ظل النوم لقرون طويلة غائبًا عن معرفة الإنسان، حتى أصبحنا في العقود الأخيرة نعرف القليل جدًّا حول طبيعة هذا النشاط الذي يداومه الناس كل ليلة، لنتعرف إذن على بعض أسرار النوم على ضوء الدراسات الحديثة.

1- الحرمان من النوم كسلاح

يعتبر الحرمان من النوم ضربًا من ضروب التعذيب، إذ يمثل حاجة إنسانية ضرورية للبقاء على قيد الحياة، ولذلك تلجأ بعض الحكومات لاستعمال الحرمان المتعمد من النوم كسلاح في الاستجوابات عبر ما يعرف بـ”إدارة النوم”.

ويسمح القانون الأمريكي باستعمال هذه الطريقة في الاستجواب، بحرمان المستجوبين من النوم لمدة لا تتجاوز سبعة أيام ونصف، وذلك عن طريق إصدار ضوضاء أو ربطهم بأغلال تجعل النوم شبه مستحيل، وعادة ما يتم استعمال هذا الأسلوب للتأثير على نفسية الفرد، وبالتالي جعله أكثر استعدادًا للاعتراف. لكن يشترط القانون الأمريكي بضرورة أن يكون تحت إشراف طبي.

وتطالب عددًا من المنظمات الحقوقية بإلغاء هذا القانون باعتباره يخالف اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي تم توقيعها عام 1975، “الحماية لكافة الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية أو المهينة”. ومن الجليِّ أن الحرمان المطول من النوم يُخالف هذه الشروط.

2- نقص النوم المتواصل له آثار متراكمة

تشير الأدلة العلمية إلى أن عدد ساعات نوم الشباب التي يحتاجونها هي 8 ساعات ونصف، ويصل عدد الساعات الكافية لدى المسنين إلى 7 ساعات ونصف، لكن فعليًّا فمعظم الناس يحصلون على معدلات من النوم أقل بكثير من المطلوب.



ويؤدي تعذر نقص النوم المتواصل إلى المعاناة من نقص النوم المزمن، حيث يحصل تراكم في “دين النوم” لدى الفرد، وهذا يعني أنه حتى في حالة النوم الزائد في عطلة نهاية الأسبوع غير كافٍ لتعويض أسبوع كامل من النوم السيئ المضطرب. كما أن النوم الزائد الذي قد يلجأ إليه البعض لتعويض نقص النوم في الأيام القادمة، قد لا يفيد كثيرًا.

يسبب نقص النوم اضطرابًا في النظام الغذائي، وتدهور في رد الفعل والذاكرة والقدرات المعرفية، مثلما يؤثر على الجهاز المناعي، مما يؤثر سلبًا على أداء الشخص أثناء اليقظة.

وإذا استمر الفرد بالنوم لفترة تقل عن 6 ساعات لمدة أسبوعين متواصلين، فإن معدلات الأداء لدى الشخص ستصل إلى نفس معدلات شخص يُعاني من حرمان حاد من النوم لمدة 24 ساعة، وهذا يعني أنه إذا استمر المرء لأسابيع متواصلة بهذا الحال فقد يصل إلى معدلات أداء تساوي أداء فرد حرم من النوم لعدة أيام متواصلة.

3- لماذا ننام؟ لا نعلم!

بالرغم من بساطة هذا السؤال إلا أنه لم يستطع العلماء والباحثون حتى الساعة تفسير الأسباب الكامنة وراء النوم، أو ما يسميه البيولوجيون “الغرض التطوري” من النوم.

تظهر عمومًا مملكة الحيوانات (التي من بينها الإنسان) أشكالًا من النوم، وإن كان هذا النوم تختلف مدته وطريقته وماهيته من حيوان لآخر.




يرى آخرون أن النوم ما هو إلا سمة تفتقر لأي قيمة تكيفية، لكنه ناتج ثانوي لسمة تكيفية حقيقية لم تُكتشف بعد، بينما افترض آخرون أن عملية النوم تساهم في تجديد الخلايا، وتحافظ على الطاقة، كما تساهم في تعزيز الذاكرة والقدرة على التعلم.

بيد أن كل هذه الافتراضات تبقى غير مقنعة علميًّا، وذلك لأن العلماء لم يتفقوا بعد على تعريف محدد للنوم، نظرًا لاختلاف ماهية الأخير بين الحيوانات، فالبعض منها ينام لكن نشاطه العصبي لا يختلف عن اليقظة، وأخرى لا نعلم كيف لا تنام إلا بعد مدة طويلة جدًّا ولمدة قصيرة فقط.

4- هناك 75 نوعًا من اضطرابات النوم

تشير الإحصائيات إلى أن ثلث البشر لديهم واحدًا على الأقل من 75 نوعًا من اضطرابات النوم، وهناك سبعة أنواع شائعة بين البشر وفق “التصنيف الدولي لاضطرابات النوم”.

المناطق المسؤولة في الدماغ عن النوم

يذكر التصنيف الدولي لاضطرابات النوم أن الأرق الأكثر شيوعًا، وهو عدم القدرة على النوم الكافي، واضطرابات التنفس المرتبطة بالنوم؛ حيث ينخفض تدفق الهواء لثواني بشكل متكرر في الليلة الواحدة، وفرط النوم المركزي المنشأ وهو النعاس المفرط لأكثر من 10 ساعات في اليوم، ثم اضطرابات النوم المرتبطة بالإيقاع اليومي حيث لا يحافظ الشخص على إيقاع منتظم لأوقات الذهاب إلى الفراش والاستيقاظ، والخطل النومي الذي يجعل الشخص يقوم بأشياء غير مرغوبة أثناء النوم مثل المشي ورعب الليل والكوابيس والتحدث والأنين والتبول اللاإرادي، واضطرابات الحركة المرتبطة بالنوم حيث يحس الفرد برغبة شديدة في تحريك ساقيه أثناء النوم، بالإضافة إلى مختلف الأعراض المنفردة والتغيرات العادية التي قد تصيب بعض الناس مثل الحرمان من النوم والسهر.

غالبًا ما تكون اضطرابات النوم لدى الأشخاص مرتبطة بأسباب فسيولوجية ونفسية، أو أنها تشكلت نتيجة عادات سيئة في النوم، ويستحسن للشخص المضطرب في نومه مراجعة إخصائي لمساعدته على الحصول على نوم صحي.

5- نصائح خاصة بالعادات الصحية للنوم للأصحاء

ينصح المتخصصون الناس بمجموعة من العادات التي ينبغي مزاولتها للحصول على نوم صحي وبالتالي أداء أفضل أثناء اليقظة، لكن أولًا شاهد لماذا عليك أن تحصل على نوم جيد مع الباحث جيف ليف.

ما لا ينبغي فعله:

  • وجود تلفاز في غرفة النوم أو مشاهدة التلفاز في الفراش.
  • استخدام الكمبيوتر في غرفة النوم، أو وجود أجهزة إلكترونية بالقرب من الفراش أثناء النوم.
  • المجادلة، أو ممارسة تمارين عنيفة قبل النوم مباشرة.
  • تناول الكافيين بعد الظهر أو مساء.
  • تناول مشروبات كحولية أو ما شابهها بغية النوم.
  • الذهاب إلى الفراش متخمًا أو جائعًا جدًّا.
  • تناول العقاقير المنومة دون وصفة طبية من قبل المختص.
  • أخذ قيلولة لمدة تزيد عن 20 دقيقة.
  • استخدام الأضواء الليلية، لكن يمكن استعمال ضوء أحمر برتقالي خافت.
  • التوتر بشأن القدرة على عدم النوم.
  • الشعور بالضغط من قبل الآخرين بشأن احتياجاتك من النوم وأوقاته.

ما ينبغي فعله:

  • محاولة الذهاب إلى الفراش والاستيقاظ في نفس الموعد في كل يوم.
  • قصر استخدام غرفة النوم على النوم والعلاقات الحميمية.
  • ممارسة التمارين الرياضية بانتظام يوميًّا، ويفضل في الصباح أو بعد الظهر.
  • التعرض للضوء الخارجي بانتظام.
  • الحفاظ على درجة حرارة تميل إلى البرودة داخل غرفة النوم.
  • الحفاظ على هدوء غرفة النوم واستعمال سدادات الأذن.
  • الحفاظ على غرفة النوم مظلمة تمامًا باستعمال ستائر معتمة واستخدام غطاء للعين.
  • الحفاظ على دفء الأقدام والأيدي، واستعمال جوارب النوم.
  • أخذ قيلولة قصيرة أثناء النهار.
  • خفض الأضواء ما أمكن قبل النوم بساعة أو ساعتين.
  • القيام بأمور خفيفة تبعث على الاسترخاء قبل الذهاب إلى الفراش مثل التأمل أو تمارين الاسترخاء، وأخذ حمام دافئ أو مشروب خالٍ من الكافيين.
  • الاستجابة لاحتياجات الجسم من النوم.
  • لا تدع أي شخص يوقظك بطريقة غير لطيفة مثل تحريكك بعنف أو الصراخ أو إفزاعك، فقد يؤدي بك إلى خطر على صحتك العقلية.

     6-كان الناس يحظون بقسط أوفر من النوم أكثر من عصرنا

نحن نعيش في عصر يتسم بالنشاط ليل نهار، فهناك التغطية الإخبارية الدائمة والمحينة على مدار اليوم، والمتاجر والأسواق مفتوحة بشكل مستمر كذلك أو على الأقل في بعض المناطق لوقت متأخر جدًّا، كما أن خدمة الهاتف والإنترنت لا تتوقف طوال الوقت، بالإضافة إلى ساعات العمل الطويلة والمناوبات الليلية، كل ذلك تسبب في اقتطاع ساعات من نومنا، وجعل الأخير في ذيل قائمة أولوياتنا.


عكس العصور القديمة حيث كان البشر يحظون بوقت وفير للنوم، نظرًا لقلة الأنشطة الموجودة حينها، وببساطة لأنه ليس لديهم ما يقومون به بمجرد حلول الظلام، حتى أن بعض الدراسات تشير إلى أن الحضارات القديمة كانوا ينامون على فترتين في اليوم الواحد.

لكن ما غير حياة نوم البشر هو اختراع المصباح، بحلول القرن التاسع عشر أصبح الإنسان قادرًا على تبديد الظلام، ومع تطور الأدوات الكهربائية من مصابيح وآلات وتقنيات مبتكرة وانتشارها بين ساكنة العالم، أصبح الناس قادرين على ممارسة أعمالهم على مدار اليوم بعد التغلب على تحدي الظلام.

أثارت هذه النقلة النوعية في نمط نوم البشر البعض، ما جعلهم ينادون بمحاربة ما يسمونه “التلوث الضوئي” في الليل، عبر التقليل من استخدام الأجهزة الكهربائية التي تصدر ضوءًا أثناء الليل ما أمكن.

7- الأحلام كانت مصدر مجموعة من الإبداعات

بخلاف النظرة الشائعة والسلبية للنوم كما قد يراه الكثير، بكونه عائقًا يضيع أوقاتنا بدل الانشغال في المعرفة والعمل، فإن النوم يلعب دورًا أساسيًّا في تطوير خبراتنا اليومية وابتكار حلول للمشكلات.

ويذكر التاريخ الكثير من قصص العلماء والمبدعين الذين توصلوا إلى أعمال خالدة بعد إحباط فقط من خلال إشارات راودتهم في أحلامهم، على سبيل المثال أوتو لوفي الذي وضع مبدأ النقل العصبي الكيميائي ونال عليه جائزة نوبل، وفريديريش أوجست من حدد البنية الكيميائية الحلقية للبنزين، أما روبرت لويس ستيفنسون الذي جاءتْه فكرة كتابة روايته الشهرية «قضية الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة» بعد استيقاظه من النوم، وبالمثل يُقال إن صامويل تايلور كولريدج قد استلهم فكرة قصيدة «قوبلاي خان» من حلم رآه، بينما تمكن ريتشارد فاجنر ربما أكثر من أي فنان آخر من استغلال النوم في استلهام مؤلفاته الموسيقية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد