ستة سنوات كاملة مرَّت على اندلاع الثورة الليبية في 17 فبراير (شباط) 2011، وذلك في إطار عدد من الثورات والانتفاضات العربية ضد الأنظمة الحاكمة بها، فيما عُرف باسم «الربيع العربي».

انطلقت التظاهرات في البداية ضد نظام معمر القذافي، وبالرغم من انهيار نظام القذافي بكامله تقريبًا إلى الآن، إلا أن ليبيا لم تتخذ أي بوادر توحي بالتحول الديمقراطي الحقيقي على أرض الواقع؛ فبعد اشتداد المسيرات والتظاهرات ومقابلة نظام القذافي لها بالسلاح في البداية، ظهرت الميليشيات المسلحة في مواجهة النظام، ومع تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) جويًا وعسكريًا وماديًا بطلب من الجامعة العربية وبموافقة مجلس الأمن بالأمم المتحدة، ودعمه عدد من الميليشيات المسلحة في مواجهة نظام القذافي، لتتحول التظاهرات إلى معارك حربية.

قُتل معمر القذافي في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011 في مدينة سرت في مسقط رأسه، ولم يُعرف قاتله إلى الآن؛ فبين أقاويل تؤكد مقتله على يد غارة من حلف الناتو استهدفت موكبه الخفي إلى أن هرب، ثمّة أُخرى تقول إنه قُتل على يد مجموعة من المسلحين، وثالثة تؤكد تورط وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون مباشرةً في مقتله، ورابعة تُشير إلى مقتله على يد جاسوس أرسله الرئيس الفرنسي حينها نيكولا ساركوزي، ولا أحد يعلم من قتل القذافي، لكن الواضح للعيان أن نظام القذافي قد انتهى تقريبًا، فلا ثورة مُضادة ولا مواجهات عسكرية، ولكن مع ذلك لم تستقر الأوضاع في ليبيا.

اقرأ أيضًا: كيف تعيش قبيلة القذافي تحت حكم «الغرباء»؟

حلفاء الأمس خصوم اليوم

على ما يبدو فإنّ فهم الوضع المعقد في ليبيا الآن مرتبط بفهم أصوله الممتدة خلال السنوات الست الماضية، وأبرز الأحداث التي أدت في النهاية إلى انقسام الدولة الليبية إلى دولتين، بحكومتيّن، وحاكميّن، وجيشيّن، وما إلى ذلك؛ فقد كانت هناك ثلاثة مجالس رئيسة تحكم: المجلس الوطني الانتقالي الذي من المفترض له أن يحكم وقت الثورة بحكومة مؤقتة، ومن بعده المؤتمر الوطني العام الذي من المفترض له أن يحكم بعد الثورة بحكومة انتقالية بحيث يكون مجلسًا انتقاليًا، ومن ثم ينتخب مجلس النواب الذي سيتولى إجراء بقية الاستحقاقات الأخرى بالانتخابات والحكومة الدائمة.

ولفهم الأحداث بترتيبها، وطبيعة كل مجلس من هذه المجالس الثلاثة، نُقسّم مسار الثورة الليبية وتطوره إلى أربع مراحل:

المرحلة الأولى للثورة

في هذه المرحلة كانت البدايات حيث تشكل المجلس الوطني الانتقالي في مدينة بنغازي، وذلك في 27 فبراير (شباط) عام 2011، أي بعد عشرة أيام فقط من قيام الثورة، وهو ما اعتبر من العوامل الإيجابية في البداية، فوجود المجلس كممثل شرعي ووحيد للشعب الليبي آنذاك كان من المفترض أن يؤدي إلى شكل من أشكال تنظيم صفوف الثورة في مواجهة نظام القذافي.

وتشكل المجلس من ممثلين للمجالس المحلية التي تكونت بشكل تلقائي من المناطق المحررة من حكم القذافي، وذلك برئاسة مصطفى عبدالجليل، والذي كان وزير العدل تحت حكم القذافي، ولكنه في الوقت ذاته كان من أول المنشقين عنه. وكانت مهامه تتمثل بشكل عام في ضمان سلامة الأرض والمواطنين، وتنسيق الجهود لتحرير باقي أنحاء ليبيا، وذلك بعد سقوط الشرق في يد الثوار، بالإضافة إلى الإشراف على المجلس العسكري، وتسيير العلاقات الخارجية مع الدول، وتشكيل حكومة مؤقتة، والتي تشكلت بالفعل في 5 مارس (آذار) عام 2011، برئاسة محمود جبريل، وتلاها حكومة على الترهوني، ثم حكومة عبدالرحيم الكيب.

 صدر الإعلان الدستوري المؤقت في 3 أغسطس (آب) عام 2011، وقد تضمَّن 37 مادة تضع خطة للمستقبل الليبي، ولكنه تعرَّض لعدد كبير من الانتقادات والتعديلات، خاصةً فيما يخص المادة 30، والتي تنص على أن يقوم المجلس الوطني الانتقالي بعد إعلان التحرير –أي تحرير ليبيا من عناصر القذافي- بإصدار قانون خاص بانتخاب المؤتمر الوطني العام، والدعوة إلى انتخابه، وبالإضافة إلى نقل مقر المجلس الوطني الانتقالي من بنغازي إلى طرابلس.

وبالفعل أُعلن «تحرير ليبيا» يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، أي بعد مقتل القذافي بثلاثة أيام فقط، ووضع المجلس الوطني الانتقالي قانونًا لانتخابات المؤتمر الوطني في 12 فبراير (شباط) 2012، لتُجرى الانتخابات في السابع من يوليو (تمّوز) عام 2012، ويُرشّح لها 2639 مرشح فردي من أجل الحصول على 120 مقعد، وأيضًا ترشح لها 374 قائمة من أجل الحصول على 80 مقعد هم المخصصين للقوائم. وفاز فيها تحالف القوى الوطنية الليبرالي بـ39 مقعدًا من أصل 80، مقابل 17 مقعدًا لحزب العدالة والبناء (الإخوان المسلمون)، مع توزيع بقية المقاعد على الكيانات الأخرى وليتسلَّم المؤتمر الوطني العام السُلطة من المجلس الوطني الانتقالي، وتمثلت مهامه في عدة أجزاء؛ بالإضافة إلى التشريع، فإنه المسؤول عن تعيين المناصب السيادية، وتشكيل الحكومة الانتقالية التي تحل محل الحكومة المؤقتة، وبحيث تكون مسؤولة أمامه مسؤولية كاملة (تشكلت بالفعل برئاسة عبدالرحيم الكيب، ثم علي زيدان ، ثم عبدالله الثني)، بالإضافة إلى مهمة تشكيل لجنة تأسيسية تتولى وضع الدستور، وتمثل جميع فئات الشعب الليبي.

المرحلة الثانية للثورة

كان من المفترض أن يقوم المؤتمر الوطني العام بتشكيل اللجنة التأسيسية في البداية، ولكن بعد ذلك تم التحول عن ذلك؛ ليتم تشكيلها بالانتخاب، عن طريق قانون يضعه المؤتمر العام. وتتكون اللجنة من ستين عضوًا مقسمين على الأقاليم الثلاثة الرئيسة في ليبيا بالتساوي، بحيث يكون لإقليم طرابلس في الغرب نفس عدد المقاعد لإقليم برقة في الشرق، ونفس عدد المقاعد لإقليم فزَّان في الجنوب، وهو 20 مقعدًا. وبالفعل تشكلت اللجنة وانطلقت أعمالها في 21 إبريل (نيسان) 2014، ولكنها احتوت فقط على 47 مقعدًا، وذلك لتعثر إجراء الانتخابات على 13 مقعدًا لأسبابٍ أمنية؛ مما أدى إلى تأخر عملية وضع الدستور.

ومع تشكيل اللجنة التأسيسية، ينتهي بذلك دور المؤتمر الوطني العام، وتحديدًا في 7 فبراير (شباط) 2014، ولكن بدأت تظهر بعض الأصوات داخل المؤتمر تدعو إلى التمديد للمؤتمر، ولكن هذه الدعوات قوبلت بالرفض الشديد؛ وذلك لسببين: أولهما هو الأداء المتواضع للمؤتمر الوطني على المستوى الأمني، ويتضح ذلك في انتشار أعمال العنف، ونشاط الميليشيات المسلحة، ويتمثل السبب الثاني في الحاجة لإعادة النظر في بعض فقرات الإعلان الدستوري المؤقت الصادر، والتي تنظم العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وفي هذا الإطار، أصدر المؤتمر قراره رقم 12 يوم 12 فبراير (شباط) 2014، بتشكيل ما يُعرف باسم «لجنة فبراير».

تشكلت «لجنة فبراير» من 15عضوًا، ستة أعضاء من داخل المؤتمر الوطني، وتسعة آخرين من خارجه، وعُهِدَ إليها بمهمتسن؛ إعادة النظر في بعض فقرات الإعلان الدستوري أولًا، ووضع قانون لانتخاب مجلس النواب الذي سيتسلم السلطة من المؤتمر الوطني العام حينها، بحيث يتم مد فترة حكم المؤتمر الوطني لحين انتخاب مجلس النواب. وبالفعل أنجزت اللجنة المطلوب منها، فوضعت قانونًا لانتخاب مجلس النواب، بالإضافة إلى إجراء تعديلات على المادة 30 من الإعلان الدستوري، والخاصة بانتخاب الرئيس المؤقت خلال 45 يومًا من عقد أول جلسة لمجلس النواب، مع التصويت لصالح انتخاب رئيس الجمهورية من قِبل أعضاء المؤتمر الوطني، وليس من قِبل جموع الشعب الليبي، كما كان منصوصًا عليه في الإعلان الدستوري في صورته الأولى.

المرحلة الثالثة للثورة

أجريت انتخابات مجلس النواب في 24 أغسطس (آب) 2014 وفق القانون التي وضعته لجنة فبراير، وذلك عن طريق نظام الانتخاب الفردي فقط، وقد أسفرت الانتخابات عن خسارة كبيرة للإسلاميين؛ فلم يحصل حزب العدالة والبناء، ممثل الإخوان المسلمين، إلا على 23 مقعدًا فقط من ضمن 188 مقعد، مع ملاحظة أنه من المفترض أن يتكون مجلس النواب من 200 مقعد، ولكن نظرًا للظروف الأمنية، ومقاطعة الأمازيغ للانتخابات، فتعثر إجراء الانتخابات على 12 مقعد، ليصبح تشكيل مجلس النواب بالكامل 188 مقعد فقط.

بدأ الانقسام بالطعن أمام الدائرة الدستورية في المحكمة الليبية العليا على نص الفقرة 11 من المادة 30 من الإعلان الدستوري، وهي المادة التي قامت بعديلها لجنة فبراير، وجاء النص المُعدَّل كالآتي «يُعمل بمقترح لجنة فبراير على أن يقوم مجلس النواب المنتخب بحسم مسألة انتخاب الرئيس المؤقت بنظام انتخاب مباشر أو غير مباشر خلال مدة لا تزيد عن خمسة وأربعين يومًا من عقد أول جلسة له»، والتي وافق عليها أعضاء المؤتمر بعدد 124 صوت؛ مما أدى إلى جعلها سارية.

وفي السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، حكمت المحكمة بعدم دستورية هذه الفقرة، وما يترتيب عليها من آثار، مبررةً ذلك أنه تم الموافقة عليها بـ124 صوت فقط، وهو ما لا يقابل النصاب القانوني المطلوب فيه أغلبية الثلثين، حيث إن 124 عضو تعادل أقل من أغلبية الثلثين، ولذلك فهي غير دستورية. واستغل المؤتمر الوطني هذا الحكم لصالحه ليؤكد أن هذا الحكم يعني بطلان انتخاب مجلس النواب؛ مما يعني استمراره في الحكم كممثل شرعي.

لكن في الوقت نفسه أكد أعضاء مجلس النواب أن حكم المحكمة لا يتعلق من قريب أو بعيد بانتخاب مجلس النواب، وإنما تتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية فقط، وعليه فقد قام المجلس بتجديد تكليف حكومة عبدالله الثني مرة أخرى. ومن هنا يتضح سوء النوايا للمؤتمر الوطني الانتقالي، حتى إنه قد جدد لنفسه وأطال فترته أيضًا مرة أخرى في 25 أغسطس (آب)، وتكليف حكومة عمر الحاسي حينها. وبذلك انقسمت ليبيا إلى دويلتين محكومتين:

الأولى متمثلةً في مجلس للنواب برئاسة عقيلة صالح في طبرق شرقًا، ولديه حكومة برئاسة عبدالله الثني، ويقود قواته المسلحة المشير خليفة حفتر.

والثانية متمثلة في مؤتمر وطني عام برئاسة نوري بوسهمين في طرابلس غربًا، ولديه حكومة عمر الحاسي، وتتمثل قواته المسلحة في الميليشيات المسلحة المختلفة، والمسماة بإسم قوات فجر ليبيا.

ويُشار هنا إلى أن خليفة حفتر بدأ ما يعرف بـ«معركة الكرامة» في 16 مايو (أيار) 2014، وذلك للقضاء على نفوذ الميليشيات المسلحة، ومدعومًا من مجلس النواب، بعد أن عُيّن قائدًا عامًا للجيش الليبي.

المرحلة الرابعة للثورة

منذ هذا الانقسام من أواخر عام 2014 ولمدة عام تقريبًا، لم يحدث جديد، إلا في مرةٍ واحدة حين ساند المجتمع الدولي مجلس النواب والحكومة المنبثقة عنه في معظم الوقت، ولكن مع تصاعد حدة العنف حاول المجتمع الدولي تقريب وجهات النظر، والعمل على إجراء مفاوضات من أجل حل الأزمة، مع إرسال مبعوثين أمميين دوليين إلى هناك ففشل المبعوث الدولي الأسباني برنارد ليون في إجراء المفاوضات، ولكن نجح من بعده المبعوث الألماني مارتن كوبلر في جمع أطراف ممثلة من مجلس النواب والمؤتمر الوطني في مدينة الصخيرات بالمغرب، وهو ما عُرف باسم «اتفاق الصخيرات»في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2015.

نص اتفاق الصخيرات ـ باختصار ـ على تكوين مجلس رئاسي من تسعة أشخاص برئاسة فايز السراج، مع وجود أحمد معيتيق نائبًا له، وعضوية 7 آخرين. بالإضافة إلى تشكيل مجلس أعلى يقدم المشورة لمجلس النواب، ويقصد به إرضاء أعضاء المؤتمر الوطني مقابل أن يحل المؤتمر، ويصبح مجلس النواب هو الممثل الوحيد للسلطة التشريعية، مع جميع أسلحة الميليشيات المختلفة.

وحتى فبراير (شباط) 2017، ما زال الانقسام موجودًا في ظل جميع الأطراف، ولم تنفّذ جميع بنود اتفاق الصخيرات، بالإضافة إلى بعض التعقيدات الجديدة؛ فبعد سحب المؤتمر الوطني العام الثقة من عمر الحاسي، وتعيين خليفة الغويل
رئيسًا للوزراء، والذي استمر في منصبه بلا عقبات، حتى مؤتمر الصخيرات، إذ رفض الغويل الاعتراف بالاتفاق الناجم عن المؤتمر، مُطالبًا المؤسسات المختلفة بعدم الامتثال لقرارات المجلس الرئاسي، كما اقتحم المؤتمر الوطني العام، وعدة مقار وزارية أخرى في يناير (كانون الثاني) 2017.

بيان القاهرة

أخيرًا، وفي الـ13 والـ14 من فبراير (شباط) الجاري، استقبلت اللجنة الوطنية المصرية المعنية بالشأن الليبي، ممثلين عن الأطياف الليبية، كان في استقبالهم رئيس أركان القوات المسلحة المصرية محمود حجازي الذي هو أيضًا اللجنة الوطنية المصرية المعنية بليبيا.

حضر من ليبيا كل من خليفة حفتر، وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وفايز السراج رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فضلًا عن أعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وممثلين لأعيان وقبائل ليبيا، في سياق ما سُمّي إعلاميًا بـ«لقاءات القاهرة»، الهادفة إلى تسوية الأزمة الليبية بعد عدم تنفيذ بنود اتفاق الصخيرات.

ويطرح ذلك اللقاء التساؤلات حول الدور المصري في ليبيا، خاصة بعد وصول عبدالفتاح السيسي إلى سدة الحكم في مصر، وهل تكون الجهود المصرية بابًا حقيقيًا للتوافق الليبي؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد