في الأول من يوليو (تموز الجاري، وبعد كل الاضطرابات التي أحدثها تصويت غالبية الشعب البريطاني على خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، استلمت سلوفاكيا من هولندا شعلة قيادة الاتحاد الأوروبي لستة شهور قادمة

في الأول من يوليو (تموز) الجاري، وبعد كل الاضطرابات التي أحدثها تصويت غالبية الشعب البريطاني على خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، استلمت سلوفاكيا من هولندا شعلة قيادة الاتحاد الأوروبي لستة أشهر قادمة.

ربما ستكون واحدة من أكثر الفترات ارتباكًا في تاريخ الاتحاد، في ظل شكوك كثيرة بدأت تثار منذ خروج بريطانيا، حول مستقبل بقاء هذا الاتحاد، الذي تلقى ضربة قاسية في استقراره، في يونيو (حزيران) الماضي.

علمًا بأن سلوفاكيا، التي تعتبر من الأعضاء الجدد في الاتحاد، تحمل الرقم القياسي، الخاص بأعلى نسبة تصويت بنعم، على الانضمام للاتحاد الأوروبي، حيث صوت الشعب السلوفاكي بالموافقة على ذلك في استفتاء عام 2003، بنسبة موافقة بلغت 92.46%.

فيكو عدو اللاجئين رئيسًا للاتحاد

مع بداية ولاية سلوفاكيا، صار رئيس وزراء سلوفاكيا، روبرت فيكو، رئيسًا لمجلس الاتحاد الأوروبي، حتى نهاية يناير (كانون الثاني) من عام 2017.

 صورة لروبرت فيكو.

وفيكو، هو المعارض الشرس، لقبول اللاجئين المسلمين في أوروبا، حيث يرى فيكو أن اللاجئين يغيرون شخصية بلاده المسيحية، التي لا تقبل بقيم المسلمين السائدة، وطريقة تفكيرهم، وتعارض بشدة أن تكون موطن معيشة للاجئين منهم.

فبالنسبة لفيكو سلوفاكيا وطن مسيحي، لن يسمح بأي حال بتدفق أعداد ضخمة من المسلمين، حيث لا يتخيل فيكو أن ًتستقبل دولته ما بين 300 إلى 400 ألف مهاجر مسلم، وهم في رأيه، مثيرين دائمًا للمشاكل والعنف، ومهددين للسلام الاجتماعي والمثل العليا، ويستدل فيكو على ذلك بالكثير من الأحداث التي توالت منذ تفاقم أعداد اللاجئين المسلمين في أوروبا؛ على سبيل المثال ما نسب إلى مهاجرين مسلمين من التورط في التحرش الجنسي، بحق امرأة ألمانية في مدينة كولونيا ليلة رأس السنة الميلادية الماضية.

وقد كان عدم التساهل مع الجاليات المسلمة في سلوفاكيا، ركيزة أساسية في وعود حملته الانتخابية بسلوفاكيا، والتي اختاره الشعب على أساسها.

حيث صرح فيكو بوضوح، أنه ليس للإسلام مكان في سلوفاكيا، مؤكدًا أنه لن يسمح بتواجد متزايد للمسلمين في بلاده، وهم حين يحلوا في مكان يرغبون دائمًا في بناء مساجد في كافة أنحاء هذا المكان، وهو ما يراه فيكو تهديدًا لطبيعة أرض وثقافة وقيم المجتمع السلوفاكي.

وعلى جانب آخر فإن فيكو الذي تتفق معظم الأطراف السياسية في بلاده، على الإصرار على عدم استقبال اللاجئين وطالبي اللجوء، وترى بلاده عمومًا أن المسلمين غير مرحب بهم داخلها، هو الآن رئيسًا لمجلس الاتحاد الأوروبي، الذي تتنافى مواقف غالبية الدول الأعضاء به مع تلك الرؤية. علمًا بأن سلوفاكيا لم تستقبل في عام 2015، سوى ثمانية لاجئين فقط.

وكانت سلوفاكيا قد رفضت بشراسة، منذ عام 2015، أن تشارك في خطة توزيع المهاجرين على الدول الأعضاء في الاتحاد، التي صادقت عليها الدول الأعضاء في الاتحاد بأغلبية كبيرة.

وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2015، كان فيكو قد أقام دعوى في لوكسمبورج، أمام محكمة العدل الأوروبية، ضد الاتحاد الأوروبي، بشأن تلك الخطة المتعلقة بإعادة توزيع اللاجئين، حيث أكدت سلوفاكيا آنذاك أن فكرة الحصص الإلزامية هذه، لا معنى لها، ومستحيل القيام بها حتى من الناحية الفنية.

مستقبل أوروبا تحت رئاسة سلوفاكيا

تشهد سلوفاكيا نفسها، منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حملة يمينية كبيرة ضد التواجد في هذا الاتحاد.

حيث أعلن الحزب اليميني السلوفاكي «سلوفاكيا الخاصة بنا»، غداة استفتاء بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي، عن أنه سيطلق حملة لجمع التوقيعات، من أجل تنظيم استفتاء حول خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، مثل البريطانيين.

حيث قال ماريان كوتليبا، رئيس حزب سلوفاكيا الخاصة بنا، القومي اليميني، على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»: «لقد آن الأوان لكي تغادر سلوفاكيا أيضًا سفينة التايتانيك التي توشك على الغرق».

وحزب سلوفاكيا الخاصة بنا، الذي يرتدي أعضاؤه في مسيراتهم ملابس أشبه ما تكون بملابس الفاشيين في أربعينيات القرن العشرين، ليس حزبًا صغيرًا في سلوفاكيا، ولا ممثلًا لقطاع ضئيل من الشعب، فقد نجح في آخر انتخابات أن يكسب ثقة عدد لا بأس به من الناخبين، مكنه من حجز 14 مقعدًا، من أصل 150، في البرلمان السلوفاكي، الذي يهيمن عليه ما يسمى بتيار يسار الوسط.

ورغم أن سلوفاكيا ما زالت تحمل نسبة من المؤمنين بضرورة البقاء في الاتحاد الأوروبي، أكبر بكثير من بقية الدول الأوروبية، لكن أيضًا نسبة المتشككين من المواطنين بداخلها، في هذا الاتحاد وجدواه، قد زادت بشدة في الفترة الأخيرة، ولم تعد حالة الموافقة التامة على عضوية البلاد في الاتحاد الأوروبي، هي نفس الحالة التي كانت عليها في استفتاء عام 2003.

لكن في الواقع، فرغم أن رئيس الحكومة السلوفاكية كان قد توقع إبان حملته الانتخابية عام 2015، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، أن الاتحاد السلوفاكي قد يتفكك تحت قيادة بلاده، إذا لم يجد حلًا واقعيًا لا يهدد أوروبا، فيما يخص مسألة اللاجئين، لكن على جانب آخر فإن نفس الشخص، وهو فيكو، الرئيس الجديد للمجلس، والمنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، هو واحد من أكثر المتحمسين في الواقع لبقاء الاتحاد الأوروبي.

حين كانت سلوفاكيا تعد نفسها لرئاسة الاتحاد الأوروبي منذ ثلاث أو أربع سنوات، لم تكن تتوقع أن تأتي فترة رئاستها، في اللحظة التي يحدث فيها الانفجار الكبير، وتنفصل بريطانيا عن الاتحاد الأوربي، على أثر استفتاء شعبي، لعب فيه السخط من الهجرة دورًا كبيرًا في إخراج نتيجته على هذا الشكل.

ومن هنا فإن الفترة التي تبدأ فيها سلوفاكيا، ذات الموقف الصارم من اللجوء ومن المسلمين، رئاستها، قد صادفتها بداية مميزة، تجعل سلوفاكيا في موقف جيد، أثناء محاولاتها لتغيير سياسات الاتحاد الخاصة باللاجئين والهجرة، فها هي البداية قد تزامنت مع انفصال يهدد الوحدة، تسبب فيه نفس الأمر الذي ترفضه سلوفاكيا.

وقد صرح فيكو بوضوح، بخصوص هذا الشأن قائلًا، إن الخروج البريطاني، فرصة عظيمة لنقاش مثير للاهتمام. وهو ما يعني كون سلوفاكيا ورئيس حكومتها ورئيس الاتحاد حاليًا، لن يفرطوا في اغتنام فرصة اللحظة التاريخية، لمحاولة فرض رؤيتهم على الاتحاد.

وقال روبرت فيكو أيضًا بوضوح، في مناسبة أخرى إنه «على الاتحاد الأوروبي إعادة النظر في بعض من سياساته الفاشلة، وخصوصا تلك المتعلقة بالهجرة».

لكن على صعيد آخر، يرى العديد من المحللين، أن الدبلوماسيين الألمان في الاتحاد الأوروبي، وربما هم الأهم في هذا الاتحاد باعتبار أن ألمانيا هي القوة الاقتصادية الكبرى في هذا الاتحاد، لا يوافقون ولا يثقون في خطط روبرت فيكو، حول قضية إجراءات اللجوء ومسألة ما يسمى بالتوزيع العادل للاجئين في دول الاتحاد الأوروبي، التي لا توافق عليها سلوفاكيا.

ويبدو أن روبرت فيكو متفهم جيد لتلك الصعوبات التي تنتظره، في تمرير التغييرات التي يريدها، حيث قال سابقًا: «لا يمكن لدولة أو دولتين من الدول الاعضاء، أو حتى الدول المؤسسة لوحدها، أن تتخذ القرارات الحاسمة التي ستقرر مستقبل أوروبا»

لكن سفير سلوفاكيا لدى الاتحاد الأوروبي، بيتر يافورشيك، كان قد قال إنه واثق من الوصول إلى أجندة إيجابية، فيما يتعلق بسياسة الهجرة أثناء الستة أشهر القادمة، رغم تأكيده أيضًا أنه لا يمكن بحال من الأحوال مناقشة الاقتراحات التي قدمتها المفوضية الأوروبية، بخصوص استقبال اللاجئين وتوزيعهم، في ظل الرئاسة السلوفاكية.

وبينما من المتوقع أن يبرز الخلاف بشدة حول مسألة اللاجئين، تحت الرئاسة السلوفاكية، فإنه على مستوى الاقتصاد، ستسعى سلوفاكيا أثناء قيادتها للاتحاد، إلى تحقيق نجاحات اقتصادية كبيرة، أهمها تشجيع الاستثمارات، من أجل دفع عجلة النمو في منطقة اليورو، وتحسين الشراكة في المجال الرقمي، تحت ظلال السوق الأوروبية الموحدة.

هذا كله بالإضافة إلى السعي لإنجاز توقيع اتفاق التجارة التاريخي «CITM»، الذي سيجرى مع كندا في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2016، إلى جانب دفع المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية حول اتفاقية التجارة الحرة، إلى الأمام.

عرض التعليقات
تحميل المزيد