«عندما لا تدفع ثمن سلعة ما، فاعلم أنك أنت السلعة»، ربما مرت هذه الجملة على البعض، وربما عدها البعض نوعًا من المبالغة تجاه هذه المواقع والتطبيقات التي تمنحنا منتجات مجانية لا يمكن أن نستغني عنها في حياتنا. هل يمكنك أن تستغني عن «فيسبوك» أو البريد الإلكتروني أو خرائط جوجل؟ هذا أمر لا يمكن تخيله بالتأكيد.

هناك الكثير من الانتقادات الموجهة لشركة مثل «فيسبوك» فيما يتعلق باستغلالها لبيانات العملاء وبيعها لشركات الإعلانات. هذا الأمر قد لا يهم كثيرًا من العملاء على هذه المنصة الكبيرة، خصوصًا أنك تعتقد أنك تتحكم في بياناتك التي تريد لها الظهور للعامة، لكن «فيسبوك» لا يفكر بهذه الطريقة، هو يستغل كل بياناتك وبشكل «قانوني» نتيجة موافقتك على سياسة الخصوصية منذ بداية الاشتراك بالموقع.

للأسف، «فيسبوك» ليس الوحيد الذي يسطو على بياناتك الشخصية ويبيعها لمن يدفع المقابل، إذ بدأت العديد من المواقع والتطبيقات الذكية فعل هذا الأمر، إلى الحد الذي يجعلك تشك – حرفيًّا – في كل موقع أو تطبيق يقدم لك خدمة مجانية، مهما كانت. هذا التقرير سيتطرق إلى بعض أبرز هذه الجهات التي تستغلك دون أن تشعر.

1. مواقع الصحة النفسية.. يستغلون ضعفك!

تشارك مواقع الصحة العقلية بيانات المستخدم مع المعلنين، بما في ذلك نتائج اختبارات الاكتئاب. هذا يعني أنه يمكن استهداف الأشخاص الذين يسعون للحصول على معلومات طبية أو المساعدة في حالات الصحة العقلية عن طريق الإعلانات، بينما قد يكونون ضعفاء صحيًّا وعقليًّا. هذا يبدو استغلالًا سيئًا بالفعل.

اطلع إليوت بيندينيلي من شركة «Privacy International» في لندن وزملاؤه على 136 من أشهر مواقع الويب في المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، التي توفر الموارد والمعلومات المتعلقة بأمراض الصحة العقلية. وجد الباحثون أن 76% من هذه المواقع تحتوي على متتبعات تسويق من أطراف ثالثة. هذه الأطراف تجمع معلومات عن المستخدم، ويمكنها تتبعك أثناء تصفح مواقع أخرى، ثم دمجه في ملف تعريف مفصل خاص بك.

Embed from Getty Images

(كل خدمة مجانية مرتبطة غالبًا ببيع البيانات الشخصية)

ووجد الباحثون أن العديد من هذه الصفحات تحتوي على متتبعات من «جوجل»، و«فيسبوك»، و«أمازون»، والتي تتبادل المعلومات بين وسطاء البيانات (الشركات التي تجمع المعلومات وتبيع الملفات الشخصية الفردية إلى المنظمات الأخرى) وشركات الإعلان. وذكر الفريق البحثي أنه من المستحيل تقريبًا البحث عن معلومات والمساعدة بشأن الاكتئاب دون معرفة المعلنين.

وأوضح الفريق البحثي أن المعلنين يستغلون الشعور السيئ الذي يمر به من يعاني من الاكتئاب، والذين يكونون في أضعف حالاتهم، من أجل تقديم منتجاتهم. يمكن أن يكون الإعلان الموجه للشخص المكتئب بهذه الصورة «شعورك منخفض اليوم؟ إليك بعض حبوب الحمية».

المعلنون يستهدفون المستخدمين استنادًا إلى بياناتهم الشخصية، مثل عنوان «IP»، وموقعه، والموقع الذي يزورونه. تحتوي بعض المواقع أيضًا على عروض أسعار في الوقت الفعلي، إذ تستخدم المعلومات، بما في ذلك محتوى الصفحة وعنوان «URL»، لعرض الإعلانات ذات الصلة على الصفحة فورًا.

ووجد الباحثون أن عدة مواقع ويب بها استبيانات حول الاكتئاب، خزنت إجابات المستخدمين ومشاركتها مع جهات خارجية. فعندما حلل الباحثون موقع خدمة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة لأول مرة في سبتمبر (أيلول) 2019، وجدوا أن اختبار التقييم الذاتي للمزاج شارك الإجابات الفردية، وعشرات الاختبارات الأخرى، عنوان «URL » للاختبار مع شركة «Adobe» لأغراض التحليل.

يبدو هذا مثالًا واضحًا لإساءة استخدام ثقة الناس. فبموجب اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي، يتعين على مواقع الويب والتطبيقات الحصول على موافقة قبل تتبع المستخدمين. وتعد البيانات المتعلقة بالصحة البدنية أو العقلية «فئة خاصة»، ولا يمكن معالجتها إلا بموافقة صريحة أو لأسباب أخرى ذات صلة. وأوضح الباحثون أن البيانات التي يجمعها السماسرة يمكن استخدامها في المستقبل للتأثير على أقساط التأمين للفرد، أو القدرة على الحصول على رهن عقاري.

2. الدورة الشهرية للمرأة..  أنتِ مستهدفة

الآن أصبحت صحة المرأة «رقمية». فقد شهدت السنوات القليلة الماضية طفرة في منتجات وخدمات تكنولوجيا الصحة النسائية. ولكن مع بدء هذه الصناعة، يشعر البعض بالقلق من أن وعد الرعاية الشخصية يأتي على حساب خصوصية المرأة. تدير هذه المنتجات سلسلة كاملة لكل ما يتعلق بالصحة الإنجابية، بما في ذلك وسائل منع الحمل، والخصوبة والحمل. من بين التطبيقات والأجهزة في هذا المجال تلك الأجهزة الخاصة بتتبع الدورة الشهرية، ومضخات الثدي، والأجهزة الخاصة بعمليات تدريب منطقة الحوض.

Embed from Getty Images

أصبح مصطلح «femtech» شائعًا الآن لوصف تكاثر المنتجات والشركات الناشئة التي تنشأ حول حل احتياجات النساء الخاصة. عام 2012، جذبت هذه الشركات 57 مليون دولار من التمويل. ارتفع هذا الرقم إلى 392 مليون دولار عام 2018، وشاركت معها شركات التكنولوجيا الكبرى. قدمت شركة «Apple» تقنية تتبع الدورة الشهرية لأجهزة أيفون عام 2015، كما أضافت تقنية «Fitbit» لتتبع صحة الإناث إلى ساعاتها في 2018.

بعض التطبيقات الخاصة بتتبع الدورة الشهرية مثل «Clue» أصبح لها 11 مليون مستخدم نشط شهريًّا. تتيح هذه التطبيقات للنساء تتبع التفاصيل الحميمة، بما في ذلك الحيض، والنشاط الجنسي، ومخاط عنق الرحم، والحالات المزاجية والآلام. يمكن استخدامها لمراقبة درجة خصوبة أولئك الذين يحاولون الحمل، أو لمنع الحمل، وبعض هذه التطبيقات معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، والذي أظهر أنه أكثر فاعلية من العوازل الذكرية التي تستخدم بشكل نموذجي.

يبدو كل هذا جيدًا حتى الآن، إذ من الواضح أن هذه الأدوات تساعد النساء اللائي يستخدمنها، ولكن من يستفيد منها في المقابل؟ النمو الهائل في هذا المجال وتدفق كثير من رأس المال نحو هذه التطبيقات تقول إن المعلومات التي يجمعونها لها قيمة في الصناعات المتعلقة بالخصوبة والطب الإنجابي.

لكن النطاق الذي يحدث به جمع البيانات الحميمة يثير أيضًا مخاوف بشأن انعدام الشفافية في كيفية تخزينها ومشاركتها. وتشارك بعض من هذه التطبيقات المعلومات مع أطراف ثالثة. ففي أبريل (نيسان) 2019، أعلن مكتب مفوض المعلومات في المملكة المتحدة أنه فرض غرامة على شركة «Bounty UK»، وهو موقع للحمل والأبوة يتضمن تطبيقًا مصاحبًا، بقيمة 400 ألف جنيه إسترليني لمشاركته معلومات شخصية بطريقة غير قانونية، حول 14 مليون شخص. قدمت الشركة بيانات عن الأمهات الجدد، والنساء الحوامل والرضع.

العديد من التطبيقات الصحية تشارك بيانات المستهلك بطريقة قانونية. درس باحثون 24 تطبيقًا من أفضل التطبيقات التي يستخدمها المهنيون الطبيون، وعامة الناس للأدوية والوصفات الطبية. وجدوا أن 19 منها يبث بيانات المستخدم خارج التطبيق، بما في ذلك إلى أطراف ثالثة. كما أعلنت هذه الجهات الخارجية عن القدرة على مشاركة بيانات المستخدم مع 216 «جهة رابعة»، بما في ذلك شركات التكنولوجيا والإعلانات الرقمية.

تكنولوجيا

منذ 7 شهور
هل تستطيع شركة «جوجل» حماية بيانات المصريين بعد عودتها إلى مصر؟

3. المواقع الإباحية.. أنت لست مخفيًّا

هل تعلم أن أكثر من 90% من المواقع الإباحية تسرب بيانات عن الأشخاص الذين يتصفحونها إلى شركات خارجية، بما في ذلك «فيسبوك» و«جوجل»؟ هذا صحيح. حلل باحثون 22500 موقق إباحي حول العالم، ووجدوا أن تتبع المستخدمين «متوطن» ويشكل «مخاطر على الخصوصية والأمن على نطاق واسع». ورغم أن هناك عملية تتبع من قبل الشركات الإعلانية وغيرها من الشركات على نطاق واسع داخل العديد من المواقع الإلكترونية، لكن الفريق البحثي يحذر من أن بيانات المواقع الإباحية، قد تكشف عن التضحية بمعلومات فريدة من نوعها عن تفضيلات المستخدم الجنسية دون موافقة وترسلها للشركات.

تبدو عواقب تتبع عناوين «URL» التي زرتها دون موافقتك وخيمة. فبعض المواقع الإباحية تُسرب بيانات في المتوسط ​​إلى سبعة مواقع وشركات وخدمات مختلفة، معظمها لا ترتبط بالإباحية. ويتتبع «جوجل» 74% من هذه المواقع الإباحية، وعملاق التكنولوجيا الأمريكي «أوراكل» 24%، و«فيسبوك» 10%.

وأوضح الباحثون أن أقل من خُمس المواقع لديها سياسات خصوصية أمكن للفريق استخراجها. من بين أولئك الذين لديهم سياسة، فإن عُشر المواقع فقط هي التي أدرجت سياسات تعقب بيانات الأشخاص لأطراف ثالثة، والتي يقول الباحثون إنها تعني أن المستخدمين ليس لديهم وسيلة لمعرفة الشركات التي لديها «مجموعة كبيرة من البيانات» حول استخدامهم للمواد الإباحية. أهم ما في الأمر هنا هو أن شركات التكنولوجيا تعرف أنها تجمع هذه البيانات، ويفترض أن تكون هي المسؤولة عن الحصول على موافقة المستخدم، وهو ما لا يحدث بالطبع.

4. «جوجل».. العملاق في قفص الاتهام

تستخدم شركة «جوجل» بطريقة سرية صفحات ويب مخفية لإرسال البيانات الشخصية لمستخدميها إلى المعلنين، وهو ما يقوض سياساتها الخاصة، ويتجاوز قوانين الخصوصية في الاتحاد الأوروبي، التي تتطلب موافقة وشفافية. جاءت هذه الاتهامات بعد أدلة جديدة قدمت للتحقيق في سبتمبر 2019 من قبل منظمة البيانات الأيرلندية، التي تشرف على أعمال «جوجل» في أوروبا، والتي تتهم الشركة «باستغلال البيانات الشخصية دون سيطرة كافية أو قلق بشأن حماية البيانات».

وتبحث التحقيقات فيما إذا كانت «جوجل» تستخدم بيانات حساسة، مثل العرق والصحة والميول السياسية لمستخدميها، لاستهدافهم بالإعلانات. وتكشف الأدلة الجديدة عن صفحات ويب سرية ترسل البيانات الشخصية للمستخدمين «المشترون المعتمدون» أو (Authorized Buyers)، وهي أكبر دار مزادات إعلانات في العالم في الوقت الفعلي، إذ تبيع مساحة عرض على مواقع الويب عبر الإنترنت.

جوجل

باستخدام عملية التعقب من «جوجل»، الذي يعتمد على موقع المستخدم ووقت التصفح،يمكن  للشركات مطابقة ملفاتهم الشخصية وسلوك تصفحهم للإنترنت مع ملفات التعريف من الشركات الأخرى؛ لاستهدافهم بالإعلانات. هذه الممارسة مخفية بطرق مختلفة، أبرزها الطريقة الأساسية التي تعتمد على إنشاء جوجل صفحة فارغة لا يراها المستخدم أبدًا، لا تحتوي على محتوى، لكنها تسمح للأطراف الثالثة بالتطفل على المستخدم.

ومن خلال تزويد المشترين المحتملين بمثل هذا المستوى من الاستهداف، يمكن أن تحصل «جوجل» على ميزة تنافسية كبيرة على حساب الشركات الأخرى التي تدير الإعلانات. حاليًا، من المفترض أن قواعد «جوجل» تمنع المشترين من الإعلانات من مطابقة ملفات التعريف المتباينة على المستخدم نفسه. وعام 2018، أعلنت «جوجل» أنها لم تعد تشارك معرفات ملفات تعريف الارتباط المشفرة في طلبات عروض الشراء مع المشترين في سوق «المشترون المعتمدون» بوصفه جزءًا من التزامهم المستمر بخصوصية المستخدم. لكن هذا لم يكن صحيحًا.

5. وسائل التواصل الاجتماعي.. «فيسبوك» على القمة

عبر تحقيق أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، قبض على «فيسبوك» متلبسًا مرة أخرى بسبب ممارسات خصوصية البيانات الخاصة به. فقد كشفت الصحيفة نهاية عام 2018 عن تفاصيل جديدة حول طرق مشاركة الشبكة الاجتماعية الأكبر في الوصول إلى بيانات المستخدمين ومشاركتها مع شركات التكنولوجيا الأخرى، بما في ذلك «أمازون»، و«أبل»، و«مايكروسوفت»، و«سبوتيفاي»، و«ياندكس».

وكالعادة دافعت «فيسبوك» عن هذا السلوك. وقالت إنها لم تمنح الآخرين الوصول إلى البيانات الشخصية دون إذن من المشتركين، ولم تر أي دليل على إساءة استخدام البيانات. ومع ذلك، فقد أقرت مرة أخرى بأنه كان ينبغي عليها منع الأطراف الثالثة من الاستفادة من بيانات المستخدمين، بعد إعلانها علنًا أنها أنهت هذه الامتياز لأسباب أمنية.

وتشمل الأمثلة المقدمة من صحيفة «نيويورك تايمز» السماح لمنتجات الآخرين بالقدرة على قراءة الرسائل الخاصة بالمستخدمين، ومعرفة الأسماء، وتفاصيل الاتصال وأنشطة أصدقائهم. ويأتي هذا الكشف بعد سلسلة من الفضائح التي طالت «فيسبوك»، بما في ذلك فضيحة «Cambridge Analytica» الشهيرة، وفضيحة التحريض على العنف في ميانمار، والأدلة على التدخل الروسي والإيراني في الانتخابات الأمريكية، والعديد من الأخطاء الأخرى التي تسببت في كشف البيانات.

دولي

منذ 5 شهور
كيف حول مارك زوكربيرج «فيسبوك» لديكتاتورية مستبدة؟

المصادر

تحميل المزيد