانية تقريرًا يوم الأحد الماضي يشير إلى قيام الجيش المصري بإمداد نظيره العراقي بأسحلة خفيفة ومضادات طائرات كورية الصنع من مخازن السلاح بالجيش المصري، وهو الأمر الذي ينسجم مع الرؤية الأمريكية بشكل أكبر مما ينسجم مع الرؤية السعودية، وكذلك يشير إلى كون طريق العلاقات الخارجية للسيسي ليس مفروشًا بالورود وربما يكون مضطرًا لاتخاذ قرارات صعبة قد لا ترضي بعض حلفائه خاصة حين يختلف الحلفاء في آرائهم.

القضية الفلسطينية.. دحلان يحضر حفل تنصيب السيسي.

إذا غضننا الطرف عن الموقف المصري من حركة “حماس” التي تم تصنيفها في مصر كمنظمة إرهابية، فإن أكثر ما يثير الانتباه هو الرهان المصري والخليجي على شخص “محمد دحلان” القيادي المفصول من حركة فتح والمقيم في دبى رغم خلافاته الكبيرة مع محمود عباس الرئيس الحالي للسلطة الفلسطينية.

ويأتي خلاف السيسي وعباس نابعًا من اختلاف الرهانات خاصة بعد توجه عباس لإجراء مصالحة – ولو شكلية- مع حركة حماس بعد فشله في الوصول لإنجاز ملموس للقضية الفلسطينية عبر طريق جون كيري، في حين كان السيسي يرغب في الرهان على مصالحة داخل البيت الفتحاوي نفسه بدلاً من المصالحة مع حماس التي يعتبرها النظام المصرى خصمًا وعدوًا.

ووفقًا لمصادر صحفية عربية فإن محمد دحلان كان أحد الشخصيات المدعوة لحضور حفل تنصيب السيسي ضمن الوفد الإماراتي، وهو الأمر الذي أغضب عباس كثيرًا لدرجة أن عباس طلب من رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية “محمد التهامي”، التدخّل لمنع حضور دحلان الحفل، مهددًا بالانسحاب والعودة إلى رام الله في حال حضوره وهو الأمر الذي رفضه السيسي وفقًا للمصادر، كما رفضت القيادة المصرية استقبال موفد الرئيس عباس إلى القاهرة عزام الأحمد الذي كان من المفترض أن يبحث مستقبل التعامل مع معبر رفح بعد إعلان تشكيل حكومة الوفاق الفلسطينية برئاسة الدكتور رامي الحمد الله.

ووفقًا لرؤية عبد الستار قاسم أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني فإن دحلان – ورغم كونه شخصية محروقة في فلسطين- إلا أنه يراه أكثر ذكاء من عباس، وقال: “المصريون ومعهم الأمريكيون والإسرائيليون يعرفون أن عباس شخصية ضعيفة، وهو لم يستطع ملء الفراغ الذي خلفه الرئيس الراحل ياسر عرفات .. وفي هذا الإطار يعتبر محمد دحلان أكثر ذكاء من عباس.

وتبعًا لتحليلات البعض فإن القيادي السابق في فتح محمد دحلان قد يكون أحد البدائل التي يجري إعدادها لخلافة الرئيس الحالي للسلطة محمود عباس، بينما لا تزال ترى الولايات المتحدة أن اللعب بورقة عباس – الضعيف- ربما يكون أجدى من استخدام ورقة – يراها الكثيرون محروقة- كمحمد دحلان، بينما يبدو السيسي أكثر ميلاً لرأي حلفائه الخليجيين الذين يقطنون هذه المرة في دبي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد