تقريبًا، لم يترك عبد الفتاح السيسي فرصة إلا وتحدث فيها عن الدين، مرّة عن تجديد خطابه، ومرّة عن ثورة دينية، وقبل ذلك في تسريب لحوار بينه وبين رئيس تحرير صحيفة المصري اليوم، أبرز السيسي اهتماماته الدفينة المتعلقة بالرؤى والأحلام، وتأويلاتها، حتى أن أسوشيتيد برس، وصفت السيسي بعد تلك التسريبات، بالرّجل الروحاني!

عمومًا، العلاقة بين الدين والسياسة، أو دعنا نقل، بين الدين والسلطة، هي علاقة شائكة، ومنذ أمد بعيد. وفي مصر يعتبر البعض أن ما يحدث الآن، ومنذ 3 يوليو، وربما قبل ذلك أيضًا، هو تجلّ لإشكاليات هذه العلاقة، كما أنّ السيسي نفسه لم يخفِ أن سببًا من أسباب تحركه بالجيش ضد محمد مرسي، وجماعة الإخوان المسلمين هو “الخلاف العقائدي القديم والعميق”.

في السطور التالية نحاول وضع أيدينا على حقيقة دور الدين في نظام السيسي، الذي ما فتئ يُؤكد رفضه لتدخل الدين في السياسة!

كم مرّة تحدّث السيسي عن الدين، وفي أي سياق؟

تكاد لا تُحصى عدد المرات التي تحدثّ فيها الجنرال عن الدين، في خطابات داخلية، أو محافل دولية، وفي لقاءاته الإعلامية، وتصريحاته الصحافية؛ فدائمًا ما يلفت السيسي إلى “الخطاب الديني الجديد”، يُعزز من مكانة الأزهر في نشر “الإسلام الوسطي”، أو يلمّح إلى التأييد الإلهي، فضلًا عن إشاراته إلى الأخلاق الدينية ما بين الحين والآخر.

في تقرير لها (أغسطس 2014)، وصفت رويترز السيسي بأنه “يرتدي عباءة المصلح الاجتماعي”. نفسه السيسي الذي أكّد رفضه لمشروع “الدولة الدينية”، اعتبر أنّ تحركه بالجيش لإزاحة مرسي وحكومته، “قرارًا صعبًا لحماية الوطن والإسلام”.. السيسي قال ذلك في لقائه بوفد من الطرق الصوفية، قبيل انتخابات الرئاسة في 2014. أدمع السيسي وقال:

يارب يكون لينا أجر إننا حمينا الناس في مصر، وحمينا الإسلام كمان.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://youtu.be/of4O_T6g6Ck” width=”650″ height=”450″ ]

 

حتّى في لقاءاته المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية، يتطرق السيسي إلى الحديث عن الدين، ويُكرّس لثورته الدينية، كما تسميها الصحف الأجنبية، من ذلك اجتماع حضره مع كبار رجال السياحة في أبريل 2014، أرجع السيسي تدهور صناعة السياحة في مصر إلى “الخطاب الديني” الذي يصفه بالمتشدد، والذي لا يراعي تطورات العصر، بحسب قوله.

وبالجملة، فقد عمد السيسي إلى ترسيخ دعوته، إن جاز لنا تسميتها بذلك. ففي المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) تحدّث السيسي عن “التطرف” و”الغلو الديني”، ثمّ عرج للتلميح إلى أن نظام مرسي كان بمثابة “خطر محاولة فرض الرأي الواحد وإقصاء كل من يخالفه”! وقبل ذلك أيضًا في احتفالات المولد النبوي، كانت الفرصة سانحة له للحديث مرارًا وتكرارًا عن “تجديد الخطاب الديني”، مع إلقاء عبء هذا الأمر على عاتق مؤسسة الأزهر.

أرجع وأقول، احنا متحركين في تجديد الخطاب الديني الحقيقي.. الكلام ده أنا بقوله هنا في الأزهر، أمام رجال وعلماء الدين. والله لأحاججكم يوم القيامة، فقد أخليت ذمتي أمام الله.

السيسي في مؤتمر دافوس (روتيرز)

على هذا المنوال، كانت أغلب خطابات السيسي، التي غالبًا ما تشتمل على نسبة استخدام لكلمة “دين” بتصريفاتها، تفوق بحوالي الضعف نسبة استخدام محمد مرسي للكلمة في نفس الأحداث التي شهدت خطابات لكليهما، من بينها مثلًا الخطاب في الأمم المتحدة، خطاب المولد النبوي، خطاب ليلة القدر، وخطاب التنصيب. وجاءت التعبيرات التي اشتملت على الكلمة في خطابات السيسي، في معرض حديثه عن “ثورته الدينية” أو تأكيده على ضرورة محاربة ونبذ العنف والإرهاب باسم الدين، في المقابل جاءت استخدامات مرسي للكلمة، في سياق التأكيد على ضرورة احترام خصوصية العالم الإسلامي وثقافته ومبادئه.

يأتي هذا، فيما كان نظام عبد الفتاح السيسي يروّج لتحركه ضد جماعة الإخوان المسلمين، ومحمد مرسي، انطلاقًا من أنّ الأخيرين “استغلوا الدين وشوهوه لمآرب شخصية”، فضلًا عن أنّ تظاهرات 30 يونيو خرجت تحت شعارات، كانت من أبرزها “لا لأسلمة الدولة”!

مظاهر «النظام الديني»

لا يزال نظام السيسي يستخدم الدين في السياسة، رغم أن حجّة عزل الرئيس محمد مرسي، كانت اللعب بالدين! – صحيفة الجارديان (2014)

الكثير من المواقف والأحداث توضّح طبيعة العلاقة بين النظام الحالي والدين ورجالاته، بداية من بيان عزل مرسي في 3 يوليو 2013، والمشهد الشهير، حيث السيسي يقف وإلى يمينه يجلس كل من شيخ الأزهر أحمد الطيب، وبابا الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية تواضروس الثاني. وقبل ذلك أيضًا، وبحسب تقارير أجنبية، فإنّ أعدادًا مهولة من المشاركين في تظاهرات 30 يونيو الممهدة لبيان 3 يوليو، كانت من أبناء الطرق الصوفية الكبيرة، التي أعرب مشايخها عن تأييد حركة الجيش منذ مهدها، حتّى تطوّر الأمر لاحقًا، متخذًا منحى جدليًا في العلاقة بين نظام السيسي، بل السيسي نفسه والصوفية المصرية.

السيسي محب للطرق الصوفية، لأنّه صوفي الأصل – مشيخة الطرق الصوفية

ومن التسجيلات المصوّرة المسربة بُعيد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في أغسطس 2013، تَبرُز كيفية استخدام المؤسسة العسكرية – التي كان لا يزال على رأسها عبد الفتاح السيسي – للخطاب الديني لتبرير تحركات الجيش ضد المتظاهرين المعارضين لانقلابه على أوّل رئيس منتخب.

يوم ما لبست البدلة دي، والبيادة دي، وضربت التعظيم، ووقفت في طابروك.. إنت بتأدي وظيفة، مش عند القائد.. عند الله- عمرو خالد

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://youtu.be/DI8GmNRqURg” width=”650″ height=”450″ ]

 

كذلك شهدت الفترة منذ 3 يوليو وحتى الآن، تصريحات على ألسنة رجال دين أزهريين في الأغلب، أو من الصوفية، تؤكد على التأييد الإلهي للسيسي، بل أكثر قليلًا، حينما وصف رجل الدين الأزهري، سعد الدين الهلالي، السيسي ومحمد إبراهيم (وزير الداخلية السابق) برسولين من الله:

كما ابتعث من قبل رجلين: موسى وهارون، أرسل وابتعث رجلين ما كان لأحد من المصريين أن يتخيل أن هؤلاء من رسل الله عز وجل.. خرج السيسي ومحمد إبراهيم.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://youtu.be/kAkYzmi6fBM” width=”650″ height=”450″ ]

 

العجيب أن الرسول الثاني (محمد إبراهيم) أُقيل لاحقًا على يد الرسول الأوّل (السيسي)!

يُضاف إلى ذلك تصريح سابق لوكيل وزارة الأوقاف، صبري عبادة، الذي قال فيه: “السيسي لو أمر بالقتل، فيجب علينا طاعته وتنفيذ أوامره”، أو ما قاله مفتي الجمهورية الأسبق، الشيخ علي جمعة: “ولقد تواترت الرؤى بتأييدكم من قبل رسولنا محمد بن عبد الله”!

فضلًا عن ذلك كلّه، لا نستطيع إغفال ملامح “النظام الديني” في دولة السيسي، المتجلية عبر ممارسات مؤسساته، والدور الذي يعطيه السيسي لمؤسسة دينية كالأزهر، ثمّ يفتح له المجال عبر وسائل الإعلام وغيرها من طرق الاتصال الجماهيري. هذا، وعيّن السيسي له في البدء من بين مستشاريه، مستشارًا للشؤون الدينية، وهو أسامة الأزهري.

نفسه أسامة الأزهري، الذي خاض نقاشًا حادًا مع إسلام بحيري، والعجيب أن كليهما ينطلقان – علنًا – من نفس المنطلق، وهو ثورة تجديد الخطاب الديني، التي أعلن وشدد ثمّ كرس لها عبد الفتاح السيسي، الأمر الذي جعل العديد من الباحثين يتساءلون عن ماهية ثورة السيسي الدينية، وماذا يقصد تحديدًا بتكراره لجملة “تجديد الخطاب الديني” في معرض التأكيد والحث، محليًا ودوليًا.

هذه المناظرة الشهيرة، والمثيرة للجدل أيضًا، كانت على طرفين، طرف يقول إن بعض النصوص الدينية في الكتب التراثية وبعض التفسيرات، حملت أفكارًا ساهمت في ظهور تنظيمات “إرهابية” مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولذا فيجب التخلص من هذه الكتب والأفكار التي تعزز لها، وعلى ما يبدو فهذا الطرف يدور في فلك شديد القرب من دعوة السيسي لثورة دينية تجدد الخطاب الديني وتصحح المفاهيم والنصوص التي أورثت تنظيمات إرهابية. هذا الطرف الذي مثّله إسلام بحيري في المناظرة، لاقى معارضة شديدة من أسامة الأزهري، رجل الدين الأزهري، ومستشار عبد الفتاح السيسي!

ليس معقولًا أن يكون الفكر الذي نقدسه على مئات السنين، يدفع الأمة بكاملها للقلق والخطر والقتل والتدمير في الدنيا كلها– عبد الفتاح السيسي

إذًا، هل كانت ثورة السيسي الدينية ذات معالم واضحة ومحددة؟ أم مجرد تكريس لدور ديني ذي طابع خاص في نظامه؟

الأزهرية الصوفية فوق الدين!

إجابة السؤال السابق، تقودنا للعروج إلى طبيعة التحالف بين السيسي والصوفية المصرية ومؤسسة الأزهر الدينية، والتي من المعلوم أن للمدرسة الصوفية تأثيرًا كبيرًا عليها، بخاصة في الفترة الحالية، وبزوغ نجم العديد من رجال الدين الأزاهرة المتصوفة، كأسامة الأزهري كمثال رسمي للتعبير عن هذه الحالة.

أولًا: الصوفية والسيسي

بالإضافة إلى اللقاء الشهير بين السيسي ومشايخ الطرق الصوفية، والذي أشرنا إليه سابقًا، خرج رجال الدين الصوفيون بتصريحات تؤكّد تأييدهم من منطلق ديني للرئيس الجنرال، من بين ذلك – على سبيل المثال لا الحصر – سلسلة المؤتمرات الجماهيرية التي عقدها شيوخ الصوفية على مستوى محافظات الجمهورية، إبان الانتخابات الرئاسية في 2014، في إطار دعم عبد الفتاح السيسي، كما أن بعضهم أعرب عن تفاؤله آنذاك لتزامن موعد الانتخابات مع مولد السيدة زينب، فيما رفع آخرون شعار “لا إله إلا الله.. السيسي حبيب الله”!

صورة دعائية للسيسي على مسجد الحُسين في القاهرة (رويترز)

ثانيًا: الأزهر والسيسي

يرى بعض الباحثين أنه لا يمكن رؤية العلاقة بين السيسي والأزهر، إلا من منظور علاقته بالطرق الصوفية، بخاصة وأنّ لجماعة الإخوان المسلمين، العدو الأول للسيسي، باعًا طويلًا داخل أروقة الأزهر، ومنه إلى الشأن العام، والقضايا الفكرية الخلافية التي غالبًا ما كانت الجماعة تعتمد فيها على آراء رجال دين لها من خريجي المؤسسة الأزهرية وعلى رأسهم الآن يوسف القرضاوي، وعبد الرحمن البرّ، الشهير بمفتي الجماعة، بل العديد من متقلدي المناصب داخل الأزهر، كالشيخ حسن الشافعي، يعلنون بوضوح موقفهم الرافض من “الانقلاب العسكري”.

من هنا عمد نظام السيسي، المُتحالف مع التجمعات والأحزاب العلمانية في مصر، إلى تكريس دور الأزهر الصوفي، من خلال إبراز وجوه مثل التي تقدم ذكرها، بالإضافة إلى وضعه الكرة في ملعبهم عبر إعلانهم المنوطين بتنفيذ ثورته الدينية، و”تجديد الخطاب الديني”. وفيما يبدو فإن هذا الدور المُعزز أدى لنتائج عكسية في ثورة السيسي الدينية، مثل أن يكون الأزهر السبب الأوّل في إيقاف نشاط إسلام بحيري، أبرز من انطلق من دعوة السيسي في حديثه عن التراث الإسلامي وربطه بالجماعات “المتشددة والإرهابية”!

شيخ الأزهر أحمد الطيب (رويترز)

وللمزيد من المعلومات الخاصة بتفاعل الأزهر والصوفية مع دعوات السيسي السياسية والدينية على السواء، يمكن الرجوع إلى دور ما يعرف بـ”الاتحاد الدولي لشباب الأزهر والصوفية”، الذي انبرى بقوافل وبعثات داخلية، لعقد مؤتمرات وأنشطة تدعم عبد الفتاح السيسي من جهة، وتساهم في تنفيذ مشاريع “خارطة الطريق” من جهة أخرى.

السيسي: لا يوجد ما يسمى بالدولة الدينية!

1- في يوليو 2014، أطلقت وزارتا الأوقاف والشباب والرياضة حملة قومية لمكافحة ظاهرة انتشار الإلحاد. وصرّح محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، قائلًا: “الملحدون يُشكلون خطرًا على الأمن القومي العربي”!

2- في أبريل 2015، أطلقت مديرية وزارة الأوقاف في أسيوط مبادرة توعوية وتثقيفية لمكافحة خطر الإلحاد. قال وقتها محمد العجمي، وكيل وزارة الأوقاف بأسيوط: “سنعقد ندوات تثقيفية للتوعية بمخاطر الإلحاد والتكفير والفكر المنحرف”!

هذه الفئة (الملحدين) باتت هدفًا لحملات تقودها مؤسسات دينية رسمية مثل الأزهر والأوقاف، رغم أن السيسي وصل إلى سدة الرئاسة على أنقاض حكم الإسلامي محمد مرسي، الذي اتهمه بالسعي لإقامة دولة دينية! – دويتشه فيله

3- قبل ذلك، في يناير 2014، صدر قرار من وزارة الأوقاف المصرية، بتوحيد خطبة الجمعة في كل المساجد على مستوى القُطر المصري. وبحسب وزير الأوقاف، جاء القرار في إطار سعي الوزارة ضم كافة المساجد تحت إدارتها.

أصبح الدين يُستخدم لترويج الإذعان للدولة، إذ بات التحكّم في محتوى خطب صلاة الجمعة، يتمّ بصورة مركزية، ومُنه آلاف ممن يعتبرون من أنصار الإخوان من العمل في المساجد – الجارديان

4- في الفترة ما بين مارس وأبريل 2015، تقدّم الأزهر ببلاغ لإيقاف برنامج إسلام بحيري، الذي أوقف بالفعل. وأصدرت قناة القاهرة والناس، التي كانت تبث البرنامج، بيانًا، تضمن: “احترامًا لفصيل كبير من الشعب، واستجابة للإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، تم وقف البرنامج”.

5- خلال الأسبوعين الماضيين، شغلت قضية كليب “سيب إيدي” الرأي العام، بخاصة بعد إلقاء القبض على نجمة الكليب، واتهامها بـ“التحريض على الفسق، وإثارة الفجور”!

في مصر تحت قيادة السيسي، سيلعب الدين دورًا داعمًا للحكم الاستبدادي، ومبررًا لقمع المعارضة، بخاصة الإسلاميين، وسيحاول السيسي إضفاء شرعية على حكمه من خلال مؤسسات دينية، ما سيعطيها نفوذًا على السياسات المحلية – روبترت إسبرنجبورج، باحث وأكاديمي أمريكي.

نهايةً، ما رأيك أنت؟ هل حقًا لا يوجد ما يسمى بالدولة الدينية؟ هل انتهت في عهد السيسي، أم أنّه كرّس لها؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد