في أسبوعٍ واحد فقط أعلن النظام المصري إلغاء أحد المشروعات الكبرى، وهو نفق السكة الحديدية أسفل قناة السويس، وسحب إنشاء الحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة من الشركة الصينية، التي كانت قد تعاقدت الحكومة معها. ويفتح ذلك باب التساؤل عن مدى جدية المشروعات الاقتصادية الكُبرى التي يُروج لها النظام خلال السنوات الماضية، من تفريعة قناة السويس، والانخفاض الحاصل في إيرادات قناة السويس، وكذا العاصمة الإدارية الجديدة التي تنسحب منها الشركات واحدة تلو الأُخرى، فضلًا عن الاستثمارات المليارية التي بشّر بها النظام عقب المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ، والتي لم يتحقق أيٌّ منها، بل شهد الاقتصاد عقب ذلك المؤتمر هزّات مُؤثرة.

ويعد التلاعب بالتصريحات من أكثر المشكلات التي لا يسعى النظام إلى حلّها، وفي هذا الصدد ثمّة الكثير من التصريحات السابقة لمسؤولين عن قرب انتهاء بعض المشروعات، تليها تصريحات مفاجئة عن توقف تلك المشاريع، على سبيل المثال مشروع الحي الحكومي في العاصمة الجديدة، إذ أعلن وزير الإسكان المصري في مارس (آذار) 2016 توقيع عقد مع الشركة الصينية بمشاركة ممثل لوزارة الدفاع المصرية، واعدًا ببدء العمل في أبريل (نيسان) من نفس العام، ثم عاد ليعلن منذ أيام سحب المشروع من الشركة لتكون الشركة الثانية التي تنسحب بعد شركة «العبار»، وكذلك الحال في مشروع نفق السكة الحديد أسفل قناة السويس، الذي أعلن اللواء كامل الوزيري رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة قرب الانتهاء منه في ديسمبر (كانون الأول) 2015، ثم عاد ليعلن توقفه.

نفق السكة الحديد

رغم تصريح اللواء كامل الوزيري في ديسمبر (كانون الأول) 2015 عن قرب انتهاء مشروع نفق السكة الحديد أسفل قناة السويس، إلا أن اللواء الذي أصبح بمثابة المسؤول الأول عن إنشاء البنية التحتية في مصر حاليًا، فاجأ الجميع عندما أعلن منذ أيام إلغاء المشروع، مُوضحًا على هامش مؤتمر صحافي خلال جولة تفقدية للمشروع، أن الدراسات الهندسية والفنية تُؤكد ارتفاع تكاليف النفق، إذ تتعدى وفقًا له، ثمانية مليارات جنيه مصري لنفق سكة حديدية بطول 15 كيلومترًا، ومساحة تبلغ 800 متر مربع.

وكان الوزيري نفسه من قال إنّ «أبناء الشعب المصري قادرون على قهر المستحيل ومواجهة كل التحديات والصعوبات، وليس حقيقيًّا ما يشيعه البعض عنهم بأنهم كسالى أو لا يرغبون في العمل»، لكن على ما يبدو قهر المستحيل مشروع نفق السكة الحديدية أسفل قناة السويس.

وفي ظل عدم وجود محاسبية، فغالبًا ما ستمر الأمور دون محاسبة أو سؤال عن كيف لمسؤول أن يعلن قبل أكثر من عام قرب انتهاء المشروع، ثُم يعلن فجأة أن المشروع سيتوقف لأنه مُكلّف، وبدلًا عنه ستدرس الاستفادة من «كوبري الفردان المعدني المتوقف عن العمل منذ عام 2000».

الشركات تهرب من العاصمة الجديدة

فيما يخص مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، فثمة حالة من الغموض تكتنفه، بخاصة بعد أن أعلن أيمن إسماعيل رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، منذ أيام، سحب مشروع إنشاء الحي الحكومي في العاصمة الجديدة من شركة «CSCEC» الصينية، وتحويل المسؤولية لشركات مصرية، وهو ما أثار الجدل ودفع إلى التساؤل عن دراسات الجدوى الخاصة بالمشروع، وطريقة إدارته، وجدية النظام المصري في تنفيذه.

توقيع مذكرة التفاهم بشأن العاصمة الإدارية الجديدة (المصدر: موقع وزارة الإسكان)

ولم تكن الشركة الصينية الأولى التي تُعلن الحكومة المصرية فشل الاتفاق معها حول مشاريع العاصمة، إذ سبقتها المفاوضات مع الشركة الإماراتية «كابيتال سيتي بارتنرز» المملوكة للمستثمر الإماراتي محمد العبار. كما لم تُعر السلطات المصرية اهتمامًا للتصريحات الوهمية المستمرة لأكثر من عام، ففي مارس (آذار) 2016، ووفقًا لتصريحات رسمية، زار وزير الإسكان المصري مصطفى مدبولي العاصمة الصينية بكين، لإنهاء الاتفاق مع الشركة الصينية على إنشاء 12 مبنى للوزارات، ومبنيين لمجلس الوزراء والبرلمان، وقاعة مؤتمرات كبرى، وأرضًا للمعارض.

تصريحات وزير الإسكان الذي كان ضمن وفده ممثلون لوزارة الدفاع المصرية، أكدت بدء المشروع بعد شهر واحد من الزيارة، أي في أبريل (نيسان) من نفس العام، وذكر البيان الرسمي أنه بعد التباحث تقرر أن ينتهي مسؤولو الشركة من رسومات جميع المباني وتكاليفها خلال 33 شهرًا، وبعدها سيبدأ التنفيذ فورًا. ولم يكن اللقاء مع الشركة فقط، وإنما أيضًا مع كل من بنكي «EXIM Bank» و«ICBC» للتباحث حول الشروط التمويلية للمشروعات الصينية في مصر، بالإضافة إلى شركة «CREC».

بعد ذلك كله، عادت هيئة المجتمعات العمرانية لتعلن انسحاب الشركة الصينية، وتكليف شركات مصرية بتنفيذ الحي الحكومي، وذلك بسبب أن الشركة الصينية لم تكن قد استكملت جهازها التنفيذي في مصر بعد، وكانت ستعتمد على شركة مقاولات مصرية، كل ذلك بعيدًا عن نظر الدولة.

البرلماني المصري محمد أنور السادات، تقدّم بسؤال لرئيس الوزراء ووزير الإسكان عن أسباب فسخ الحكومة التعاقد مع الشركة المصرية، ومثل هذه الأسئلة غالبًا ما تموت بلا إجابات واضحة.

المؤتمر الاقتصادي

العاصمة الإدارية الجديدة التي تنسحب الشركات الأجنبية من العمل في إنشاءاتها، كان الظهور الأول لها في المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ في مارس (آذار) 2015، والذي يُعد أحد أبرز المحطات الكُبرى في التسويق للاستثمار في مصر، وبشكل أو بآخر الترويج أيضًا للنظام المصري.

ورغم الاهتمام الكبير بالمؤتمر، وحضور العديد من المسؤولين والحكام العرب وشخصيات سياسية واقتصادية بارزة من نحو 125 دولة ومنظمة دولية، فضلًا عن 200 رئيس دولة، إلا أن الرقم النهائي لمحصلة الاستثمارات اختلف بين وسائل الإعلام بشكل لافت، فعلى سبيل المثال نقلت صحيفة الوطن المصرية تصريحات عن مكاسب قيمتها 182 مليار دولار، في حين نقلت صحيفة الأهرام الرسمية عن وزير الاستثمار وقتها أشرف سليمان أن حصيلة المؤتمر 175.2 مليار دولار، غير أن إبراهيم محلب رئيس الوزراء آنذاك، قال إن حصيلة المؤتمر الاقتصادي 60 مليار دولار، بالإضافة إلى تعهدات بدعم مالي قدره 12.5 مليار دولار.

وبالأخذ في الاعتبار أن محلب وقتها كان رئيس الوزراء، ما يعني أن تصريحاته يفترض بها أن تكون أكثر التصريحات دقة ورسمية، إلا أن أحدًا لم يرَ هذه الأرقام، ففي النهاية صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المُباشر خلال 2015/2016 بلغ نحو 6.84 مليار دولار، بعد أن كان 6.38 مليار دولار في العام السابق (2014/2015)، وذلك وفقًا للبيانات الرسمية لوزارة الاستثمار في سبتمبر (أيلول) 2016.

كما أصدر الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، بيانًا يشير إلى ارتفاع نسبة البطالة لـ12.8% في الربع الثالث من عام 2015، أي بعد المؤتمر بستة أشهر، في مقابل 12.77% في الربع الثاني من نفس العام.

وكانت أبرز السلبيات التي علّق عليها خبراء على تحصيل ما أُعلن عنه عقب المؤتمر، قصور البنية التشريعية اللازمة للاستثمارات، وعدم وجود رؤية واضحة للاقتصاد المصري والأولويات في بعض المشروعات، والتي سماها البعض العشوائية في الإدارة.

أما إلغاء النسخة الثانية من المؤتمر، والتي كان يُفترض بها أن تكون في 2016 كما وعد السيسي، فهي دليل على فشل المؤتمر الاقتصادي الأوّل، بخاصة وأن النظام المصري عاجز عن إجابة سؤال: ماذا تحقق من مشروعات عقب ذلك المؤتمر؟

ثم كانت الصدمة الثانية بإعلان منظمي المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، تأجيل عقد المؤتمر في مدينة شرم الشيخ، لـ«دواعٍ أمنية»، وكعادته حاول الإعلام المصري القفز على الأرقام بأخرى، بادعاء أن 65% من مشروعات المؤتمر نُفّذت.

انخفاض إيرادات قناة السويس

يعد مشروع تفريعة قناة السويس من أبرز المشروعات التي حشد السيسي فيها الشعب المصري، واستطاع خلال ثمانية أيام فقط جمع ما يقرب من 64 مليار جنيه مصري. وكان السيسي قد طالب بتقليل فترة حفر التفريعة من ثلاثة أعوام إلى عام واحد فقط، كما أن مهاب مميش رئيس هيئة القناة، قد أعلن توقعات بوصول إيرادات القناة لنحو 100 مليار دولار.

في المقابل ما حدث هو سلسلة من انخفاضات إيرادات القناة، ففي نهاية 2015 وصلت الإيرادات إلى 5.175 مليار دولار، بانخفاض 290 مليون دولار، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016 تراجعت إيرادات القناة لنحو 4.590 مليار دولار خلال 11 شهرًا، في مقابل 4.745 مليار دولار خلال نفس الفترة من عام 2015، أي بنسبة انخفاض 3.22%.

وكالعادة حاول الإعلام المصري القفز على الأرقام بحساب إيرادات القناة بالجنيه المصري بدلًا من الدولار، لإيهام الشعب المصري بارتفاعها، على أساس انخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار. كما أنّ في إحدى خطبه قال بوضوح: «إيرادات قناة السويس لم تقل، وأنا مسؤول عن كلامي».

لماذا تفشل المشروعات؟

«لماذا تفشل تلك المشروعات؟»، و«هل كانت معظمها وسيلة للدعاية السياسية والتسويق دون دراسة جدوى حقيقية؟»، توجهنا بالسؤال لرائد سلامة الخبير الاقتصادي وعضو مجلس أمناء التيار الشعبي، ليجيب: «هناك عدة مشكلات متعلقة بعدم نجاح بعض المشروعات التي يطرحها النظام المصري الحالي، الأولى يمكن أن نسميها ضبابية الحالة السياسية فيما يتعلق بالحريات، واحترام الدستور، وتطبيق القانون، وفي الاقتصاد تسمى تلك الأمور بمخاطر الدولة أو المخاطر السيادية. على سبيل المثال إذاعة تسجيلات مكالمات السياسيين على المشاع، وتحمل تلك الأمور سمعة سيئة لدى المستثمر عن مصر».

كذلك تُعد أزمة الدراسات الفنية غير الصحيحة للمشروعات، سواء دراسات الجدوى الاقتصادية، أو القانونية، أو السياسية، سببًا مهمًا في الإخفاقات التي تُمنى بها المشاريع التي يُعلنها النظام المصري، ويُمكن رؤية ذلك بشكل واضح في مشروع تفريعة قناة السويس التي اشترى المصريون فيها شهادات بنحو 64 مليار جنيه، ثم ثبت عدم جدواها الاقتصادية مع انخفاض حجم التجارة العالمية، ما أدى إلى انخفاض إيراداتها.

ويُشير سلامة إلى أنّ الإجراءات التي وصفها بـ«الروتينية» للأجهزة المصرية، تعوق تدفق أي استثمار، و«هذه هي حقيقة أزمة الشركة الصينية في مشروع العاصمة»، على حد قوله، مُوضحًا أن الشركة الصينية كانت قد وقعت اتفاقات مشروطة بتسهيلات محددة، ولكنها لم تتحقق لأسباب بيروقراطية، مما دفعها للانحساب.

بالإضافة إلى ذلك، هناك أسباب مرتبطة بالخارج تدفع إلى إخفاق المشروعات، من بينها وفقًا للخبير الاقتصادي رائد سلامة «تنامي الخطاب الشعبوي في دول المركز بعد فوز دونالد ترامب بمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وبرنامجه المبني على جدار عازل مع المكسيك، والخروج من اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا، والتركيز على الداخل، ما سيؤدي إلى التقوقع».

يُضاف إليها الظروف التي تمر بها أوروبا، كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتصاعد الخطاب العنصري «المتطرف»، كل ذلك انعكس على عمليات تحويل الأموال، والاستثمار خارج الحدود على المستوى الدولي، وكل ذلك يُلقي بظلاله على حجم التجارة العالمية والاستثمارات الخارجية، بحسب سلامة.

ويُشار إلى أنه إلى جانب المشروعات السابقة، ثمة مشروعات اُخرى كان قد أعلنها النظام دون أن يرى أي مواطن مصري أثرها، من بينها مشاريع: المليون فدّان، والمليون وحدة سكنية الذي توقّف بسبب الشريك الإماراتي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد