1,758

بعد جولة دامت عدة أيام، حطّت طائرة الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» إلى مطار القاهرة، قادمًا من تشاد التي وصل إليها بعد زيارة كل من رواندا وتنزانيا والجابون. الزيارة التي احتفت بها الصحف المصرية بشكلٍ كبير، واعتبرها برلمانيون زيارة «ناجحة وتحقق أهدافًا كثيرة»، تحمل ما هو أبعد من الجولات الخارجية «الروتينية» لزعماء الدول، إذ تحاول بها القاهرة تحقيق عدة أهداف سياسية واستراتيجية واقتصادية.

السيسي في أفريقيا

نبدأ من نقطة النهاية، تشاد، الجمهورية مترامية المساحة التي تقع وسط القارة السمراء، حيث التقى السيسي في بنجامينا برئيسها «إدريس ديبي». أكد السيسي على عمق العلاقات بين البلدين، مؤكدًا أن مصر «لن تتردد في مساعدة تشاد كونها دولة حبيسة»، وجدير بالذكر أن السلطة في مصر بعد الثالث من يوليو (تموز) 2013، حرصت على إقامة علاقات جيدة مع ديبي، تكلّلت باتفاقات بينها «بروتوكول للتعاون الطبي» بين البلدين وقّعه عن مصر رئيس الوزراء السابق «إبراهيم محلب».

ما الذي يريده السيسي من تشاد؟

تبدو الجغرافيا هي كلمة السر، فإذا عرفنا أن الجمهورية الأفريقية تحدّ السودان من الغرب، وليبيا من الجنوب، وإذا علمنا أن إدريس ديبي – الذي يحكم قبضته على السلطة في بنجامينا – لديه عداوة أصيلة مع الرئيس السوداني «عمر البشير»، إذ يتهم كل منهما الآخر بتقديم الدعم للمعارضة في بلاده، ولأن أحدًا لم يعد يخفى عليه توتر العلاقات بين القاهرة والخرطوم، يمكن إذًا فهم رغبة السيسي في تعميق العلاقات مع تشاد، جريًا على النهج المعروف: «عدو عدوي صديقي».

اقرأ أيضًا: «إخوة أم أعداء؟»: التفاصيل شبه الكاملة للصراع المحتدم بين مصر والسودان

مبدأ «صديق صديقي هو صديقي» يمكن أن يفسِّر أيضًا السعي للتقارب مع تشاد التي كان رئيسها واضحًا في الانحياز إلى محور «دول المقاطعة» في الأزمة الخليجية، فاستدعى سفير بلاده لدى قطر للتشاور، يسعى السيسي إلى تجذير الانحياز التشادي إلى المحور الإقليمي الذي يمثله، سيما فيما يتعلق بالملف الليبي، حيث أبدى ديبي سابقًا «تعاطفه» مع معسكر خليفة حفتر، معتبرًا أن الرجل يمكن أن يكون «حلًا للنزاع» في ليبيا، ولذلك لم يكن من المفاجئ أن يخرج بيان اجتماع السيسي وديبي بفقرة تتضمن ترحيبًا بالحوار الفرنسي الذي جمع الجنرال الليبي برئيس المجلس الانتقالي «فايز السراج».

البُعد الاقتصادي يبدو حاضرًا أيضًا في رؤية النظام المصري، الذي يسعى إلى زيادة التبادل التجاري مع أفريقيا، التي تعتبر سوقًا واعدًا، وتمثل فرصة مهمة في ظل الركود الذي يعيشه الاقتصاد المصري حاليًا، وربما يفسر هذا تخصيص الجابون، وهي بلد صغير المساحة والسكان، بالزيارة، إذ اعتبر السيسي أول رئيس مصري يزور الجابون، وهناك وقِّعت عدة اتفاقات لتعزيز التبادل التجاري وزيادة حجم الاستثمار بين البلدين.

أما رواندا وتنزانيا، وهما اللذان افتتح بهما السيسي جولته، فلا يبدو الهدف الرئيس من زيارتهما خفيًا على أحد، محاولة احتواء تداعيات أزمة سد النهضة التي صارت «صداع» مصر المزمن، وأثره على المصالح المائية التاريخية لمصر في حوض النيل.

اقرأ أيضًا: إثيوبيا بدأت تخزين المياه.. 5 مخاطر ستواجه المصريين في «أيّام العطش»

«قافلة سد النهضة» تسير غير عابئة بشكوى القاهرة

مطلع يوليو الماضي، وعقب جلسة مفاوضات جمعته مع نظيره الأفريقي «وركنا جيبيو»، خرج وزير الخارجية المصرية «سامح شكري» مطالبًا «بتدخل سياسي» يتجاوز النقاشات «الفنية» حول السد، وشدد شكري على أن مصر هي الطرف الذي قد يتضرر من استكمال بناء السد وبدء تشغيله دون أخذ مصالحها بعين الاعتبار.

نتابع ملف سد النهضة متابعة حثيثة، ومسار المباحثات الخاصة به. الاجتماعات الأخيرة على المستوى الفني كانت صعبة، ولن أستطيع أن أقول إننا نرضى عن نتائجها… سامح شكري، وزير الخارجية المصري، في لقاء سابق مع رؤساء الصحف القومية المصرية.

ولأن «الاستجداء» الإعلامي لا يخرج عادة إلا بعد استنفاد كل السبل والقنوات الدبلوماسية، فقد كانت تصريحات شكري مؤشرًا على مدى الفشل الذي منيت به مسيرة التفاوض المصرية مع كل من إثيوبيا والسودان في مسألة السد، ولا يبدو أن نداءات شكري قد لاقت آذانًا مصغية من الإثيوبيين، إذ سرعان ما تلاحقت الأحداث، فقد عمَّت وسائل التواصل أنباء تتحدث عن بدء إثيوبيا في ملء خزان السد من دون التنسيق مع المصريين قبل أن تُنفى تلك الأنباء لاحقًا.

ولم تمرّ إلا أيام قليلة حتى جاء الإعلان الإثيوبي بأن 60% من أعمال البناء في السد قد اكتملت، بما في ذلك «الهيدروميكانيك والإلكتروميكانيك»، وبأن معظم أجزاء المشروع صارت جاهزة للتركيب، وفي حين حمل الإعلان الإثيوبي طمأنة للشركاء – مصر والسودان – بأنها لا تنوي الإضرار بمصالحهما المائية، فإن أديس أبابا قد أكدت أنها «حريصة على تقليل فترة استرداد رأس المال الذي أنفقته في بناء السد، في الوقت الذي تحرص فيه مصر على تطويل هذه المدة».

وقد جاءت تلك التطورات بعد فترة قصيرة من أنباء تحدثت عن فشل وساطات عربية، سعودية تحديدًا، طلبتها مصر لحلحلة الأزمة، ومثلتها زيارة مستشار الملك السعودي أحمد بن عقيل الخطيب إلى إثيوبيا، ولقاؤه رئيس الوزراء «هيلا ماريام ديسالين»، أملًا في دفع أديس أبابا إلى التجاوب مع الطلبات المصرية، وهو ما لم يلقَ تجاوبًا من الجانب الإثيوبي.

هل يخوض النظام المصري المعركة الخطأ؟

ساعات قليلة فقط هي ما فصلت بين المباحثات التي جمعت السيسي بالرئيس التنزاني «جون ماجوفولي»، والتي أكد فيها الأول أن مياه النيل هي مسألة «حياة أو موت بالنسبة لمصر»، وبين تصريح الأخير لاحقًا أن بلاده ستظل متمسكة بمبدأ «نيريري» والذي ينص على عدم الالتزام بالمعاهدات المبرمة في زمن الاستعمار، ومنها المعاهدات المتعلقة بمياه النيل، وأنّ على مصر القبول بتقاسم مياه النيل مع دول الحوض.

يشير ذلك ببساطة إلى أن زيارة السيسي لم تحرك كثيرًا من المياه الراكدة في الموقف التنزاني، وهو يؤشّر بشكل أوسع على فشل مصر في حشد الدعم الأفريقي لقضيتها، في مقابل إثيوبيا التي استغلت الغياب المصري أفريقيًا وإقليميًّا، فنسجت شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية، وتمكنت من إقناع دول حوض النيل بأن مصر تستأثر بثروات النهر.

فيما كانت إثيوبيا تلقي بكافة ثقلها الدبلوماسي والسياسي لإتمام مشروع السد وتمويله، معتبرة إياه «مشروعًا قوميًا» استراتيجيًا للبلاد، كان الموقف المصري أقل قدرة – أو حماسة – لتنشيط تحالفاته لأجل قضية السد، فحليفا القاهرة الأوثق – السعودية والإمارات – هما من أكبر المستثمرين في قطاعات الاقتصاد الإثيوبي، ولم يقم أي منهما باستغلال تلك العلاقة للضغط على أديس أبابا لمراعاة المصالح المصرية، باستثناء الأحاديث عن وساطة خجولة باءت بالفشل كما ذكرنا.

بالمقابل، لم تعبأ القاهرة كثيرًا بخسارة لاعبين إقليميين فاعلين في ملف السد، فمضت في خصومتها مع النظام السوداني في الوقت الذي كانت فيه أديس أبابا حريصة على كسبه إلى صفها، بإغراءاتٍ سياسية واقتصادية، ووعود بإمداد السودان من كهرباء السد.

استغلت إثيوبيا كذلك مضي النظام المصري في معركة أخرى يراها أكثر أولوية، هي التصعيد ضد قطر، التي تتمتع بعلاقات وثيقة في أديس أبابا، ويبدو لافتًا أنه بعد أيام قليلة من اندلاع الأزمة الخليجية، ظهرت إشارات عديدة على تقارب قطري – إثيوبي متعدد المستويات، فزار وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري سلطان بن سعد المريخي إثيوبيا بعد أسبوع على بدء الأزمة، كما استقبلت الدوحة وزير الدفاع الإثيوبي منتصف يوليو الماضي حيث التقى بأمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

مطلع يوليو الماضي، وفي الأثناء التي كانت فيها الخلافات المصرية – الإثيوبية على أشدها بخصوص سد النهضة ودراسات المكاتب الفنية، غادر وزير الخارجية المصري اجتماعات القمة الأفريقية غاضبًا، كان التوقع المنطقي أن سبب ذلك يعود إلى تعثر مفاوضات السد، فهو أهم الأخطار التي تهدد مصر حاليًا، لكن كان مفاجئًا أن السبب الحقيقي لمغادرة الوزير كان فشله في إقناع القادة الأفارقة بالانحياز ضد قطر في الأزمة الخليجية، فقد كانت تلك هي الحرب الحقيقية التي تتصدر أولويات القيادة المصرية.