يبدو أن زيارة السيد” عبد الفتاح السيسي” لألمانيا أثارت – منذ الإعلان عنها – حالة من الجدل داخل الأوساط الألمانية بين مؤيد ومعارض، وبالأخص مع إعلان رئيس البرلمان الألماني إلغاء لقائه مع “السيسي”، في الوقت الذي أيدت فيه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الزيارة وسط ضغوط رافضة من البرلمان وعدد من المنظمات الحقوقية الألمانية والدولية.

وفي هذا التقرير نسلط الضوء على أبرز الأطراف المؤيدة والمعارضة للزيارة، ومبررات كل طرف لموقفه، ومطالب المنظمات الحقوقية، وكيفية تناول أبرز الصحف الألمانية للزيارة، والأجواء المحيطة بالزيارة والمؤتمر الصحفي وأهم ما تم تناوله فيه.

1- لا جدوى من مقابلة “السيسي”

(GERMANY OUT) Dr. Norbert Lammert, CDU, Praesident Deutscher Bundestag  (Photo by ecopix/ullstein bild via Getty Images)

(GERMANY OUT) Dr. Norbert Lammert, CDU, Praesident Deutscher Bundestag (Photo by ecopix/ullstein bild via Getty Images)

“لامرت قرر إلغاء اللقاء مع السيسي، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في مصر بقرار الإعدام (الإحالة للمفتي) الصادر السبت الماضي (16 مايو)، بحق الرئيس محمد مرسي، كما أن السلطات المصرية لم تحدد الانتخابات النيابية منذ فترة طويلة، وتعتقل عناصر المعارضة بدون اتهامات واضحة، بينهم رئيس البرلمان المصري السابق سعد الكتاتني، وقررت إعدام عدد كبير من الأشخاص”     *نوربيرت لامرت رئيس البرلمان الألماني

هكذا أعلن البرلمان الألماني على لسان رئيسه “نوربيرت لامر”” – في نهاية مايو المنقضي – إلغاء زيارته مع “السيسي”، وقال “إن المستجدات الأخيرة في مصر أظهرت بشكل واضح عدم وجود أي تطور ديمقراطي في المجال السياسي، وبالتالي فلم تبق أية أرضية للقاء، ولا أعرف ما سأبحثه مع (السيسي)”، وتطرق “لامرت” إلى أحكام الإعدام والسجن التي طالت عددًا كبيرًا من الأشخاص، بينهم أول رئيس مدني منتخب في مصر، محمد مرسي، قائلًا “إن مؤسسات حقوقية معترف بها دوليًا أعربت عن قلقها حول مشروعية تلك القضايا، واستقلالية المحاكم فيما يخصها”.

وأكد: “لا يمكن التفكير بالتنازل عن حقوق الإنسان من أجل الاستقرار”. ولفت “لامرت” أن النظام الحالي لم يف بوعوده التي أعطاها من أجل عملية المصالحة السياسية والانتخابات، وأنه لم يتخذ أي خطوات جدية بهذا الخصوص، لذلك فلقاء الرئيس المصري لا جدوى منه”.

ويرفض عدد من الخبراء و السياسيين والأحزاب السياسية بألمانيا مقابلة “السيسي”، إذ تعتبر رئيسة كتلة حزب الخضر في البرلمان الألماني، كاترين جورينج-إكارت الاستقبال الرسمي للسيسي،إشارة خاطئة.

ويرى حزب الخضر أن الحكومة الألمانية بددت بهذه الدعوة فرصة الإيضاح للسيسي أنه لن يكون لديه دعم ألماني «إلا عندما يسمح بإجراء انتخابات حرة ونزيهة والبدء في وضع نظام أساسي ديمقراطي للقضاء والقبول ببرلمان يستحق اسم برلمان».

وارتكزت أسباب الرافضين للقاء “السيسي” بسبب أحكام الإعدام وتزايد الانتهاكات لحقوق الإنسان في مصر، وزيادة أعداد القتلى والمعتقلين لمعارضيه بما في ذلك “النشطاء العلمانيين”، وعدم الوفاء بوعوده بعقد الانتخابات البرلمانية التي لم تقم حتى الآن وهي تمثل أهم خطوات ما يوصف بـ”خارطة الطريق”، وكان السبب الأخير أحد أسباب عدم قبول ألمانيا للزيارة وهو ما خرقته “ميركل”، و بالإضافة إلى غلق عدد من منظمات المجتمع المدني في مصر بما في ذلك منظمات ألمانية.

2- الاستثناء

في المقابل لا تمثل مقابلة السيسي مشكلة بالنسبة لرئيس الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي فولكر كاودر، الذي يعتزم مقابلة الرئيس المصري في الفندق الذي سيقيم فيه الخميس.

ويذكر أن حزب” المسيحي الديموقراطي” هو التحالف الذي كانت كلا من المستشارة “أنجيلا ميركل” ورئيس البرلمان الألماني “توربيرت لامرت” ينتميان إليه قبل الوصول لمناصبهما، والأخير يرفض الزيارة التي قبلتها المستشارة الألمانية.

وتتجه المصادر الرسمية الألمانية المؤيدة للزيارة إلى دعم موقفها، تحت عدة أسباب ترتكز في مجملها على كون مصر قد تمثل حليفا مستقرا نسبيًا عن الدول العربية الأخرى في المنطقة بحسبهم.

ودور مصر فيما يوصف بـ”الحرب على الإرهاب” ، بالإضافة إلى الحاجة للدعم المصري لموقف الاتحاد الأوروبي لحل أزمة الهجرة غير الشرعية من السواحل الليبية لأوروبا، إذ يسعى “الاتحاد” إلى طلب تفويض دولي لحل عسكري ضد قوارب الهجرة غير الشرعية بليبيا بعد أسوأ كارثة غرق جماعي في شرق المتوسط.

كما سيتم بحث التعاون الاقتصادي بين البلدين الذي بدأ في المؤتمر الاقتصادي، عندما عقدت شركة “سيمنز” صفقة مع الحكومة المصرية في شرم الشيخ مارس الماضي تقدر بـ4 مليار يورو لمحطات لتوليد الطاقة عن طريق محركات تعمل بقوة الرياح.

3- منظمات حقوقية تضغط على “ميركل”

أصدرت 5 منظمات حقوقية على رأسها “منظمة العفو الدولية” بيانًا مشتركا موجها للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لمراعاة التوصيات الواردة فيه أثناء استقبالها لـ”السيسي”.

وقال البيان: “تشرف الجكومة المصرية في عهد السيسي على أخطر انتهاكات لحقوق الإنسان منذ عقود”، وحث ميركل “بإيضاح خلال اجتماعها بالسيسي على أن طبيعة علاقة مصر بألمانيا تتوقف على اتخاذ السلطات المصرية إجراءات عاجلة لوقف سياسات الحكومة التي تنتهك القانون الدولي ودستور 2014”.

وطلب البيان من ألمانيا “الاستمرار في تجميد نقل السلاح والبنود الأمنية الأخرى التي قد تستخدمها السلطات المصرية في القمع، لحين إجراء السلطات المصرية تحقيقات محايدة وعادلة لمقتل مئات المحتجين على يد قوات الأمن المصرية، وتقديم المسؤولين عن قتلهم للعدالة”.

وقد وقع على البيان أيضًا، المنظمة العالمية ضد التعذيب، والشبكة الأوروالمتوسطية لحقوق الإنسان، ومنظمة ” Front Line Defenders”.

4- الصحف الألمانية: “الجنرال ضيفٌ ثقيل الظل في برلين”

 

أثارت زيارة السيسي لألمانيا اهتماما واسعا من الصحف الألمانية التي اتجهت معظمها للإشارة إلى انتهاكات النظام المصري ضد معارضيه ووصف السيسي ب”الديكتاتور”.

عنونت صحيفة ديرشبيجل الألمانية حول الزيارة: “السيسي في برلين ضيف ثقيل الظل”، ولفتت الصحيفة في تقريرها إلى الرفض البرلماني والحزبي والحقوقي لزيارة “السيسي”.
قالت صحيفة «ميتل دويتشه تسايتونج» إن الزيارة تكتسب أهمية كبيرة خاصة وأن الرئيس المصري “جنرال سابق أطاح برئيس منتخب، بالإضافة لمئات الأحكام الصادرة بحق مئات الإخوان، وكذلك آلاف القابعين داخل السجون، ومطاردة واعتقال الصحفيين، وتشير التقديرات الأولية إلى أن عدد المسجونين يبلغ 41 ألفًا بين معتقل ومُدان ومن ينفذ العقوبة منذ تولي السيسي للحكم، بالإضافة لعمليات التعذيب التي تقوم بها عمليات الأمن ولا تُعاقب عليها”.

ورأت الصحيفة، أن «الحوار بين القاهرة وبرلين يمكن أن يظل قائمًا باعتبارها ممثل إقليمي جوهري بغض النظر عن الاختلاف في وجهات النظر السياسية، إذ تشهد منطقة الشرق الأوسط صراعات عديدة ومصر تمثل لاعبا أساسيا في المنطقة».

فيما قالت إذاعة “باضن” عن زيارة “سيسي”، إن ألمانيا تستقبل “ضيفا ثقيلا على الحكومة الألمانية”، مضيفة: “فبالرغم من استقبال برلين له على البساط الأحمر إلا أنها تستقبله بفتور”.

ونقلت الإذاعة، تصريحات عن “السيسي” وقال فيها: “مصر تحتاج من 25 إلى 30 عامًا لأجل تطبيق الديمقراطية”، مضيفة: “وهذا سبب كاف لرفض رئيس البرلمان الألماني مقابلة الرئيس السيسي”.

وتحت عنوان “مصر بعيدة عن الديمقراطية”، قالت صحيفة “وست كوربر” إن إرجاء الحكم بالإعدام على الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، كان متوقعًا على خلفية زيارة الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي لألمانيا، مضيفة: «ومن ثم وضع القضاة في اعتبارهم الأجندة السياسية، وهو دليل على عدم استقلال القضاء بعكس ما يزعم السيسي»، بحسب قولها.

ووصفت الصحيفة أحكام الإعدام ضد”المعارضين “بـ”أحكام افتقرت للمعايير القانونية”، ورأت أنه تحت “مبرر محاربة الإرهاب” يتم سجن وقتل المعارضة بزعم الحفاظ على أمن الدولة، وإقناع الحكومات الغربية بذلك.

وصحيفة “زود دويتشه تسايتونج” الألمانية، وصفت “السيسي” بـ”الديكتاتور”، و”رئيس دولة البوليس”، وقالت الصحيفة: “زيارة تشرّف السيسي لكنها تضر بكل من ألمانيا ومصر، وذلك لأن عبد الفتاح السيسي يلعب لعبة مزدوجة: فهو يعمل في داخل مصر ضد الغرب وفي الوقت نفسه يحتاج مساعدات من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي”.

قالت وكالة الأنباء الألمانية، إن حكومة برلين ترددت في توجيه دعوة للرئيس عبدالفتاح السيسي لزيارة ألمانيا لفترة أطول مقارنة ببعض الحكومات الأوروبية الأخرى، ووصفت الوكالة السيسي بـ”الضيف الصعب”.

وأضافت الوكالة أنه يبدو أن إصرار الحكومة الألمانية على مد البساط الأحمر للسيسي يأتي في إطار السياسة الواقعية، لأن بوادر التفكك التي تظهر حاليا في دول عربية مثل سوريا أو اليمن أو ليبيا ستجعل التعامل مع أي نظام لا يزال متماسكا أمرا مرحبا به حتى لو لم يكن على قمته قيادة ديمقراطية.

5- أخيرًا .. الزيارة

 

احتشد المؤيدون للسيسي لاستقباله، على رأسهم وفد من الفنانيين المصريين، والإعلامي المصري أحمد موسى الصادر ضده حكم نهائي بالحبس سنتين في قضية “سب وقذف”.

“ممثلون محترفون يمثلون دور الشعب المصري أمام عدسات الصحافة الغربية. ألهذه الدرجة أصبحت الوطنية مادة إعلامية رخيصة؟ ألهذه الدرجة نحتاج لممثلين محترفين كي يمثلوا دور الشعب السعيد في عمل درامي فاشل لا يصدقه ولا يقبله أي عقل؟ و هل يعقل أن يكون في الوفد ناس صدر بحقها أحكام قضائية بالإدانة في قضايا أخلاقية؟ نفس المسرحية الهزلية تكررت في زيارة نيويورك وكنا محط سخرية من الجميع .. سيدي الرئيس الوجود المتكرر للممثلين في المشهد السياسي يعني أن كل ما نمر به مجرد مسرحية”        *عصام حجي

هكذا عبر عصام حجي – المستشار العلمي السابق للرئيس المؤقت عدلي منصور – عن استيائه من ذلك، وقال في منشور له على “فيس بوك”: «أكيد الخبر ده غلط، وأكيد الوفد المصري هيكون فيه متخصصين في مجالات مختلفة من العلوم؛ للاستفادة من العقول المصرية بألمانيا»”.

وأضاف “برحمتك يارب اصطفيت شهداء الثورة لجنتك، ذهبوا من أجل حلم جميل، وتركتنا في كابوس مزمن، لا نفيق منه إلا على نغمات طبول الحرب في قاع مستنقع الفشل”، على حد وصفه.

وفي المقابل احتشد المعارضين للسيسي أمام فندق “أدلون” مما دفع “السيسي” للدخول من الباب الخلفي للفندق بدلا من الباب الرئيسي تحاشيًا لمواجهة المحتجين المحتشدين أمام الفندق، والذين ارتدوا قمصانًا عليها “شعار رابعة” ورددوا هتافات منددة له.

أهم ما جاء في المؤتمر الصحفي

 

تناولت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مشاوراتها مع ضيفها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب في سيناء إلى جانب ملفات حقوق الإنسان، وأحكام الإعدام بالإضافة إلى التعاون الاقتصادي بين البلدين.

صفقة تاريخية

أبرمت شركة سيمنز الألمانية مع مصر أكبر تعاقد في تاريخ الشركة لإنشاء محطات توليد كهرباء تعمل بالغاز والرياح بلغت قيمتها 8 مليار يورو، “ستزيد إنتاج الكهرباء بنسبة 50%” وفقا لسيمنز.

السيسي يبرر أحكام الإعدام

عبرت “ميركل”عن قلقها بشأن أحكام الإعدام التي أصدرتها محاكم مصرية ضد معارضين للنظام.
وقال السيسي: “بالنسبة لأحكام الإعدام .. الديمقراطية تقول إننا نحترم وجهة نظركم وأنتم تحترمون وجهة نظرنا .. وأقول إننا نحترم القضاء المصري ولا نستطيع وفقا للقانون أن نعقب على الأحكام .. ولكن يمكن أن نوضح أن قرارات إحالة أوراق أي قضية للمفتي تعني استطلاع رأي المفتي وما إذا كانت تستحق من الناحية الشرعية الحكم عليها بالإعدام … أحكام الإعدام الصادرة في غالبيتها أحكام غيابية وتسقط بحكم القانون فور مثول المحكوم عليه أمام المحكمة .. كما أؤكد أن هذه المرحلة هي الأولى من مراحل التقاضي”. وأضاف: “تحدثنا معا كثيرا عن الحرية والديمقراطية .. أعترف أن هناك قصورا في مصر”.

جاء “مرسي” بانتخابات نزيهة

“بعد انتخاب الرئيس السابق محمد مرسي…” هكذا ترجم التلفزيون المصري سؤال أحد الصحفيين الأجانب وتوقف المترجم فجأة عن الكلام وسط حديث الصحفي، ليقر “السيسي”: “الرئيس الأسبق محمد مرسي انتخب رئيسا لمصر بـ 51 بالمائة فقط من أصوات الناخبين”، مضيفا بالقول: “الشعب المصري لم يجد طريقة أخرى لنزع الشرعية عنه إلا بالخروج للشارع”.

السيسي قاتل .. تحيا مصر

حاولت طالبة بالطب تسمى فجر العدلي – إحدى المعارضات للسيسي – طرح سؤال خلال المؤتمر الصحفي ولم تأخذ الفرصة لذلك مما دفعها في آخر المؤتمر بالهتاف “السيسي قاتل”، ليرد صحفيون مصريون مؤيدون للسيسي: “تحيا مصر”.

المصادر

تحميل المزيد