النوم هو الوسيلة التي نشحن بها طاقتنا. عدم الحصول على القدر الكافي من النوم قد يتسبب في ضرر خلايا المخ حرفيًا، والإنسان الناضج – وفقًا للطب – عليه أن ينام ما بين سبع وتسع ساعات يوميًا، وعدد الساعات هذا قد يتغير بالزيادة أو النقصان في ظروف بعينها، مثل: الحمل أو التقدم في العمر، عندما يحتاج الإنسان أحيانًا وقتًا أكثر من الذي اعتاد عليه في فترة شبابه.

ما يقرب من 97% من البشر يعيشون وفقًا لتلك القاعدة الطبية ولا يستطيعون تغيرها حتى لو أرادوا، فأجسادهم لا تتحمل البقاء دون عدد ساعات النوم المذكور سلفًا، ولكن النسبة المتبقية يجلسون هُناك في الليل بينما يغفو جميع البشر. يُطلق عليهم البعض طائر البوم الليلي، أو النخبة اليقظة؛ نظرًا لقدرتهم على البقاء ساعات طويلة دون الحاجة للنوم، وعندما ينامون تكفيهم منه ساعة إلى أربع ساعات بالكثير.

هل أنت من هؤلاء البشر؟ تعرف إليهم..

النخبة اليقظة.. ماذا نعرف عنهم؟

هناك 3% من البشر حول العالم لديهم القدرة على النوم لمدة ثلاث ساعات فقط، ومع ذلك يحصلون على الراحة الكافية ويستيقظون نشطاء، ولاحظ الأطباء أن هؤلاء النخبة عادة ما يكونون متفائلين منطلقين في الحياة ولديهم العديد من المشاريع التي يريدون تحقيقها.

ويختلف هؤلاء البشر عن البشر المصابين بالأرق أو الذين يعانون حرمانًا من النوم؛ لأن الفئة الأخيرة عادة ما تتأثر سلبيًا بقلة عدد ساعات النوم التي يحصلون عليها، ويحتاجون لعلاج فوري لتلك الحالة حتى لا تصاب أمخاخهم بأي ضرر، بينما النخبة اليقظة لا تعاني من أي أزمة في عدد ساعات النوم القليل، بل بالعكس قد يشعرون بالاكتئاب إذا ناموا عدد ساعات طويلة، وكأنهم يشعرون أن أعمارهم تضيع في شيء بلا فائدة، وهو النوم.

منذ أن اكتشف الطب النخبة اليقظة، اصبحوا مصدر اهتمام العديد من الأطباء، ويعد أهمهم الطبيبة يينج هوي فو الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، والتي قادت فريقًا للبحث في عام 2009 لدراسة تلك الظاهرة المُسماة بـ«النخبة اليقظة»، واكتشف الفريق أن هناك طفرة جينية في أجسادهم هي ما تساعدهم على هذا النشاط الزائد والقدرة على استعادة كامل قوتهم خلال ساعات نوم قليلة.

في عام 2016 حاورت جريدة «ريفنيري» واحدًا من النخبة اليقظة، وسألوه كيف يمكن أن يتخيل حياته إذا اضطر للنوم لمدة سبع أو تسع ساعات، فأجابهم بأنه في هذه الحالة كان سيفوته العديد من الفصول الدراسية التي انضم لها لإتمام دراسته العليا.

وأنه لم يكن سيحصل على البكالوريوس في علوم الكمبيوتر والفلك، إلى جانب الدراسات العليا التي اجراها في مدرسة جراد، وأخيرًا حصوله على دكتوراه وماجستير في مجالين مختلفين، مؤكدًا للجريدة أنه لا يمكن أن يتخلى عن تلك الأحلام من أجل حفنة ساعات من النوم، مع العلم أن عدد الساعات القليلة لم يؤثر على قدرته على التركيز والاستذكار وتحصيل الكثير من المعلومات في مجالات مختلفة.

«هايبومانيا».. الهوس والنشاط

بعض الدراسات التي أجراها الطبيب النفسي في المركز الطبي بجامعة بيتسبيرغ ورئيس سابق للأكاديمية الأمريكية لطب النوم؛ دانييل بيسي، توضح أن النخبة اليقظة تعاني من نوع بسيط من أنواع الهوس يُطلق عليه «هايبومانيا»، مؤكدًا – دانييل – أن النخبة اليقظة يركزون أغلب الوقت على الجانب الإيجابي للحياة، ويميلون للتحدث سريعًا ودون توقف، ويشعرون بالحماسة الدائمة.

يعد هذا الهوس الخفيف أو الـ«هايبومانيا» من أنواع الهوس التي لها جوانب إيجابية، فهو يصيب صاحبه بحالة مستمرة من الغبطة وفرط في النشاط، ولذلك لوحظ أن معظم أفراد النخبة اليقظة يميلون إلى إنجاز العديد من المهام في الوقت نفسه، ومعظمهم يستكملون دراستهم لفترات طويلة.

السؤال الذي شغل دارسي ظاهرة النخبة اليقظة هو: « هل هناك طريقة ليكون الشخص العادي من من تلك النخبة؟ وينام ساعات قليلة في النوم دون أن يؤذي مخه؟»؛ حتى الآن ليس هناك طريقة طبية موثقة لإمكانية حدوث هذا.

وأوضحت الطبيبة بينج هوي لمجلة «زد إم ساينس» أن هذا النمط من النوم القصير يظهر عند النخبة اليقظة منذ الطفولة، وعادة ما يكون وراثيًا، وينتقل عبر الجينات، موضحة أن حلمها وهدفها في دراستها للنخبة اليقظة هو الوصول لحلول طبيبة لمعالجة مسارات النوم دون الإضرار بصحتنا، وأن يتحول كل البشر إلى نخبة يقظة، تستطيع أن تنجز الكثير من المهام في الوقت نفسه دون أن يؤثر هذا بالسلب على خلايا المخ، مشيرةً إلى أن الكثير عمر الإنسان يضيع في النوم، في حين أن تلك الساعات تكون مفيدة حتى وإن قضاها الفرد في الترفيه عن نفسه.

تشرشل وتسلا.. من طلب العُلا

على مر التاريخ ظهر العديد من النخبة اليقظة للعالم، وتركوا بصمة في التاريخ، هؤلاء لم يمنحوا النوم مكانًا في حياتهم، وكانوا ينامون وكأنهم مضطرين لذلك جسديًا فقط، ونستون تشرشل رئيس الوزراء الأسبق لبريطانيا كان واحدًا من النخبة اليقظة، وكان لديه عادة يومية دائمة.

في تمام الساعة الخامسة مساءًا، حينما يحتسي كأسًا من الويسكي مع الصودا؛ يأخذ غفوة لمدة ساعتين فقط؛ ما كان يسمح له بإنجاز العمل لمدة تصل إلى يوم ونصف متواصلين، وكان يعمل معظم الوقت خلال الليل وكان يُطلق عليه بومة الليل بسبب جدول نومه الغريب.

عُرف أيضًا عن المخترع والفيزيائي نيكولا تسلا نومه المحدود، ولم يكن يحصل على أكثر من ساعتين من النوم في اليوم، وأحيانًا كان يعمل لمدة 48 ساعة متواصلة في المختبر دون راحة.

النوم متعدد الأطوار.. لا تحاول تجربته في المنزل

النوم متعدد الأطوار من طًرق النوم الغريبة التي يلجأ إليها النخبة اليقظة مثل الرسام العالمي ليوناردو دافنشي. معظم الناس ينامون نومًا أحاديًا بمعنى الحصول على قسطًا واحدًا وطويل من الراحة في اليوم، وعادة ما يكون هذا القسط خلال الليل،  أما الشخص الذي يستخدم نمط النوم متعدد الأطوار فهو يظل مستيقظًا طوال الوقت وينام 20 دقيقة كل ساعتين أو ثلاث ساعات وهذا الجدول الزمني في النوم هو ما كان يتبعه دافنشي وهو ما ساعده على إنجاز العديد من الأعمال الفنية والعلمية أيضًا.

هذا النمط في اليوم لا يجب أن يجربه الشخص المعتاد على النوم أحادي الطور، وهذا بحسب ما أكده الطبيب ألوت أفيدان مدير مركز اضطرابات النوم بجامعة كاليفورنيا لجريدة الـ«تايمز»، موضحًا أنا تجربة هذا النوع من النوم للأشخاص الذين لا ينتمون للنخبة اليقظة يكون له أضرار صحية على المخ والإدراك والتركيز ومشاكل في الذاكرة وزيادة خطورة تعرضهم للحوادث. وإذا استمر الشخص العادي في محاولة تجريب هذا النوع من النوم – متعدد الأطوار – قد ينتهي بهم الأمر بالإصابة بمرض السمنة أو السكري واضطرابات الهرمونات.

ولكن بالنسبة للنخبة اليقظة، والتي تتمتع بالطفرة الجينية المذكورة سلفًا، فهذا النوع من النوم يكون مفيدًا لهم في إنجاز المهام المتعددة، بل تكون لديه القدرة على زيادة القدرة الإبداعية في المخ، ولكن أيضًا إذا لم يُثبت أن قلة النوم تساعد على زيادة القدرة الإبداعية، فمع النخبة اليقظة الأمر يسير في اتجاه معاكس.

فالإبداع الذي يسكن في عقلهم وروحهم هو ما يمنعهم عن النوم، وليس العكس، فلديهم في عقولهم الكثير من الأفكار المبتكرة، والخطط التي يريدون تحقيقه وتساعدهم الطفرة الجينية في امخاخهم على الاستيقاظ لفترات طويلة لتنفيذ تلك الأفكار الإبداعية.

ولذلك يجب أن يعرف القارئ الفرق بين الأرق الذي يسبب الإرهاق وعدم القدرة على التركيز، فإذا كنت لا تنام وتشعر بالتعب وعدم القدرة على إنجاز المهام فأنت مصاب بالأرق ولست من النخبة اليقظة، خاصة وأن هذا الأمر قد حدث لك مؤخرًا وليس منذ الطفولة، فلا تفسره على كونك من النخبة اليقظة، فالنخبة اليقظة لا تنام، ولكنهم يتمتعون بنشاطهم كاملًا، بل يكون نشاطهم أكثر من الفرد العادي الذي يحصل على عدد ساعات النوم المعتادة بين سبع لتسع ساعات.

صحة

منذ سنتين
قلة النوم تهدد صحتك.. أسباب اضطراب النوم وأضراره وطرق التخلص منه

فإذا كنا مصابًا بالتعب نتيجة عدم القدرة على النوم فأنت في حاجة إلى زيارة الطبيب، أما إذا انطبق عليك كل ما ذكر سلفًا عن النخبة اليقظة؛ فأنت بومة ليل، ولديك القدرة على تنفيذ المهام التي تخطط لها في مخك، وعليك أن تبدأ في تنفيذها.

المصادر

تحميل المزيد