على الرغم من العلاقات الدافئة بين عمان والولايات المتحدة، توسعت العلاقات الاقتصادية العمانية-الإيرانية في أواخر الألفية الماضية وأوائل العقد الأول من الألفية الثانية، حتى في ذروة العقوبات الأمريكية. وبينما امتثلت عمان للعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على كيانات محددة مرتبطة ببرامج الصواريخ النووية والباليستية الإيرانية، فإنها تركت الباب مفتوحًا أمام أنواع التجارة الأخرى مع إيران. 

وبينما تنشط التجارة بين إيران وعمان منذ آلاف السنين، كما يقول مارك فاليري، الخبير في شؤون الملكيات الخليجية، فإن التهريب بين البلدين له دور كبير في خلق أزمات اقتصادية على الجانب الإيراني وإنعاش منطقة نائية في الطرف العماني. 

بين خصب وقشم.. خط ساخن للتهريب بين إيران وهمان

تتمتع ولاية خصب بكافة المؤهلات لتكون مركزًا لتجارة السلع المهربة بين عُمان وإيران؛ بفضل موقعها الاستراتيجي على طرف شبه الجزيرة الممتدة إلى قلب مضيق هرمز، ووقوعها على قرابة 45 كيلومترًا فقط من إيران، فيما تقل المسافة في أضيق المناطق إلى 34 كيلومترًا فقط. ومن الطبيعي أن تعزز سهولة الانتقال بين خصب العمانية وقشم الإيرانية عمليات التهريب؛ ذلك أن بإمكان القارب السريع قطع هذه الرحلة في 45 دقيقة، ناهيك عن وجود 70 كيلومترًا من أراضي الإمارات تفصل سلطنة عمان عن خصب.

اعتاد العمانيون والإيرانيون على تهريب البضائع بين خصب وقشم منذ الثورة الإيرانية عام 1979؛ لأسباب يتعلق معظمها بتجنب دفع الجمارك والضرائب. ذلك أن «الدولة الإيرانية، التي يديرها المحافظون، تحيط اقتصادها بشكل عام، وصناعتها بشكل خاص، بسياجٍ من الحماية المفرطة، وتبالغ في فرض الضرائب على كافة البضائع التي يمكن للاقتصاد الإيراني إنتاجها ذاتيًا»، وفقًا لبرنارد هوركيد، المدير السابق لـ«معهد الفرنسي للدراسات الإيرانية». 

واتسع نطاق التهريب أكثر، بعد أن بدأت الأمم المتحدة فرض عقوبات على إيران في عام 2006. حيث اضطر العديد من رجال الأعمال الإيرانيين إلى مغادرة دبي تحت وطأة العقوبات الدولية على طهران، بعد تجميد حساباتهم المصرفية، ووقف تسهيلات حصولهم على القروض، وأصبح الحصول على تصاريح العمل أكثر صعوبة، وكانت وجهتهم الأقرب هي ولاية خصب، التي اتخذوها مركزًا لتهريب بضائعهم إلى إيران. 

توجد مستودعات واضحة للعيان في خصب، مساحتها أكثر من 4 آلاف متر مربع، يخزن فيها التجار بضائعهم حتى يرتفع سعر سلعةٍ معينة في إيران، ثم يهربونها لبيعها بأثمان باهظة. تُشحَن السلع في الغالب من الإمارات، وتُحَمَّل على متن قوارب سريعة عبر مضيق هرمز إلى جزيرة قشم الإيرانية. ويمكن إنجاز هذه الرحلة في أقل من ساعة، وتستطيع بعض الزوارق السريعة القيام بخمس رحلات في اليوم الواحد.

بالنسبة إلى رحلة الذهاب: تذهب القوارب محملة بالملابس والإلكترونيات والأجهزة المنزلية والأدوية والسيارات وقطع غيار السيارات والمواد الغذائية الجافة وأحيانا اللحوم المجمدة وغيرها من السلع الفاخرة. أما رحلة العودة فتعود الزوارق السريعة غالبًا بالماعز، وفي بعض الأحيان -تحت ستارٍ أكثر كثافة من السرية- بالحشيش والأفيون والمهاجرين الذين لا يحملون وثائق رسمية. 

التهريب على أعين السلطات العمانية

من المثير للاهتمام، أن إيران تعتبر هذا النشاط غير قانوني وتحاربه؛ لأن المهربين لا يدفعون الضرائب، بينما تنظِّم مسقط هذه العمليات، وتجمع الحكومة المحلية الضرائب على كافة السلع، وتنسق عمليات التسليم. وإذا تعقدت الأمور، يبرز مفتاح «الرشوة» السحري ليفتح كل الأبواب المغلقة. وحتى لا تتفاقم الأمور، يحاول المهربون في الغالب تفريغ شحناتهم على شواطئ معزولة، بعيدًا عن الأعين الفضولية.

على السطح، تدندن التصريحات الرسمية الصادرة عن قيادة «مركز الأمن البحري العماني» حول الجملة التالية: «هذه الزوارق السريعة غير قانونية؛ لأنها تدخل المياه العمانية دون إذن». بيدَ أن السلطات على أرض الواقع «تطلب من أفراد خفر السواحل شفهيا أن يتصرفوا كما لو أن هذا النشاط قانوني تمامًا». لكن مَن يملك الجرأة للإفصاح عن هذه الحقيقة دون أن يتيقن من عدم الكشف عن هويته؟

وتجنُّبًا للصداع الإعلامي، تحاول السلطات العمانية منع نشر الأخبار المتعلقة بهذا النشاط. وحين استطاع مصوِّر اختراق المنطقة في عام 2013، والتقط صورًا للمهربين، أوقفته السلطات واستجوبته مرارًا وتكرارًا، وأجبرته على محو الصور التي توثق ما يحدث، ونصحته مهددةً بالابتعاد عن الإيرانيين العاملين في خصب.  حتى العمانيين الذين يعيشون في خصب، فقد عجزت الحكومة العمانية، أو غضّت الطرف، عن منعهم من استغلال فرص التهريب إلى إيران، حسبما يرصد تقرير نشرته «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في 9 مايو (أيار) 2019. 

حتى السكان المحليين يعرفون الغرض الحقيقي لهذه الأنشطة غير القانونية، لكن لا يبدو أنهم يمانعون. ولماذا يرفضون «الاستثمارات» التي تؤدي إلى تحسين ظروف منطقتهم الفقيرة؟  ومن المثير للاستغراب أن غالبية الأشخاص الذين يعيشون في خصب من السلفيين يعادون الشيعة عادة، لكن يبدو أنهم يتسامحون مع رجال الأعمال الإيرانيين طالما يجلبون لهم الكثير من المال.

ولا عجب، فقد وفرت تجارة التهريب للسكان المحليين في خصب مصدرًا رئيسيًا للدخل، مقابل توفير خدمات النقل واللوجستيات الأخرى. وأصبح للتهريب تأثير حيوي على مسندم النائية، التي «لا تأخذ حظها من خطط التنمية المركزية، وبالتالي أصبحت هذه الأنشطة متنفسًا اقتصاديًا منعشًا لسكان المنطقة».

لم تكن على الحياد دومًا.. حين قرر السلطان قابوس أن تشارك عمان في غزو إيران

جماعات الضغط الإيرانية المستفيدة من التهريب

لكن على الجانب الآخر من مضيق هرمز، تعتبر أنشطة التهريب مصدرًا للجدل، حتى أن المرشد الأعلى علي خامنئي شخصيًا ومسؤولين إيرانيين بارزين بادروا إلى الحديث صراحة عن ضرورة مكافحة التهريب، خاصةً في ظل ضعف الاقتصاد الإيراني. 

يتضح سبب الانزعاج إذا عُلِمَ أن قيمة البضائع المهربة عبر مضيق هرمز إلى الجمهورية الإسلامية تبلغ حوالي خمسة مليارات دولار في السنة، وفق بيانات «مصلحة الجمارك والضرائب الإيرانية». وكل مليار دولار من البضائع المهربة يكلف إيران ما بين 50 إلى 60 ألف وظيفة،  حسبما ذكرت «وكالة مهر للأنباء» في عام 2011. ويشكل التهريب حوالي ثلث الواردات الإيرانية، حسب تقديرات ثيري كوفيل، المتخصص في الشأن الإيراني من «معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية» في باريس. 

لكن على الرغم من أن الحكومة الإيرانية تشعر بالقلق إزاء مشكلة التهريب، وتحاول كبح جماحها باستماتة، إلا أن الجهات الإيرانية التي تستفيد من هذه النشاطات غير القانونية تشكل جماعات ضغط قوية داخل الجمهورية الإيرانية. 

لكن حياة المهربين ليست سهلة، ورغم المليارات التي تعوم فوقها هذه التجارة، إلا أن المشتغلين بها قد لا يجنون سوى الندم في معظم الأوقات، وربما فقد كثيرون حياتهم حينما تهب العواصف وتتلاطم الأمواج.  كما أن التنقل في مياه الخليج ليلا يعتبر مغامرة محفوفة بالمخاطر في حد ذاته، لذلك لا تستخدم القوارب أي أضواء لتتجنب جذب الانتباه، ويستخدم المهربون العلب الفارغة لإخفاء ضوء سجائرهم عند التدخين. 

حتى المهربون رفيعو المستوى، المتخصصون في السيارات الفاخرة، يشتكون من تباطؤ «التجارة» مع إيران. يقول أحدهم: «لم أبِع أي سيارة لمدة ثلاثة أشهر، بينما في السابق كنت أبيع ثمان سيارات شهريًا»وربما جلب الرجل سيارات فاخرة من الإمارات العربية المتحدة، ليشحنها إلى إيران عبر مضيق هرمز، ليغرق بعضها أو كلها في عرض البحر؛ بسبب العواصف والأمواج.

ومن المفارقات أن بعض المهربين من الجنس الناعم، اللائي يطلق السكان المحليون عليهن اسم «الخالة»، لكن نقطة قوتهن أنهن أقل إثارة لشكوك السلطات. لكن قوانين التهريب لا تفرق بين رجل وامرأة، لذلك يتعين على الجميع أن ينتمي إلى «عصابة» مسلحة، أو يدفع لعصابةٍ مقابل حماية البضائع أثناء النقل.

التوترات الدولية تعصف بأحلام المهربين

ضياء، شاب أفغاني يبلغ من العمر 23 عامًا، هاجر بشكل غير قانوني من إيران إلى عُمان في عام 2010، كان مستلقيًا في إحدى الحدائق عندما اهتز هاتفه فجأة. يقول وهو يتنقل بين العربية والفارسية بطلاقة: «كان هذا أحد عملائي في إيران، يطلب مني إرسال خمسة مكيفات».

كان الليل قد انتصف، وضياء الذي يعيش في مسندم يعمل منذ مطلع النهار. مهمته هي استلام البضائع القادمة من دبي أو رأس الخيمة، لتخزينها في عدة مستودعات، وتحميلها صباحًا في شاحنات صغيرة وتسليمها إلى المهربين الإيرانيين الذين يأتون إلى الميناء على متن زوارق سريعة.

لكن الرياح لا تأتي دائمًا بما تشتهيه سفن المهرب علي شاهي، الذي يشكو من ركود نشاط، قائلا: «عندما بدأتُ في عام 2001، كان لدي ثلاثة مستودعات و 15 شاحنة. الآن، أنا أعمل بمستودع واحد وشاحنتين فقط».

يلقي شاهي باللوم على الضرائب الباهظة، و«ضعف العلاقة بين إيران والإمارات»، وليس رفع العقوبات على إيران، موضحًا أن «نقل حمولة شاحنة من البضائع من الإمارات إلى خصب بشكل قانوني يتكلف 130 دولارًا، بالإضافة إلى ضريبة إضافية بقيمة 30 دولارًا، ورسم قدره 31 دولارًا لشحن الصناديق في وقت لاحق إلى القوارب السريعة، وضريبة أخرى بقيمة 15 دولارًا للحكومة العمانية. 

حتى عام 2009، كانت الشاحنة التي تعبر الحدود بين الإمارات ومسندم معفاة من الضرائب. لكن منذ عام 2009 فصاعدًا، أصبح العبور يكلف حوالي 27 دولارًا، و2.6 دولارًا على الجانب العماني.

Embed from Getty Images

ولي عهد الإمارات محمد بن زايد

حتى عام 2001، كانت الضرائب الإيرانية الباهظة على البضائع الأمريكية سببًا في ازدهار تجارة التهريب، لدرجة أن قرابة 5 آلاف قارب إيراني كانت تحط رحالها في خصب يوميًا، محملة بالماعز المتجهة إلى مسالخ رأس الخيمة قبل العودة عبر مضيق هرمز محملة بالشاي والإلكترونيات، وكان للسجائر مكانة خاصة، دفعت السكان المحليين إلى وصف هذه الفترة الذهبية للتهريب بـ«عصر المارلبورو». 

لكن منذ عام 2001، أدخلت إيران والإمارات تغييرات متعاقبة على اللوائح الجمركية، مما تمخَّض عن تراجع التهريب في خصب. وإذا أصبح بالإمكان تصدير السجائر من ميناء جبل علي في دبي، وتسليم الماعز مباشرة إلى رأس الخيمة في الإمارات، وفق الإجراءات القانونية، فلماذا يتجشم أحد مخاطر التهريب؟

كان هذا المنطق مغريًا، وبالفعل أصبحت المدينة تشهد عددًا لا بأس به من التجار الإيرانيين، وتستقبل يوميًا 200 أو 300 قارب، تأتي لنقل فائض الأجهزة الإلكترونية والمنزلية لبيعها في إيران بشكل قانوني. لكن إرث المدينة للتهرُّب من الجمارك ظل يحلق في الأفق، ومحاولة لترويضه تمنح السلطات التجار تصريح مرور لمدة 12 ساعة فقط، ولا تسمح لهم بالتوغل في المدينة لأبعد من السوق القديم، وتشترط عليهم المغادرة عند غروب الشمس.

حتى أصبح الناس في خصب يتساءلون: هل يمكن الاستفادة من الخبرة التجارية التي اكتسبها المهربون لتعزيز التجارة القانونية بين البلدين في المستقبل؟ وفي أعقاب الاتفاق النووي الذي أذاب الثلج المتراكم على العلاقة بين إيران والمجتمع الدولي، حلّقت الآمال إلى آفاق أرحب في أن «يصبح مهربو الأمس تجارًا شرعيين في الغد».

لكن كل هذه الأحلام قد تذروها الرياح، بعد تصاعُد التوتر مرة أخرى بين واشنطن وطهران، ودوي طبول الحرب الذي يتردد صداه في جنبات المنطقة، والعقوبات الدولية التي «تعزز الكيانات غير الشرعية وتضعف الاقتصادات الطبيعية»، لذلك يمكن تفهم لماذا ينتظر المهربون عودة العقوبات بشغف.

عالم ما بعد القنبلة.. هكذا سيتغير الشرق الأوسط إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًّا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد