كنا نعتقد أن زمن الرق قد انتهى، لكن يبدو أن التقرير العالمي الحديث حول العبودية، يخبرنا بأن الوقت لم يزل مبكرًا للقول بأن الحضارة البشرية تخلصت من «العبودية»؛ إذ لم يزل قرابة 46 مليون شخص في العالم، يرزحون تحت «العبودية المعاصرة».

صدر التقرير عن منظمة «وولك فري» (walk free) الدولية، الثلاثاء 31 مايو (أيار) 2016، وأحصى ضحايا عبودية العصر في العالم، مُسجلًا حوالي 45,8 مليون فرد في عداد «العبيد»، وهو رقم أكبر بنسبة 28% من التقديرات السابقة لسنة 2014، ما يشير إلى أن الظاهرة في تزايد.

ويستند قياس العبودية، بحسب المنظمة المعنية، إلى مؤشرات مرتبطة بتهريب البشر، والعمالة القسرية، وتجنيد الأطفال، والارتباط بالديون، والزواج القهري، والاستغلال الجنسي التجاري، والقوانين المخلة بحرية الإنسان وحقوقه.

تناول التقرير بيانات «مؤشر العبودية» بشأن 167 بلدًا، مستخلصة من 42 ألف مقابلة أجريت بـ53 لغة؛ لتحديد عدد البشر الخاضعين للعبودية، وكيفية تعامل الحكومات مع أحوالهم، وقد غطى الاستطلاع نسبة 44% من سكان العالم.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=YRu6CaXTAxA ” width=”800″ height=”450″ ]

وبحسب التقرير، تضم «الهند» أكبر أعداد المستعبدين في العالم، برقم يقدر بـ 18,35 شخص، فيما احتلت «كوريا الشمالية»، المرتبة الأولى في التصنيف العالمي لمؤشر العبودية من حيث نسبة عدد السكان، التي وصلت لديها إلى 4,37% فردًا مستعبدًا. كما برزت دول أخرى، خصوصًا في منطقة آسيا، كبؤر لانتشار ظاهرة العبودية المعاصرة، مثل «الصين وباكستان وبنغلاديش وكمبوديا وقطر وأوزباكستان».

العبودية في العالم العربي

لم تغب البلدان العربية، كعادتها في مثل هذه الاستطلاعات، عن مجال البلدان التي تعرف انتشارًا واضحًا لآفة العبودية بالمعايير العصرية؛ إذ تربعت «قطر» على عرش الدول العربية المستعبدة من حيث النسبة، فيما سجلت «مصر» أكبر عدد للخاضعين للعبودية في العالم العربي. بينما كانت «السعودية وعمان» أقل الدول التي تنتشر بها عبودية العصر، نسبة لعدد سكانها، في المنطقة العربية.

ويوضح الجدول الآتي ترتيب الدول العربية، وفق مؤشر العبودية، بحسب منظمة «وولك فري»، مثلما يبين أعداد المستعبدين، ونسبتهم من مجمل سكان كل دولة.

1 2تشمل العبودية الحديثة، بحسب التقرير، حوالي 2.936.800 شخص في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتصل نسبة هؤلاء الخاضعين لعبودية العصر 6.4% من مجمل سكان المنطقة، بينما لم يتجاوز معدل استجابة الحكومات العربية للظاهرة 32,7% وفق مقياس المنظمة التي أعدت التقرير، ما يعني أن سلطات البلدان العربية لا تبدو جادة في معالجة هذه الآفة بمجتمعاتها.

العبودية وتجلياتها المختلفة

كان الرق قديمًا مرتبطًا بالأغلال والملكية المطلقة، أما في عصرنا الراهن فتتخذ العبودية أشكالًا مختلفة، بداية من تجنيد الأطفال، وتهريب البشر، واستغلال النساء في الدعارة، مرورًا بالعمالة الجبرية والقوانين التعسفية، وانتهاءً باستغلال القاصرين في العمل، قد تتلون هذه الظواهر بثوب القانون، والقبول المجتمعي المحلي أحيانًا، إلا أنها تظل دومًا انتهاكًا لحقوق الإنسان وكرامته.

وتساهم مجموعة من الظروف في إنتاج ظواهر العبودية المعاصرة في العالم النامي، تتبدى في الفقر والتمييز والإقصاء الاجتماعي. وزادت الحروب والانهيارات الاقتصادية الوضع تفاقمًا خلال الآونة الأخيرة.

الخليجيون يستعبدون

تعيش العمالة الآسيوية والإفريقية في دول الخليج اضطهادًا وتمييزًا عنصريًا؛ بسبب القوانين التعسفية، التي تضع شروط معجزة أمام العمال؛ للبقاء والإقامة، مما يعرضهم لخطر الترحيل في أية لحظة، علاوة على انعدام حقوقهم القانونية، ما يعرضهم، لاسيما النساء منهم، للاستغلال، في كثير من الأحيان.

لذلك، لم يكن مستغربًا، عندما وصفت «منظمة العفو الدولية» «نظام الكفيل»، الذي تعتمده البلدان الخليجية، بأنه شكل حديث لـ«العبودية»، وسبق للمنظمة نفسها أن وجهت انتقادات حادة لقطر؛ بسبب الظروف «غير الإنسانية» التي يشغل فيها العمال المهاجرين في مشاريع تجهيز البنيات التحتية استعدادًا لمونديال 2022.

لا تقتصر بلدان الخليج على استغلال العمالة المهاجرة فقط، وإنما أيضا يقوم مواطنوها باستغلال ظروف الفتيات القاصرات، ببلدان مثل «لبنان والمغرب ومصر»؛ من أجل السياحة الجنسية، مقابل المال.

في السياق ذاته، رصدت منظمات حقوقية توافد العديد من الخليجيين إلى حدود «الأردن ولبنان وتركيا»؛ من أجل الزواج بفتيات سوريات وعراقيات قاصرات، بمخيمات اللاجئين، في حالة شاذة، لا تلقي بالًا لمآسي الآخرين.

«تنظيم الدولة» يسبي النساء ويجند الأطفال

تشهد منطقة سوريا والعراق انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، تقترفها تقريبًا كل الأطراف المتحاربة، بيد أن «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) ذهب بعيدًا، واسترجع ظواهر العبودية، كما كانت تمامًا في القرون الوسطى؛ إذ قام بسبي حوالي ثلاثة آلاف «يزيدية»، وعرضهن للبيع «كجواري» في أسواق النخاسة لديه، مقابل مبالغ مالية.

لم يتردد «تنظيم الدولة» أيضًا في تجنيد الأطفال؛ لخوض معاركه المسلحة، بل استخدم بعضهم في عمليات انتحارية ضد أعدائه. وكان التنظيم قد عرض، في مقاطع فيديو منسوبة إليه، مجموعات أطفال يتلقون تدريبًا عمليًا في طريقة الذبح، واستخدام السلاح الناري.

آسيا تطور اقتصادها على حساب حقوق الإنسان

ربما تكون بعض دول آسيا، كالصين والهند، محط إعجاب الكثير؛ بسبب نهضتها الاقتصادية السريعة، غير أن هناك جانبًا مظلمًا يقع خلف هذا النمو الاقتصادي، وهو أن منطقة آسيا تعرف أكبر نسبة من العبودية المعاصرة على الإطلاق، وتقول منظمة العمل الدولية إن حوالي 56% من المستعبدين في العالم يتواجدون بدول آسيا.

تنتشر في منطقة آسيا ظواهر العمالة القهرية، والإتجار بالبشر، والدعارة القسرية، علاوة على استغلال الأطفال، وكلها ظواهر تتغاضى عنها السلطات في الهند والصين؛ من أجل التنمية الاقتصادية البحتة.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=HUM2rCIUdeI” width=”800″ height=”450″ ]

عودة إلى تقرير منظمة «وولك فري» حول مؤشر العبودية ببلدان العالم: فقد سجلت كل من «لوكسمبورغ، وإيرلندا، والنرويج، والدنمارك، وسويسرا، والنمسا، والسويد، وبلجيكا، والولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا» أدنى معدلات في مجال العبودية المعاصرة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد