عندما كان يعمل المحنطون في مصر القديمة، على تحنيط مومياء الملك رمسيس الخامس وتجهيزها، من أجل رحلة الانتقال إلى العالم الآخر؛ لم يتخيل أحدهم أن الندبات التي خلفها الجدري على جلده ستكون دليلًا عمره 3 آلاف عام، على أقدم وجود لفيروس «فاريولا (Virola)» المسبب لمرض الجدري، على الأرض.

مرض الحويصلات الصغيرة.. ما الجدري؟

الجدري هو مرض فيروسي معدٍ، ينتقل عن طريق اللمس والتنفس، ويصيب كائنات مختلفة منها الإنسان. الفيروس الذي يصيب الإنسان بالجدري هو فيروس «فاريولا»، وهي كلمة لاتينية مشتقة من فاريوس «varius» وتعني مُبقَّع، أو «varus» بمعني علامة على الجلد. وعرف في القرن الخامس عشر باسم «smallpox» أو «small pockes» أو الحويصلات الصغيرة، لتفرقته عن مرض الزهري، الذي كان يعرف وقتها بالحويصلات الكبيرة. ويوجد من هذا الفيروس عدة أنواع أشهرها الفاريولا الكبرى، والفاريولا الصغرى.

صحة

منذ 7 شهور
كيف سيطر الإنسان على أخطر 4 أوبئة هاجمت البشرية في القرن 21؟

تبدأ أعراض مرض الجدري بعد أسبوع أو أسبوعين من التعرض للعدوى، بما يشبه نزلات البرد الشديدة؛ كارتفاع درجة الحرارة، وآلام بالجسم، وصداع، وإرهاق شديد، وبعد بضعة أيام تظهر بقع حمراء على الوجه والأيدي والأذرع ثم تظهر على الجذع، وخلال يوم أو يومين تتحول البقع إلى بثور بها سائل شفاف، سرعان ما تتقيح وتمتلئ بالصديد، وبعد ثمانية أو تسعة أيام تظهر قشرة ثم تجف وتسقط، تاركة ندبة عميقة لا تزول. قد تظهر البثور أيضًا في الأغشية المخاطية المبطنة للأنف والفم ثم تتقرح.

مأساة الجدري ليست فقط لكونه مرضًا معديًا بشدة ومشوهًا للجسد، ولكن لأن ثلث المصابين به يموتون، ومن يُفلت من الموت قد يلاحقه العمى، كما حدث مع أبي العلاء المعري.

ففي سبعينيات القرن العاشر الميلادي، وتحديدًا في معرة النعمان بإدلب في سوريا، بدأت أعراض المرض تظهر على الطفل الصغير الذي كان يبلغ من العمر أربع سنوات. ارتفعت حرارته، ثم بدأت البثور والحويصلات في تغطيه جلده، وصل المرض إلى عينيه فأطفأهما، لكنه نجا من الموت الذي كان يفتك بثلث مرضى الجدري.

خط زمني لمرض الجدري

الجدري يجوب المعمورة ويسحق حضارة الأزتيك

لا نعلم على وجه التحديد من أين أصيب فرعون مصر بالجدري، لكن يبدو أن ما أوصل الجدري إليه، قد ساق الفيروس بطريقة ما ليجوب أنحاء المعمورة. فقد وُجدت مخطوطة صينية تصف ما يشبه الجدري في القرن الرابع، ثم انتشر في القرن السابع عبر الهند ثم شمال أفريقيا، وإسبانيا، والبرتغال، ومنها إلى آسيا الصغرى وحوض المتوسط.

وفي القرن السادس عشر عبر الجدري مع جنود أوروبا الأطلنطي، ووصل إلى عالم جديد ليضع بصمته التي لا تنكر في سحق حضاراته القديمة. فعندما وصل الجدري إلى شواطئ وسط وجنوب أمريكا، لم تكن أجساد السكان الأصليين تحظى بأي معرفة سابقة به، فكان وقعه عليهم أشد وطئًا من جيوش أوروبا. وفي عام 1519 سقط 3 مليون شخص من حضارة الأزتيك صرعى تحت سطوة المرض، الأمر الذي أضعفهم بشدة فانهاروا سريعًا أمام الغزو الإسباني.

محاولات أولية.. البشرية تحاول مواجهة الجدري

لم يقف البشر مكتوفي الأيدي طيلة هذه السنين أمام مرض الجدري، فقد سجَّل التاريخ محاولات مختلفة للوقاية منه عن طريق سحق قشر البثور الجاف من شخص مصاب بالجدري، ثم تعريض الأشخاص غير المصابين به لها، عن طريق استنشاقها كما حدث في الصين، أو خدشها تحت الجلد كما فعلوا في الهند، في محاولة مبدئية للتطعيم.

وكما سافر المرض عبر العالم، تناقل البشر محاولات تحجيمه، ففي القرن الثامن عشر وصلت فكرة التلقيح البدائي هذا إلى إنجلترا عبر ماري مونتاجو زوجة السفير الإنجليري أثناء وجودهم في تركيا، وقد نجت من الجدري بنفسها فقررت استخدام الطريقة مع طفليها.

حلب الأبقار يحمي من الجدري!

في 17 مايو (أيار) عام 1749، بإنجلترا، ولد الطفل الثامن لرجل دين يدعى القس ستيفن جينر. تلقى إدوارد جينر تعليمًا أساسيًّا قويًّا، ثم تدرب سنوات طوال ليصبح طبيبًا وجراحًا قبل أن يعود إلى مسقط رأسه الريفي ويمارس مهنته كطبيب.

Embed from Getty Images

إدوارد جينر يلقح طفلًا معافى بمصل من جدري البقر

لم يكن إدوارد جينر أول من فكر في اختراع مصل للجدري، فقد سبقته شعوب آسيا بحوالي ألفي عام، عندما حاولوا بناء مناعة من المرض باستنشاق قشرة الجرح المجففة عبر أنوفهم حتى يصابوا بالمرض لكن بحدة أقل، ويكتبسوا مناعة طوال العمر،  لكن لعله لم يتصور آنذاك أنه يبدأ تجربة ستغير مسار طب الأمراض المعدية.

عندما ظهر الجدري في الأنحاء، سمع إدوارد أن الفتيات اللاتى يحلبن الأبقار لم يصبن قط بالجدرى. فلم يتجاهل الملاحظة ونقلها إلى حيز التجربة، بملاحظته للفتيات المصابات بجدري البقر – وهو أقل حدة من المرض البشري – وجد بثورًا وتقيحات على أيديهن، فتوقع أن السائل داخل الحويصلات يحميهن لسبب ما من الجدري البشري، فقرر استخدامه مع طفل سليم معافى بطريقة مختلفة.

قرر جينر أن يخدش جلد طفل صغير بالسائل المتجمع في بثور جدري البقر. توعك الصغير قليلًا وظهرت عليه بعض الأعراض ثم تعافى من تلقاء نفسه. وبعدها بفترة عرض الطفل الصغير للجدري عدة مرات، لكن الصغير لم يمرض!

سجل جينر ملاحظاته العلمية بدقة، إلا أن المجتمع الطبي لم يتقبل فكرته ببساطة، لكن بعد عدة محاولات بدأ قبول الفكرة وتطبيقها ومن ثم انتشارها. ثم استخدمت سلالات فيروسية مختلفة لإنتاج اللقاح بدلًا من فيروس جدري البقر، ومع دخول القرن التاسع عشر كان العالم الحديث أمام أول لقاح يصلح للتعميم.

الحرب على الجدري تبدأ

في القرن العشرين، تأججت الحرب بين الجدري والبشر، وسقط 300 مليون إنسان قتيلًا بسببه. حتى أعلنت منظمة الصحة العالمية في 1959 خطة للقضاء على الفيروس، إلا أنها لم تكلل بالنجاح التام؛ لقلة الموارد والمخصصات المالية. فشلت الخطة واستمر تفشي الجدري في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا الجنوبية. لكن محاولة القضاء عليه تكررت مجددًا بإجراءات أكثر صرامة.

اختفاء الجدري من العالم

كيف قضت البشرية على الجدري؟

إذا ذُكرت الستينيات فحتمًا سنذكر الحرب الباردة، إلا أن اجتماع البشر على عدو واحد يهدد حياتهم كان كفيلًا بالقضاء عليه. فخرج البرنامج المكثف للقضاء على الجدري عالميًّا في عام 1967، وهذه المرة نجحت المعامل من مختلف الدول، التي توطن فيها الجدري، في إنتاج لقاح أكثر جودة واستخدامه في حملات موسعة. كما ساعدت عوامل أخرى على تحسين نتائج التلقيح مثل تطوير إبرة الحقن، لكن ربما كانت أهم نقاط قوة البرنامج هي تأسيس نظام ترصد للحالات وإحكام تتبعها.

Embed from Getty Images

اصطفاف الناس لتناول اللقاح

مثال جيد على ذلك هو رحيمة بانو، طفلة من بنجلاديش في الثالثة من عمرها، وهي آخر حالة سجلت إصابتها بالفاريولا الكبرى عام 1975، وكانت إجراءات البرنامج واضحة وصارمة كالتالي:

1) عُزلت في منزلها وعُيِّن حراس على بابها يوميًّا، حتى شفيت تمامًا وانتهت احتمالية العدوى.

2) جرى تطعيم كل من يعيش في محيط منزلها بدائرة قطرها ميل ونصف، وفي زيارات منزلية.

3) فحص فريق متخصص كل المنازل، والمدارس، وأماكن التجمعات العامة في دائرة قطرها خمسة أميال حول مسكن رحيمة؛ للتأكد من عدم إصابة أي شخص آخر.

4) خُصصت مكافأة لكل شخص يبلغ عن حالة جدري.

في أفريقيا، كانت آخر إصابة تلقائية بالمرض في 1977، عندما أصيب الصومالي علي ماو مالين الذي كان يعمل طاهيًا في مستشفى، وعند مرور حملات التطعيم تظاهر أنه تلقى اللقاح بالفعل بسبب خوفة من إبرة الحقن. المفارقة أن مالين قد نجا من الجدري، وتعهد ألا يسمح للآخرين بالوقوع في الخطأ نفسه، وعاش ليصبح من أبطال الصومال في حملات القضاء على شلل الأطفال حتى توفي بالملاريا عام 2013، أثناء عمله بهذه الحملات.

آخر حالة سجلت على الإطلاق كانت جانيت باركر المصورة الطبية في كلية الطب جامعة برمنجهام في عام 1978 في بريطانيا، ولم تكن إصابة طبيعية تلقائية بالعدوى من شخص مصاب آخر، لكنها كانت حادثًا غير مقصود من أحد معامل الكائنات الدقيقة في الجامعة، وتوفيت من جراء الإصابة بالمرض.

من حادثة جانيت تعرف أن عدم تسجيل حالات إصابة بالمرض لم تعن انقراض الفيروس تمامًا؛ لأن الفيروس ما يزال محتفظًا به في معامل بعض الدول من أجل الأبحاث والدراسات، الأمر الذي ما يزال يثير بعض القلق حيال إمكانية استعماله سلاحًا بيولوجيًّا يومًا ما. واليوم لا يوجد فيروس الفاريولا المسبب للجدري إلا في مكانين فقط على سطح الأرض وهما: مركز التحكم في الأمراض (CDC) في أتلانتا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومركز أبحاث الدولة لعلوم الفيروسات والتكنولوجيا الحيوية بكوسوفو في روسيا.

علوم

منذ 6 شهور
متى سنحصل على مصل كورونا؟

في مايو عام 1980، أي بعد مرور حوالي قرنين من اختراع لقاح الجدري، اجتمعت جمعية الصحة العالمية بصفتها أعلى جهاز لاتخاذ القرار في منظمة الصحة العالمية، وأعلنت أن الأرض قد تحررت تمامًا من الجدري، وأن 300 مليون دولار كان كلفة مقبولة، وفرت على العالم مليار دولار سنويًّا منذ عام 1980.

فاريولا وكورونا

بينما يصارع العالم أحدث فيروساته القاتلة وأكثرها تفشيًا، يأتي شهر مايو ليذكرنا بما يمكن للعلم فعله، عندما اتفقت البشرية ووحدت جهودها. فبينما يحتفل العالم بمرور 40 عامًا على القضاء على فيروس الفاريولا المسبب للجدري، بعد سنوات طوال من قتاله المنظم والجماعي، نقاتل الآن فيروس كورونا، فهل سننجح في القضاء على كورونا المستجد، كما سبق وأن حدث فعلنا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد