طريق السُمُوِّ الروحيّ لا يُسلَك بقطع المسافات، بل بمفارقةِ النفس ولو خطوة، لكن هذا لا يمنع أن يكون للجسد أيضًا نصيبٌ؛ يرتحل فينصَب ليرتقي. والرحلات الروحية، وإن اختلفت وجهتها ودوافعها وطبيعتها، باختلاف الأديان والملل والنحل والمذاهب الداعية إليها، إلا أنها تتشابه جيمعها في مراحل ستة: الشوق -التجرُّد – الرحلة – التأمل – اللقاء – العودة. 

توقٌ غامض لاستدعاءٍ عُلويّ، يدفع المرء إلى التخلي طواعية عن أهم التزاماته اليومية. وليس بمقدور الشخص أن يُحَلِّق في سماء الحرية، إلا عندما يتحرّر من التزاماته الدنيوية. حينها فقط تبدأ الرحلة التي تجتازه عمقًا، بقدر ما يقطعها طولا، فيتحوَّل الدرب المادي إلى معراجٍ روحي، يؤهل المرتحل للحظة اللقاء المهيبة، بعد شدة الكدح وطول الترقب وعميق الشوق. ثم لا تنتهي الرحلة بحط الرحال على شاطئ الوطن، بل تستمر الروح في التحليق، تواصل استكشاف ما تكشّف لعين القلب من أسرارٍ وتجلَّى من معانٍ.. إنها ليست النهاية، بل بداية أخرى.

صحيحٌ أن لا رحلة مثل الحج إلى الكعبة، بما يقف وراءها من إرثٍ تاريخيّ تمتد جذوره لتصافح الملائكة، مرورًا بآدم أبي البشر، وإبراهيم وإسماعيل، وقصي بن كلاب وعبدالمطلب بن هاشم، وعبدالله بن الزبير والحجاج بن يوسف الثقفي، والسلطان مراد الرابع والملك خالد بن عبدالعزيز، وبالنظر إلى تنوع زوارها الذين يتدفقون في التوقيت ذاته من كل عام فيجتمعون في صعيدٍ واحد على اختلاف ألسنتهم وألوانهم. بيدَ أن «كعبة المسلمين» ليست الوجهة الوحيدة التي يحج إليها البشر، بل هناك وجهات أخرى «مقدسة» سواء في أعالي الجبال أو عند التقاء الأنهار، يشد أصحابها إليها الرحال، ويتكبدون في سبيل زيارتها الصعاب، من أمثلتها ما يلي.

معبد بود غايا.. محل ميلاد البوذية

نحن الآن في عام 530 ق.م، وها هو الأمير الشاب سيدارتا كاوتاما «بوذا» عند ضفاف غابات نهر پالكو، بالقرب من مدينة كايا الهندية، جالسًا تحت شجرة تين، لا يدرك أنها ستشتهر لاحقًا باسم «شجرة الاستنارة»، نسبة إلى حالة اليقظة الكاملة التي سيصل إليها بعد تأمُّلٍ دام ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ.

بعدما وصل إلى النيرفانا، ظل بوذا في هذا المكان لمدة سبعة أسابيع يفكر في مستقبله، وكاد يتراجع عن فكرة أن يصبح معلمًا دينيًا، متهيبًا من صعوبة إيصال الإدراك العميق الذي اكتسبه للآخرين، لولا أن أحد الآلهة (تذخر البوذية بعدد هائل من الآلهة) قرر من باب الشفقة نشر تعاليمه (الدارما) للعالم. 

مرت قرون وقرون، وأصبحت المساعي التبشيرية تحيط بالكوكب الأرضي، وفي عام 1953 تنازلت الحكومة الهندية للبوذيين عن رعاية معبد بود غايا (مكان التيقظ الروحي)، حيث تقع شجرة البودهي التي تنزلت الاستنارة على بوذا وهو جالس تحتها. والبوذيون لا يحجون فقط إلى هذا المكان المقدس عندهم، بل يأملون أن العالم كله في يوم من الأيام سيأتي أخيرًا للتلمذ على يد «المتنوِّر».

وبينما الرهبان البوذيون جالسون في يوليو (تموز) 2013 داخل المعبد، الواقع على بعد  110 كلم جنوب عاصمة ولاية باتنا والمدرج على لائحة «منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)» منذ عام 2002، إذ هم يباغتون بانفجارات أصابت اثنين منهم بجروح، لكن سوءًا لم يصب الشجرة التي يعتقد أن بوذا بلغ الاستنارة تحتها، وتعتبر الوجهة الأكثر شعبية للسياح والحجاج البوذيين، خاصة ليلة اكتمال القمر في شهر فايساخ من التقويم السيخي -أبريل (نيسان)-مايو (أيار)-.

شيكوكو.. مسقط رأس الراهب كوبو دايشي

شاءت الأقدار أن تكون شيكوكو أصغر الجزر الرئيسية الأربع في اليابان وأقلها سكانًا هي مسقط رأس الراهب والمعلم كوبو دايشي، أكثر الشخصيات احترامًا في المدرسة البوذية اليابانية. 

باعتبارها المركز الرئيس لـمذهب شنغون، أحد أقدس المذاهب في اليابان، تتيه شيكوكو فخرًا على بقية 3 آلاف جزيرة تشكل أرخبيل اليابان، وتقف بشموخ بين الجزر الثلاث الأخرى الرئيسية وهي: هونشو، وهوكايدو، وكيوشو.

يرتدي الحاج ثوبًا أبيض، ويتكئ على عصا من نوع خاص، ويسير على قدميه 40 يومًا تقريبًا ليستطيع زيارة المعابد المنتشرة في أنحاء الجزيرة، والتي يبلغ عددها 88 معبدًا وهو نفس عدد «العواطف الشيطانية في البشر»ـ  وكلما حطّ الزائر رحاله على شاطئ مَعبَد، ترك بطاقته الشخصية، وأضاء شمعة، وحرق البخور، وقدَّم بين يدي صلاته تبرعًا ماديًا، ثم يكمل رحلته باتجاه عقارب الساعة.  

وشيكوكو في نظر أهلها «هي اليابان القديمة الفعلية، التي ربما لم تعد توجد في أي مكان آخر من أنحاء الأرخبيل. وبينما أصبحت معظم اليابان قلعة صناعية فقدت جمالها الطبيعي وحياتها التقليدية، فإن شيكوكو احتفظت بأصالتها».

كومبه ميلا.. التبرُّك بقطرات رحيق الخلود المقدس

تعود الأسطورة إلى آلاف السنين، وتحديدًا في الفترة الفيدية، عندما توصلت الآلهة والشياطين إلى اتفاق مؤقت يقضي بالتعاون على خض رحيق الخلود في محيط اللبن الأولي وتقسيمه بالتساوي بينهم. لكن عندما ظهرت الكومبه (أي: القارورة) التي تحوي الرحيق؛ هربت الشياطين بها، ولحقت بها الآلهة. ولمدة 12 يومًا وليلة خاضت الآلهة والشياطين معركة في السماء على القارورة. 

خلال المعركة سقطت نقاط من الرحيق على أربعة أماكن، أصبحت منذ ذلك الحين مزاراتٍ مقدسة يحج إليها عشرات الملايين من الرجال والنساء كل 12 سنة، لأداء الصلاة وتقديم البخور والتمسُّح بالرماد.

أوسون-أوسغوبو.. مهرجان إلهة الخصوبة في نيجيريا

على شرف إلهة الخصوبة والماء «أوسون»، يُقام سنويًا مهرجان في أوسغوبو جنوب غرب نيجيريا؛ لتجديد العقد بين البشر والسماء؛ حيث تحل بركات أوسون على المجتمع في مقابل تكريم بستانها المقدس، وهي غابة مدرجة على قائمة «اليونسكو» للتراث العالمي منذ 2005.

هذا الاحتفال جزء من التقاليد الدينية لدى اليوروبا، أكبر المجموعات العرقية في نيجيريا، التي بدأت في غرب أفريقيا وأصبحت أحد أكبر 10 ديانات في العالم، ويبلغ عدد أتباعها قرابة 40 مليون شخص.

في الماضي؛ كان يُضحّى بالفتيات لجلب الازدهار والخصوبة لأبناء العرقية، بيد أن دورهن حاليًا بات يقتصر على تقديم الدجاج المذبوح في النهر المقدس، بينما يتدفق عشرات الآلاف لدق الطبول وإطلاق النار من بنادق قديمة يتردد صداها في جنبات المدينة.

«ذهب السعودية الأبيض».. اقتصاد الحج في عهد ابن سلمان

كامينيو دي سانتياغو.. طريق القديس يعقوب

تقول الأسطورة: إن رفات القديس يعقوب بن زبدي نُقِلَت على متن قارب من القدس إلى شمال إسبانيا، حيث دُفِنَ في مدينة سانتياغو دي كومبوستيلا. لتنشأ على أثرها أحد أهم مسارات الحج المسيحي لنيل الغفران خلال العصور الوسطى إلى جانب روما والقدس.

تربط هذه الشبكة من طرق الحج، والمعروفة باسم كامينيو دي سانتياغو، أو طريق القديس يعقوب، بين مختلف أنحاء أوروبا ومقام القديس يعقوب في كاتدرائية سانتياغو دي كومبوستيلا في غاليسيا شمال غرب إسبانيا.

تستغرق هذه المسيرة 10 ليالٍ، عبر الشمال الإسباني مرورًا بمنطقة جبال البرانس الباسكية وسهول قشتالة وجاليسيا. بيدَ أن أهميته تراجعت بسبب عوامل تاريخية، مثل وباء الطاعون الذي اجتاح أوروبا بين عامي 1347 و1352، وحركة الإصلاح البروتستانتي التي قامت في القرن السادس عشر لإصلاح الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا الغربية، والاضطرابات السياسية التي شهدتها أوروبا في ذلك الحين. 

كومانو كودو.. مسارات الحج اليابانية

نحن الآن في شبه جزيرة كيى، الموطن الأول لديانة الشنتو ومقر العديد من الأضرحة البوذية لأكثر من 1500 عام، حيث تمتد مسارات الحج القديمة «كومانو كودو» لأكثر من 600 كيلو متر، التي تبدأ عادة بمدينة كيوتو وتؤدي إلى العديد من المزارات والمعابد والأماكن المقدسة الأخرى.

أدرجت مسارات «كومانو كودو» على قائمة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» في عام 2004، لتنضم إلى كامينيو دي سانتياغو (طريق القديس يعقوب)، وهي تضم ينابيع حرارية يُعتقد أنها من أقدم الينابيع الأرضية في اليابان.

«كومانو مكان لولادة جديدة للعقل والروح. التجديد الذي نعيشه هنا، يؤدي إلى انطلاقة جديدة نحو حياة جديدة»، هكذا يصف ليتاكا كوكي تجربته باعتباره رئيس الكهنة في ضريح كومانو هونجو.

لوردز.. البحث عن الشفاء على خُطا القديسة برناديت

في بلدةٍ متواضعة في جنوب غرب فرنسا، زعمت فتاة قروية تبلغ من العمر 14 عامًا، تدعى برناديت سوبيروس، أنها قابلت العذراء مريم 18 مرة. منذ حدث ذلك في عام 1858، أصبحت لوردز أحد أقدس مواقع الحج الكاثوليكية في العالم، يزورها سنويًّا أكثر من 3 ملايين حاج يبحثون عن الشفاء في مياهها المقدسة.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتاد الجنود من جميع أنحاء العالم على زيارة بلدة لوردز؛ سعيًا وراء الشفاء وأيضًا من أجل لقاء زملائهم، في تجمعٍ فريد يستمر أسبوعًا، يُعرف باسم «الحج العسكري الدولي»، على خُطَا القديسة برناديت. 

سكيليج مايكل.. جزيرة الرهبان وموقع تصوير «حرب النجوم»

أصبح اسم جزيرة سكيليج مايكل مرتبطًا بملحمة حرب النجوم منذ ظهورها في سلسلة الأفلام الشهيرة قبل بضعة أعوام، لكن الجزيرة الصخرية الأيرلندية الواقعة في المحيط الأطلسي تتمتع بميزة أخرى وضعتها على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

كانت الجزيرة موطنًا لجماعة من الرهبان المسيحيين، الذي انعزلوا في أكواخهم الحجرية الشبيهة بخلية النحل منذ القرن السادس وحتى القرن الثالث عشر، عندما أجبروا على الرحيل بسبب تدهور الأحوال الجوية، مخلفين وراءهم إرثًا دينيًا لا يزال أثره باقيًا حتى اليوم، واعتبرتها صحيفة التليجراف البريطانية أحد أكثر مواقع الحج أصالة في العالم. 

ومنذ عام 2015، بدأ آلاف الزائرين يتدفقون إلى الجزيرة عبر موانئ مختلفة لمشاهدة مساكن الرهبان الحجرية التي صور فيها الممثل مارك هاميل (في دور لوك سكايووكر) والممثلة ديزي ريدلي (في دور راي) مشاهد رئيسية في الفيلم.

جبل كايلاش.. مقصد الحجاج من أربع ديانات

رغم أن جبل كايلاش يتمتع بقداسة عند أربع ديانات: بون، والبوذية، والهندوسية، والجاينية، لا يحج إليه سوى بضعة آلاف كل عام، نظرًا لموقعه البعيد في منطقة التبت ذاتية الحكم. 

يعتقد الحجاج أن الطواف حول الجبل سيرًا على الأقدام لمدة يوم كامل، يجلب الحظ الوافر والسعادة الروحية. بيد أن أتباع البوذية والهندوسية يطوفون باتجاه عقارب الساعة، بينما يطوف أتباع البون والجاينية عكس اتجاه عقارب الساعة. أما محاولة تسلق الجبل فهو خطيئة كبرى، ومحاولة وضع القدم على أحجاره يعتبر تدنيس لقداسة الجبل.

بالإضافة إلى ما سبق، هناك العديد من المقاصد الدينية الأخرى، مثل: دير ريلا (القديس إيفان) أكبر وأشهر دير أرثوكسي شرقي في بلغاريا، وجبل آدم (الرحون) في سريلانكا الذي يعتقد أنه كان أول موطئ قدم لأبي البشر، وكاتدرائية كانتربري أحد أقدم وأشهر المعابد المسيحية في إنجلترا، وطريق القديس بولس في تركيا.

الكعبة ليست مركز الأرض.. لكن موقعها معجزة بالفعل

المصادر

s