نذهب إلى النوم في بعض الأحيان ونحن مُحاصرون بمشكلات ليس لها حل، وبمجرد استيقاظنا صباح اليوم التالي، أو ربما بعد قيلولة قصيرة نُفاجأ بأن الخيوط المنعقدة أخذت تنفك بسهولة لا ندرك مصدرها؛ ربما لعدم تفكيرنا في ما يحدث خلف الكواليس أثناء نومنا.

يدفعنا ما سبق إلى تبني الرأي القائل إن أفضل طريقة لجعل العقل يعمل هي وضعه في حالة السكون، وهذا ما أثبته الكثير من العلماء والمفكرين الذين أكدوا أن أفضل الأفكار إما جاءتهم في الحلم أو فور استيقاظهم، وكان المخترع الأمريكي توماس إديسون عندما تتعسر عليه مسألة يغفو وهو ممسك بملعقة معدنية، وبمجرد أن تسقط من يديه يستيقظ، وقد توصل إلى حلول مبتكرة للمشاكل التي تواجهه.

لا يساعدنا النوم على حل المشاكل فقط، ولكن الأحلام التي يراها النائم تُساهم في الوصول إلى منتوجات إبداعية فريدة، أشهرها اختراع المخترع الأمريكي إلياس هاو آلة الخياطة بعدما تعسر عليه إخراجها إلى النور؛ نتيجة عدم وصوله إلى شكلها النهائي.

وفي ليلة رأى هاو أثناء نومه أن محاربي إحدى القبائل أمسكوه بعد مطاردة مثيرة، واقتادوه إلى ملكهم الذي أمره أن يصنع ماكينة الخياطة خلال ساعة وإلا سيُقتل. ولم ينجح «هاو» في هذا الاختبار، وفي اللحظة التي كان هؤلاء المحاربون على وشك أن يقتلوه لمح ثقوبًا صغيرة على هيئة عيون في أسنة رماحهم، وكان ذلك هو الحل النهائي للمشكلة التي فشل في حلها مرارًا وتكرارًا، بأن وضع عين إبرة الخياطة في الطرف المواجه للإبرة التقليدية.

لم يكن هذا من قبيل المصادفة، فهناك عمل إبداعي آخر كان نتيجة حلم في طائرة، فيروي لنا الكاتب الأمريكي الشهير ستيفن كينغ أنه عندما كان في رحلة طيران من نيويورك إلى لندن، عاش أثناء نومه أحداث حلم مرعب عن كاتب مشهور قُبض عليه واحتجزه طبيب نفسي رهينةً، وعندما استيقظ دون الأفكار الأولية للحلم على منديل وجبة الطعام في الطائرة، والمفاجأة أنها تحولت بعد ذلك إلى رواية «Misery»، التي رُشحت لجائزة عالم الخيال بوصفها أفضل رواية عام 1988، كما جرى تحويلها إلى فيلم سينمائي ومسرحية يحملان الاسم نفسه.

شكلت التجارب السابقة تحديًا لعلماء الأعصاب، الذين وظفوا مجموعة كبيرة من الأجهزة الطبية مثل: الرنين المغناطيسي، والتصوير بالأشعة المقطعية، وكذلك التصوير الدماغي؛ لمشاهدة عمل الدماغ أثناء النوم ومعرفة التأثير الذي تلعبه دورة النوم في العملية الإبداعية، وهو ما سنبحث وراءه نحن أيضًا.

أدمغتنا تعمل أثناء النوم

من المعروف أن الحلول الإبداعية تأتي من الفص الأيمن في الدماغ؛ بينما يعمل الفص الأيسر على التفكير المنطقي والتحليل، ونجحت دراسة أُجريت في كلية الطب بجامعة لوبيك الألمانية في الربط بين الفرضية السابقة، وما يحدث خلال نومنا، فقد توصل الباحثون إلى أن الجانب الأيمن من الدماغ يُسمع أكثر وينشط بعد الذهاب إلى النوم، وهو ما ينعكس على ظهور أفكار مبتكرة فور الاستيقاظ.

ويحدث ذلك غالبًا في الليل فقط، فهناك دراسة أخرى أجرتها جامعة حيفا في إسرائيل، أكد فيها أشخاص مبدعون أنهم عندما ينامون خلال النهار ينعكس ذلك في كون فترات نومهم تتميز بالاضطراب، وعندما يستيقظون يكون أداؤهم منخفضًا.

جانب آخر لا يمكن تجاوزه هو علاقة النوم بالذاكرة، فعندما ننام يحصل دماغنا على فرصة لنسيان العالم الخارجي قليلًا، والتركيز على نفسه فقط، وخلال هذه الفترة يعمل على تعزيز الارتباط بين أجزاء الدماغ المختلفة، وأثبتت دراسة أجراها معهد علم النفس التابع لجامعة كولونيا الألمانية عام 2004، مدى أهمية النوم في تشكيل الذكريات الجديدة، وبناء وجهات نظر تجاه المواقف التي يواجهها الشخص.

تنافس المشاركون في الدراسة في لعبة ذكاء تقوم على حل المسائل الرياضية، وتوجد حيلة إذا ما علمها اللاعب فإنه سينجح في الفوز خلال وقت أقل، وانقسم اللاعبون إلى فريقين: في الفريق الأول حُرموا من النوم وظلوا يلعبون طوال الليل؛ بينما الفريق الثاني حصلوا على ثماني ساعات من النوم بشكل جيد، وفي الصباح ظهر أن الفريق الأول تفوق على الثاني بقدرة أفراده في التوصل إلى الحيلة التي تتضمنها اللعبة، وقد فسر الباحثون ذلك بأن أدمغتهم كانت تُعالج المشكلة أثناء نومهم ليلًا.

ويزيد النوم من القدرة على الربط بين الأفكار غير المترابطة بنسبة 33%، وهو ما توصل إليه الدكتور جيفري إلينبوجين طبيب الأعصاب في جامعة هارفارد الأمريكية، والذي يشرح ذلك بقوله إن: «النوم يعزز وظائف التعلم والذاكرة، كما يحسن القدرة الإبداعية على الكشف عن روابط جديدة بين الأفكار التي تبدو غير متصلة ببعضها البعض».

أضف إلى معلوماتك: المبدعون أكثر عرضة لنوبات الأرق

يؤيد الكثير من المبدعين فكرة أن نوبات الأرق تزيد من إبداعهم، وقد اكتشفت دراسة أُجريت عام 2013 في جامعة نورث كارولينا الأمريكية أن نوبات الأرق الليلية ارتبطت بشكل إيجابي مع زيادة التفكير التباعدي والسلوك الإبداعي، وأثبتت أن الأشخاص الذين يعانون من الأرق بطبيعتهم يكونون أكثر إبداعًا، لكن ذلك لا ينفي أن الحرمان من النوم عمومًا يؤدي إلى تحجيم الوظائف الدماغية بما فيها الإبداع، ويمكن القول بكل ثقة إن الأرق على المدى الطويل يكون أثره سلبيًّا في المبدعين.

يروي لنا الموسيقي الإنجليزي «مات بيري» كيف أثر الأرق إيجابيًّا فيه لدرجة أنه يدين له بالفضل في كتابة ألبومه الموسيقي «kill The Wolf» الصادر عام 2013؛ فكان عندما يعاني من صعوبات في النوم يغادر السرير ليذهب إلى الاستديو المجاور لغرفة نومه، ويجرب عزف الموسيقى وتأليف كلمات ومقطوعات جديدة، ويؤكد لنا فائدة ذلك قائلًا: «كنت أعلم أن هذا وقت ضائع يمكنني أن أفعل فيه شيئًا نافعًا بدلًا من التحسر على مفارقة النوم عيني»، ولا يعد «بيري» وحده، فهناك موسيقيون آخرون مروا بتجارب مشابهة مثل المغني والشاعر الإنجليزي كريس مارتن، والمغني الأمريكي موبي.

تؤيد هذه التجارب الشخصية دراسات علمية مثل الدراسة التي أجراها قسم علم النفس في جامعة نورث كارولينا الأمريكية، وتوصل من خلالها إلى أن الأرق له تأثير إيجابي في التفكير المتباعد، والذي يعني توليد الأفكار الإبداعية من خلال استكشاف العديد من الحلول الممكنة.

تنطبق تلك النتائج على الأطفال أيضًا، ففي دراسة أجرتها جامعة أوتاغو في نيوزيلندا على مجموعة من الأطفال بلغ عددهم 30 طفلًا يميلون للإبداع، و30 طفلًا آخرين يميلون إلى التفكير التقليدي، كانت النتيجة أن 17 طفلًا من مجموعة الأطفال المبدعين أكدوا وجود صعوبات في النوم؛ بينما في المجموعة الأخرى لم يكن هناك سوى ثمانية أطفال فقط ظهرت لديهم هذه الصعوبات؛ مما يؤيد فرضية أن القدرة الإبداعية تؤثر في استقرار نوم الفرد، وتزيد من تعرضه للأرق.

«نوم حركة العين السريعة».. كلمة السر وراء زيادة الإبداع بعد الاستيقاظ

إذا ما سألنا الكثير من الأشخاص عن أفضل وقت يجدون فيه أنفسهم قادرين على تأدية المهام التي تطلب قدرات ذهنية عالية، ففي الغالب سيكون بعد استيقاظهم من النوم، لكن ما الذي يميز هذه الفترة من اليوم؟ تشير الأبحاث إلى أن حل اللغز يرجع إلى أن مرحلة نوم حركة العين السريعة التي تسبق الاستيقاظ تعزز القدرات الإبداعية لدى الفرد.

وقد توصلت دراسة أُجريت في كلية الطب بجامعة هارفارد الأمريكية عام 2002، إلى أن 30% من الألغاز يمكن حلها بسهولة فور الاستيقاظ من نوم حركة العين السريعة أكثر من نوم حركة العين غير السريعة، وهو ما يدل على أن هذه المرحلة من النوم تساهم بشكل مؤثر في حل المشكلات المُعقدة.

لتحديد ما يحدث بدقة أكثر أجرى الباحثون في جامعة كاليفورنيا بأمريكا اختبارًا قسموا فيه المشاركين إلى ثلاث مجموعات، سُمح للأولى بالراحة فقط وليس النوم؛ بينما مُنحت المجموعة الثانية قسطًا من نوم حركة العين غير السريعة، أما المجموعة الثالثة فأخذوا كفايتهم من النوم بالوصول إلى نوم حركة العين السريعة.

وكانت النتيجة أن المجموعتين الأولى والثانية أظهرتا عدم زيادة في القدرة الإبداعية؛ بينما أظهرت المجموعة الثالثة التي استيقظت بعد حصولها على نوم حركة العين السريعة تفوقًا في التفكير الإبداعي، وذلك يؤكد أن هذه المرحلة من النوم تؤدي إلى إيجاد حلول جديدة للمشاكل بشكل إبداعي أكثر من أي مرحلة أخرى.

لذلك ينصحك الدكتور «هوارد نوسبوم» المتخصص في علم الأعصاب بجامعة شيكاغو، أنه في حال واجهتك مشكلة مُعقدة، لا تُجهد عقلك في التفكير، فهذا فعل تقليدي لا يوصل إلى نتيجة، وإنما عليك الذهاب إلى النوم؛ ففي هذه الحالة ستكون هناك فرصة جيدة للوصول إلى الحل الأمثل.

لم يكتف العلماء الإيطاليون بهذه الدرجة من المعرفة لتوثيق العلاقة بين نوم حركة العين السريعة، والإبداع؛ فبحثوا أكثر ليجدوا أن المستويات المنخفضة من هرمون الإجهاد (الكورتيزول) تلعب دورًا في السماح للنائمين بالوصول إلى الذكريات العميقة، وإقامة صلات بين الأشياء غير المترابطة بشكل لا يمكنهم القيام به عندما يكونوا مستيقظين.

أثبتت هذه النتيجة دراسة أخرى أُجريت في جامعة كاليفورنيا الأمريكية، وأخضع فيها الباحثون مجموعة من الأفراد للاختبار؛ بهدف المقارنة بين قدرتهم على الربط بين المواضيع غير المتصلة قبل نوم حركة العين السريعة وبعده، وكانت النتيجة أن إجاباتهم قبل النوم بلغت صحتها 70% مقابل 93% بعد النوم، وهذا لا يعني فقط قدرة الدماغ على تكوين المعلومات خلال فترة النوم، ولكن أيضًا يُثبت وظيفة نوم حركة العين السريعة في تمكين الدماغ من إجراء الارتباطات بين العناصر غير ذات الصلة ببعضها البعض، وهي قدرة قد تكون محدودة من جانب العقل الواعي.

4 نصائح للنوم بشكل يجعلنا أكثر إبداعًا

بالرغم من تعقد العلاقة بين الإبداع والنوم وتشابكها، إلا أنه توجد بعض النصائح العملية التي إذا ما اتبعتها ستحظى بزيادة في قدراتك الإبداعية مثل:

1- عندما تتعقد المشكلة اذهب إلى النوم

اكتشف العلماء أن المشكلات الصعبة تنحل تلقائيًّا بعد الحصول على فترات من الاسترخاء والتأمل الذهني، وهذا التجوال العقلي يعد مهمًا لأن الدماغ تذهب خلال هذا الوقت إلى العديد من المسارات معظمها غير مُنتجة، لكن بعضها قد يؤدي للوصول إلى رؤية أو حل.

وتوصلت دراسة أُجريت في جامعة هارفارد الأمريكية عام 1993 إلى أن الأشخاص الذين كانوا يسألون أنفسهم سؤالًا قبل النوم، نصفهم حلموا حلمًا يتعلق بموضوع السؤال، وربعهم وجدوا حله في أحلامهم.

2- لا تستهين بأحلامك

هناك طرق مختلفة يمكن من خلالها الإمساك بأحلامك فور الاستيقاظ من النوم، مثل الاحتفاظ بمفكرة ورقية بجوار السرير، أو كتابة الملحوظات على هاتفك الذكي، والسر وراء أهمية تدوين الأفكار الأولية للأحلام أنها تساعدك في تتبع ما حدث فيها، والعثور على مصدر إلهام لمشاريعك الإبداعية.

3- اقرأ كتابًا مُلهمًا قبل النوم

من الممكن أن يكون هذا الكتاب رواية خيالية أو مجموعة قصصية تذهب بك إلى عالم ما وراء الطبيعة، المهم أن يكون شيئًا يُلهم عقلك، ويضيف إليك معلومات جديدة تساعدك في التفكير الإبداعي عند الاستيقاظ، فدماغك سيجمع تلقائيًّا أفكارًا حول ما قرأته قبل نومك.

4- لا تستلق على السرير في أوقات الأرق

إذا وجدت نفسك مستلقيًا على السرير مدة تزيد على 15 دقيقة عليك أن تنهض وتغادر غرفة النوم، واذهب إلى غرفة أخرى وافعل شيئًا إبداعيًّا مثمرًا، مثل الكتابة أو الرسم في دفتر الملاحظات، وتعلم أن تعامل غرفة نومك دائمًا بوصفها بيئة مخصصة للنوم فقط.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!