في الوقت الذي تسعى فيه «إسرائيل» إلى قتل الأسرى الفلسطينيين الذين تعتقلهم كورقة رابحة وتحسبا لصفقة ما قد تضطر إليها، وحرمانهم لآلاف منهم من حقهم في الإنجاب عبر رفض الاحتلال المتكرر لأية خلوة شرعية تجمعهم وزوجاتهم، استطاع الأسرى إيجاد طريقة تضمن حدوث عكس ذلك، ليثبتوا للجميع أن المقاومة لا تكون بحمل السلاح وحسب، ولكن بالحفاظ على حياة جيل المستقبل الذي أرادوا أن يئدوه قبل أن يخرج إلى العالم.

في هذا التقرير نشرح لك طريقة المقاومة الجديدة في خمس نقاط

لماذا يقوم الأسرى بذلك؟

يعيش الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الصهيوني ظروفًا صعبة خاصة الأسرى أصحاب الأحكام العالية، فالكثير من هؤلاء قد حُرموا من تكوين أسر وإنجاب ذرية بسبب قيام الاحتلال الصهيوني باختطافهم واعتقالهم من بين أهلهم وذويهم وزوجاتهم، تشير إحصائية محدّثة أنّ 30- 40% من الأسرى متزوجون وهذا يعني مزيدًا من المعاناة للأسير من جهة ولزوجته من جهة أخرى، فهي تشعر بالوحدة بسبب غياب الزوج لسنين طويلة؛ قرر عدد من الأسرى القيام بتهريب نطفهم خارج السجن عبر طرق معينة من أجل الحصول على ذرية وتكوين أسر وبناء حياة عائلية رغم الغياب القسري عن المجتمع، وهذه القضية مرت بعدة خطوات بدأت بنقاش بين الأسرى الذين أبدى بعضهم الموافقة والبعض الآخر الرفض.

إلى أن أصبحت هذه القضية محل اهتمام وقبول من المجتمع خاصة بعد إصدار علماء الدين فتاوى تجيز للأسرى الإنجاب عن طريق تهريب النطف ولكن بشروط معينة وهذا ما ستوضحه الدراسة. بلغت عمليات التلقيح عن طريق تهريب النطف عشرات الحالات وكانت نتائجها حتى كتابة هذه الدراسة حوالي ثلاثين طفلًا كان أولهم الطفل مهند عمار الزبن، والأسرى مستمرون في هذه الثورة الإنسانية. غالبية من يقوم بانتهاج هذه الطريقة في الإنجاب محكومون بأحكام عالية جدا تصل لمئات السنين، فلا توجد «في شريعة الاحتلال» الحكم بالإعدام وتستبدل به الحكم المؤبد بسنواته الـ99 .

ونظرا لأن عددا من هؤلاء الأسرى ممنوعون من الزيارة فضلا عن أن يلتقي بأهله يقوم السجناء الفلسطينيون بتهريب نطفهم داخل عبوات متخصصة يتم تهريبها لهم عن طريق زملائهم الأسرى الذين يتمكنون من زيارة ذويهم ومن ثم إرسالها مرة أخرى إلى العالم الخارجي.

ماذا بعد التهريب؟

وتتواصل خطوات الحكاية عقب استلام العينة المهربة، حيث يقوم طاقم المختبر والذي يتم الاتفاق معه مسبقا وترتيب كافة التفاصيل باستلام العينة من أهل الأسير أو زوجته بحضور شاهدين من أهله وشاهدين من أهلها وتوثيق كافة الأوراق الثبوتية التي تؤكد ديمومة الزواج وفق ما حددته دار الفتوى الشرعية الفلسطينية. كما يوضح ذلك وزير الأسرى السابق وصفي قبها مشددا على أن الأسرى تأكدوا من جواز هذه الخطوة عبر الشيخ يوسف القرضاوي من جهة ومن جهة أخرى الشيخ الراحل حامد البيتاوي وهو نائب في المجلس التشريعي الفلسطيني.

وتمكن الأسرى من ابتكار وسائل مدهشة استطاعوا من خلالها تهريب هذه النطف بوسائل متعددة، كوضعها مكان النواة في حبة التمر، ونقلها بأسرع وقت ممكن إلى المركز من أجل فحصها وتخزينها وتجميدها.

ويبين مركز متخصص في إجراء العمليات لزوجات الأسرى أن العينة الواحدة تحتوي على عشرات الملايين من الحيوانات المنوية، وبعد فحصها يتم تخزينها لاستخدام حيوان منوي واحد منها في عملية التلقيح، ويجري تقسيم العينات إلى أجزاء عديدة لاستخدامها في أكثر من عملية حمل، ويمكن حفظ هذه العينات مجمدة لسنوات عديدة خلال درجة حرارة (196) تحت الصفر ما يسهل حفظها لدرجة طويلة.

ويقبع نحو 7 آلاف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، من بينهم 476 أسيرًا صدرت بحقهم أحكام بالسجن المؤبد لمرة واحدة أو لمرات عديدة .. وحسب الإحصائيات الفلسطينية الرسمية لهيئة شؤون الأسرى والمحررين فإن قرابة 35% من الأسرى متزوجون، في حين يمضي (478) أسيرا محكوما بمدى الحياة و(463) أسيرا أمضوا أكثر من (20 ) عاما و(15) أسيرا أمضوا أكثر من (25)عاما و(30) أسيرا أمضوا أكثر من (25)عامًا.

وحسب الإحصاء المركزي الفلسطيني فإن معدل الخصوبة في الأراضي الفلسطينية 5.9% ما يعني أنه إذا كان هناك ألف أسير متزوج ويحرم من الإنجاب بسبب الأسر ويمضي أحكاما بالمتوسط تصل لـ 25 عاما فإن الفلسطينيين في هذه الحالة يخسرون نحو 6000 أسير في 25 عاما وهذا قد يفسر أن إسرائيل ماتزال ترفض السماح للفلسطينيين بالتمتع بهذا الحق في حين تسمح للمعتقلين اليهود الذي يحظون بحقهم في الاختلاء بزوجاتهم وإنجاب أطفال وذلك في محاولة للتغلب على الصراع الديموغرافي.

اقرأ أيضًا: إذا كنت تريد أن تتعرف أكثر إلى قصة الصراع الديموغرافي في فلسطين

كيف بدأت القصة؟

بعد توقيع السلطة الفلسطينية اتفاق أوسلو مع الاحتلال عام 1992، طرحت قضية حق الأسرى في الإنجاب داخل سجون الاحتلال، خاصة في ظل رفض الاحتلال إطلاق سراح الأسرى ذوي المحكوميات العالية، كما رفض الاحتلال فكرة الخلوة مع زوجات الأسرى تحقيقا للإنجاب.

وبشكل خافت وصامت تداول الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية قبل عشرين عامًا قضية التلقيح الصناعي لزوجاتهم عبر تهريب نطفهم من داخل المعتقلات. واتسعت دائرة المشتركين في التداول حتى نفذت فعليًّا. ولم تنجح محاولات قليلة قام بها الأسرى لتهريب نطفهم لأسباب مختلفة، لكن تفكيرهم في الأمر وتنفيذهم له يعكس معاناتهم الصامتة وغير المعلنة ورغبتهم في حلم لا يتحقق إلا بالإفراج عنهم. وتوالت النقاشات بين الأسرى بين رافض لهذه المحاولة لأسباب اجتماعية ودينية بالدرجة الأولى وبين قابل لهذه الفكرة، حتى كسر الأسير عباس السيد والمحكوم بالسجن مدى الحياة هذه التخوفات ودشن أول محاولة في 2006 لكنها لم تنجح.

وتوالت محاولات تهريب النطف من قبل الأسرى حتى تمكنت زوجة أحد الأسرى من الحمل لكنها أُجهضت بعد ثلاثة أشهر؛ ثم تُوِّجت المحاولات بالنجاح في شهر أغسطس من العام 2012م ليعلن عن ولادة مهند ابن الأسير عمار الزبن الذي لقب بسفير الحرية من داخل سجون الاحتلال. وذلك بعد ستة عشرة عامًا من أسر والده عمار.

إلى أين وصلت هذه القضية؟

ويواصل الأسرى الفلسطينيون محاولاتهم المستمرة للإنجاب وتعويض شيء من حق الحياة الذي سلبهم إياه الاحتلال الإسرائيلي. لقد كان إنجاب الطفل مهند الذي فجًّر الثورة الإنسانية صاعقًا، ليتم بعده إنجاب العشرات من الأطفال بنفس الطريقة من بينهم ست مواليد توائم فيما رزق عمار الزبن صاحب أول تجربة، بطفل ثانٍ بالإضافة إلى مهند سمّاه صلاح الدين.

وتؤكد الإحصائيات من فلسطين أن 50 طفلا ولدوا بواسطة الـ”نطف مهربة” من داخل سجون الاحتلال الإسرائيلية، منهم 10 في قطاع غزة، و40 في الضفة الغربية؛ ووفق مركز “أحرار” المعني بشؤون الأسرى فقد شهدت السجون عشرات المحاولات لتهريب نطف الأسرى فيما تمكنت 27 سيدة من الإنجاب، ثلاثة منهن في قطاع غزة والبقية في الضفة الغربية، كما أن هناك 6 من زوجات الأسرى حوامل بذات الطريقة.

وعادة ما تكلف إجراءات التلقيح الاصطناعي مبالغ مالية كبيرة، لكن المراكز التي تقدم هذه العمليات وهي محدودة سواء في الضفة أو في غزة تقدمها مجانا للأسرى بشرط أن يكون الأسير محكوما بالسجن لسنوات طويلة، حتى لا تضيع على زوجته فرصة الحمل والإنجاب والتي تقل تدريجيا مع وصول المرأة للعقد الرابع.

موقف الاحتلال من النطف المهربة

بعد أن وقف الاحتلال وإدارة سجونه عاجزين أمام إرادة الأسرى الذين تمكنوا من اختراق الإجراءات الأمنية المشددة وتهريب نطفهم لزوجاتهم بهدف الإنجاب، يلجأ الاحتلال إلى كل ما بيديه من أوراق لحرمان الأسرى من هذا الحق الإنساني، وكان آخر ما تفتق عنه ذهن الاحتلال حرمان أطفال الأسرى الذين يأتون بهذه الطريقة من حقهم في استصدار شهادات ميلاد وإدراجهم في السجل المدني.

اقرأ أيضًا: خطف الجنود الإسرائيليين أكثر أسلحة المقاومة رعبًا لإسرائيل

ويشكل رفض الاحتلال الاعتراف بأطفال الأسرى الذين أُنجبوا عبر النُطف المهربّة، ورفض تسجيلهم في السجل المدني، ورفض إصدار شهادات ميلاد لهم، انتهاكًا صارخًا لاتفاقية حقوق الطفل، وللقانون الدولي الإنساني الذي يضمن الحقوق المدنية والسياسية لكل فرد في اكتساب الجنسية، وحقّه في استخراج شهادات الميلاد. وفق مركز أحرار، وهو مركز معني بشؤون الأسرى الفلسطينيين.

وهذا يؤثر بشكل واضح على نفسية الأسير إذ تحول هذه الخطوة الإسرائيلية “الحصول على شهادات ميلاد رسمية” دون رؤية آبائهم وتحرم 32 طفلًا، من زيارة آبائهم في سجون الاحتلال، نظرا لعدم اعتراف الاحتلال بأبوة هؤلاء الأسرى لأطفالهم.

وكانت إدارة السجون الإسرائيلية قد أقرت مؤخرا بفشلها في منع تهريب نطف الأسرى، حيث أقرت الناطقة باسم إدارة السجون “سيفان فايتسمان” بأن المسؤولين في إدارة السجون لديهم علم بتهريب النطف، ويحاولون وضع حد لها، حيث شكل الاحتلال لجنة تحقيق بالموضوع، وأُصدرت تعليمات جديدة تقلل بشكل كبير من الأدوات والطرق التي تهرب فيها النطف مثل التمر والشكولاتة، وأصدرت تعليمات لن تعرض للإعلام لأنه في حال كشفها سيحاول الأسرى الفلسطينيون الالتفاف عليها.

ويأمل الشعب الفلسطيني أن تغمر الفرحة عائلات الأسرى الآخرين الذين ينتظرون أطفالًا من نطف مهربة، وأن تنتهي مأساة الأسرى ومعاناتهم بالإفراج عنهم وتحقيق أملهم بالحرية والتحرر من قضبان السجون الإسرائيلية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد