ميرفت عوف

6

ميرفت عوف

6

18,087

بلد عربي يعاني من صراع عسكري وسياسي، دُفع سكانه – برغبتهم أو تحت وطأة صراع النفوذ – لاتخاذ قرار بالعيش على أموال تهريب الأرواح، كانت البداية تهريبها إلى الحُلم «أوروبا»، ثم انتهى الأمر بتهريبها نحو «العبودية». إنها ليبيا التي انتهزت جذبها لآلاف الراغبين في الهجرة من بلدانهم نحو أوروبا لتصبح مسرحًا لتجارة الرقيق، مسرحًا يرتكب على خشبته الاتجار بأجساد البشر وأراوحهم.

من ليبيا.. جولة في سوق العبيد

لقطات مصورة، تظهر رجلًا يضع يده على كتف شاب إفريقي، قوي البنية، يقول الرجل – الذي لا تظهر إلا يده – بلهجة ليبية: هذا حفار، رجل قوي كبير، سيقوم بالحفر، وما أن يعلن كلمته: لنبدأ المزاد؟ حتى تسمع أسعارًا فقط. بعد دقائق قليلة وقع البيع وتم شراء شابين، ثمنهما 1200 دينار ليبي (أقل من 300$)، فقد تسابق الحضور على رفع السعر من أدنى لأعلى حتى انتهت الصفقة بالذهاب مع «مالك الجديد».

ليس ما سبق مشهدًا سينمائيًا لإظهار تجارة العبيد في العصور الوسطى، إنها «العبودية» واقعة على أرض ليبيا التي خرج شعبها من سنوات معدودة ليرسخ الحرية، سوق لبيع المهاجرين عبر مزاد علني، فضح أمره بالفيديو تحقيق نشرته شبكة «CNN» منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، يُباع المهاجرون الذين هربوا من «جحيم» بلادهم نحو أوروبا ببضعة دولارات، ويصبح مصيرهم العمل بالسخرة.

ويظهر تحقيق «CNN» أنه في مركز بيع البشر لا يفضل البيع بالعملة الليبية، بل بعملة الدولار الأمريكي؛ فأثرياء هذه التجارة فرضوا ما يحقق ثراء أكثر لهم، وتنقل الشبكة تصريحات المهاجر «يوسف كدوكي»، فيقول: إن «شبكات التهريب لا تكترث للناس وتتعامل معهم كأنهم بضاعة»، مضيفًا أنه: «تعرضت برفقة المهاجرين الذي كانوا معه إلى الاحتجاز في مستودعات لعدة أيام في ظروف سيئة منعنا فيها من أبرز الاحتياجات البسيطة، حتى من الكلام، كما تم تجريدنا من كل ما نملك».

صور للمهاجرين تم تعذيبهم في ليبيا (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

لم يكن تحقيق «CNN» هو السبق الصحافي الأول، فسبق وأن أشارت عدة وسائل إعلام عالمية ومؤسسات حقوقية لانتشار هذه التجارة في ليبيا، ففي أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية أن مهاجرين من غرب إفريقيا كانوا يباعون في أسواق الرقيق الحديثة في ليبيا، حيث إن «التجارة بالبشر أصبحت طبيعية في ليبيا، فالخاطفون يبحثون عن تجار ماهرين بينهم، فكانوا يبيعون الكهربائيين والسباكين إلى مشترين بعينهم، والبقية كان يجري عرضهم في مزاد باعتبارهم عمالًا»، أيضًا حمل تقرير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2016، الكثير من الحقائق حول العبودية في ليبيا بناء على شهادات جمعها من المهاجرين الناجين.

من بين تلك الشهادات كانت «أرباب العمل والمهربين، وتجار البشر وموظفي جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية كثيرًا ما كانوا يهددونهم بالقتل أو يضربونهم بالعصي والقضبان الحديدية، وأعقاب المسدسات، أو يطلقون النار عليهم؛ لكي يجبروهم على العمل، كما شاهد الناجون مقتل أصدقائهم الذين كانوا غير قادرين على العمل أو الذين حاولوا الهرب»، حسب التقرير المعنون بـ«محتجزون ومجردون من إنسانيتھم».

أحد المهاجرين الأفارقة وقد تعرض لتعذيب شديد (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

كذلك كشفت المنظمة الدولية للهجرة عن وجود «أسواق عبيد حقيقية» في ليبيا، فبينما بعض المهاجرين يُحتجَزون مقابل فدية أو يتم استغلالهم جنسيًا، أكدت المنظمة أن ثمن بيع المهاجر الإفريقي يتراوح بما بين 200 و500 دولار، ويوضح رئيس مهمة منظمة الهجرة في ليبيا، عثمان بلبيسي لـ«الجارديان» أنك «تذهب إلى السوق، حيث يمكنك دفع ما بين 200 و500 دولار للحصول على مهاجر واستغلاله في أعمالك، وبعد أن تشتريه تصبح مسؤولًا عن هذا الشخص، بعضهم يهرب، وآخرون يبقون قيد الاستعباد».

مصير «الفريسة الثمينة»: السخرة أو الاستغلال الجنسي أو الفدية

تبين الأرقام الأخيرة للمنظمة الدولية للهجرة أن «هناك ما بين 700 ألف إلى مليون مهاجر في ليبيا»، لقي أكثر من 200 ألف منهم مصرعهم لدى عبور البحر المتوسط، فحسب تقرير حديث للمنظمة تناول الحوادث البحرية منذ مطلع 2017 في ليبيا، يتبين أن «عدد المهاجرين الذين جرى تهريبهم إلى إيطاليا 9793 مهاجرًا، في حين جرى إنقاذ 13148 مهاجرًا، وانتشال 2244 جثة غرقت في عرض البحر قبالة السواحل الليبية».

الشاب المهاجر، كوليبالي ياحيا، تعرض لحروق خطيرة من قبل خاطفيه الليبيين ( المصدر: الجارديان)

لكن ما الذي يحدث بعد الوصول لليبيا؟ يكاد ينحصر مصير المهاجرين الأفارقة من نيجيريا والسنغال وغامبيا وغيرهم عند الوصول لليبيا، في عدة خطوات، أولها أن يتم احتجازهم في مراكز مكتظة وتفتقر للمرافق الصحية، مدة هذا الاحتجاز تتراوح في المتوسط ​​لمدة شهرين أو 3 أشهر.

بعد ذلك تختار الميليشيات المسلحة وشبكات التهريب التي تعتبرهم «فريسة ثمينة» مصير هؤلاء، ما بين السخرة، أو الاستغلال الجنسي، أو طلب الفدية من ذويه، يقول فتى من السنغال، في السادسة عشر من عمره، إنه تم احتجازه عندما كان يبحث عن عمل في سبها جنوبي ليبيا من قبل رجال مسلحين، بعضهم في زي رسمي، وبعضهم في ملابس مدنية، ويوضح الفتى لموظفي البعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أنهم «أخذوه بالقوة لمستودع في سبها لمدة شهر، وكان معه 80 مهاجرًا آخر، من بينهم 42 امرأة وطفلًا من مالي ونيجريا والسنغال، احتجزوا في ظروف غير إنسانية، فكميات الغذاء ومياه الشرب كانت قليلة للغاية، والحراس يضربون المهاجرين، وخاصة أولئك الذين رفضوا العمل، أو كانوا ضعفاء جدًا، وغير قادرين على العمل».

 ويضيف الفتي في التقرير المعنون بـ«محتجزون ومجردون من إنسانيتھم» القول: «كان بعض الرجال المسلحين يأتون ويأخذون النساء والفتيات البالغة أعمارهن 13 عامًا، وكانوا يعيدونهن، إما بعد بضع ساعات أو في اليوم التالي، وكان يتم اغتصاب النساء والفتيات الصغيرات جدًا، وفي حال قاومن تضربن وتهددن بالأسلحة».

هل تدعم جهات رسمية ميليشيات الاتجار بالبشر في ليبيا؟

منذ اندلاع الثورة الليبية عام 2011، لم تتمكن الجهات الليبية من إيجاد سلطة مشروعة قادرة على توحيد الليبيين تحت حكومة واحدة، ولطبيعة البلاد السياسية والقبلية والجغرافية، وضعف الإجراءات الأمنية؛ طغى نفوذ مليشيات مسلحة تقاتل من أجل السيطرة على الأراضي والموارد النفطيّة.

مركز احتجاز مهاجرين في ليبيا

هذه المليشيات غير النظامية انتهزت عمليات تدفق اللاجئين والمهاجرين وعدم وجود قوة رادعة، فتمرست في عمليات تهريب البشر، ومع مرور الوقت أصحبت هي من تسيطر على مراكز احتجاز وإيواء المهاجرين واللاجئين، ثم الاتّجار بهم، لكن المفاجأة التي كشفت في الشهور الأخيرة هي حصولها على دعم من قبل وزارتي الدفاع والداخلية بحكومة الوفاق الوطني، ومن قبل الحكومة المؤقتة في شرق ليبيا التي يقودها الليبي، خليفة حفتر.

فعند الحديث عن أهم تلك الميليشيات وهي مليشيا «الشهيد أنس الدباشي» التي يقودها الليبي «أحمد الدباشي»، يذكر مؤخرًا اتفاقًا حول قبول تلك المليشيا بوقف عمليات تهريب البشر، مقابل حصولها على مناصب في الحكومة الليبية، ويظهر تقرير صحيفة «الجارديان» البريطانية الذي نشر في أكتوبر (تشرين أول) الماضي، بأن عشيرة الدباشي، التي «تسيطر على 3 معسكرات اعتقال رئيسة للمهاجرين في المنطقة، وافقت على وقف أعمالها المربحة مقابل الحصول على المركز السياسي والنقد»، لكن الصحيفة تشير إلى «وجود صراع على نطاق أوسع في السلطة في المدينة، ولا سيما بين الدباشي من جهة، وبين غرفة العمليات في (داعش) والمليشيا المتنافسة من جهة أخرى».

ولذلك يرى العضو فرع إدارة الهجرة غير الشرعية في سبها التابعة لحكومة الوفاق، الرائد سامي العيان خلال حدثيه لـ«العربي الجديد» أن هناك «تورّطًا لجهات رسمية في الدولة خلال الحكومات الماضية، من خلال غضّها الطرف عن تقاريرنا المتلاحقة خلال عامي 2012 و2013 ومنتصف عام 2014، بالتوازي مع حصول هذه المليشيات على أسلحتها وسياراتها الصحراوية من سلطتي طرابلس وطبرق. كما أنّ مجموعات مسلحة تحمل شعارات جهات أمنية كانت تحمي المهربين وتسهل وصولهم إلى الشمال».

من جانبه، يؤكد مقرّر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، أحمد حمزة: «إن هناك أطرافًا سياسية تدعم مهرّبي البشر بشكل غير مباشر، بل إن هناك جماعات وتشكيلات مسلحة تابعة لوزارة الداخلية وزارة الدفاع وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في حكومة الوفاق، تمتهن تهريب البشر والمهاجرين من منطقة الجنوب ومناطق غرب ليبيا، أو تسهل عمل تجار البشر وتتقاسم معهم الأرباح».

ويتابع حمزة القول لـ«DWعربية»: «لا يتوقف دعم هذه الميليشيات على أطراف في حكومة الوفاق، ففي مناطق بالجنوب الليبي، هناك تنظيمات مسلحة تمارس تجارة البشر، تدين بالولاء لقوات خليفة حفتر المُسيطرة على المنطقة. وتنشط هذه التنظيمات تحديدًا في الكفرة التي تعدّ من أبرز مناطق عبور المهاجرين، بما أنها قريبة من الحدود التشادية».

الجهود الدولية لا تؤتي ثمارها

تعد ليبيا نقطة انطلاق رئيسة للحالمين من أنحاء العالم بأوروبا كملجأ؛ فهي البلد الأخير في السلسلة التي تصل بهم لإيطاليا: ذاك المرفأ الآمن بعد عبور البحر المتوسط الغادر، ولهذا كان على كل الدول الأوربية المتضررة من ظاهرة اللجوء التي انطلقت في العام 2014، الاعتماد على الإيطاليين وجهودهم في الممر الأخير للقارة أمام المهاجرين، أي في ليبيا.

الليبي فهمي بن خليفة، الملقب بـ«ملك التهريب» بعد إلقاء القبض عليه (المصدر: صفحة قوات الردع الليبية)

وقد عكفت إيطاليا على التعاون مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، فقامت بتمويل وتدريب مستمر لعمليات التصدي للمهاجرين، ومن أبرز العمليات التي أطلقت في عرض البحر الأبيض المتوسط على السواحل الليبية، كانت «عملية صوفيا» في يونيو (حزيران) 2015 تحت مسئولية الاتحاد الأوربي، وذلك من خلال تتبع المراكب والآليات الأخرى التي يستخدمها المهربون، وتعطيل الأشكال التجارية لشبكات المهربين في المنطقة الجنوبية المركزية للبحر الأبيض.

كذلك، عقد مؤخرًا اتفاق يقضى بتدريب خفر السواحل الليبية لمراقبة وصد اللاجئين عن عبور الحدود وإعادتهم واحتجازهم قبل وصولهم إلى أوروبا، لكن تقريرًا نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أكد على مخاطر تنطوي على هذا الاتفاق، فناهيك عن تكلفته البشرية الضخمة، فإن إيطاليا بذلك «تخلق حصارًا أمام المهاجرين بحكم الأمر الواقع من خلال عقد صفقة غريبة مع ليبيا، جارتها التي تعاني من أوضاع مضطربة».

مهاجرون أفارقة (المصدر: رويتزر)

في المحصلة لا تبدو جهود إيطاليا والمجتمع الدولي ذات أثر كبير في وقف عمليات تهريب البشر، وما يتبعها من جرائم ضد الإنسانية، وكما يذكر تقرير قناة «BBC» أن «المجتمع الدولي ممثلًا بالأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي فشل في وضع نهاية للفوضى التي تضرب ليبيا والمآسي التي تعيشها، وآخرها الاتجار العلني بالمهاجرين الأفارقة وإقامة أسواق للعبيد من قبيل مليشيا قوية تتاجر بالبشر وتدير السجون وتهّرب المهاجرين إلى القارة الأوروبية».

ويضيف التقرير الذي جاء حول «الصراع الدائر في ليبيا على الشرعية بين الحكومات الثلاث» أن «الأمر وصل بحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة إلى إبرام اتفاق مع مليشيا تدير الاتجار بالبشر وتهريبهم إلى القارة الأوروبية، للتوقف عن هذه الأنشطة الإجرامية مقابل منح عناصرها مناصب أمنية في الحكومة».

يشار إلى أن عمليات التهريب تحدث على طول الحدود الليبية جنوبًا، وصولًا إلى الساحل شمالًا، وتتركز في 3 طرق تعرف بخطوط الهجرة غير الشرعية؛ الأول هو المسلك الشرقي الممتد من الصومال والسودان إلى ليبيا، حيث يبدأ من الكفرة المتاخمة للحدود السودانية.

أما خط الهجرة الثاني فهو خط الوسط الممتد من النيجر وتشاد، وهو خط يحتوى على طرق متعرجة ووعرة تتخلل سلسلة الجبال الفاصلة بين تشاد وليبيا، ويشكل الخط الثالث الممتد من دول وسط إفريقيا عبر الجزائر، وصولاً إلى غات، ثم إلى تراغن والقطرون تحركات أقل نشاطًا؛ بسبب التشديد الأمني الجزائري على الحدود الليبية.