لم تتوقع (ر.أ) أن تجد نفسها بعد كل هذا الكفاح متروكة مع ابنتها ذات الأربعة أعوام على قارعة الطريق الدولي حمص – دمشق مسلوبة من مقتنياتها الشخصية، وثروتها الصغيرة من مالٍ وذهب، والتي عكفت على جمعها لمدة تسعة أعوام.

قصة (ر.أ)، لم تكن الوحيدة. كانت مجموعة من النساء اتفقن على المضي في طريقهن إلى الهروب من داخل مناطق سيطرة النظام السوري إلى دول الجوار، طمعًا في الوصول إلى الأراضي الأوروبية، إما للاجتماع بالأهل، أو للنجاة بالأطفال من جحيم العيش في البلاد التي أنهكتها الحرب.

في سوريا وبعد عقد من انطلاق الثورة لم يعد أغلب الناس يطيقون العيش؛ لأن البلاد – وخصوصًا المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري – باتت أشبه بصحراء يتلوى فيها المواطنون للبحث عن لقمة عيشٍ، أو شربة ماء، في حين أن شعار رأس النظام – في حملته الانتخابية التي فاز بها مؤخرًا: «الأمل بالعمل» – طوي مع اللافتات التي حملت صورته.

«نريد الهرب لكن كيف؟»

طوال سبع سنوات بقيت (ر.أ) المنحدرة من مدينة درعا حبيسة بيتها تنتظر الإشارة من والدها في ألمانيا لحزم أغراضها مع ابنتها والهروب من الجَنُوب إلى أقصى شمال غرب الكرة الأرضية، والاجتماع مع أهلها الذين تركوها مع ابنتها لأنها لم تستطع استخراج أوراقٍ رسمية لابنتها كون زوجها قد مات خلال الحرب، دون استطاعتهما إثبات الزواج رسميًا في الدوائر الحكومية السورية كونهما كانا يعيشيان في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية.

وبحلول شهر أغسطس (آب) 2021 تكون درعا «مهد الثورة»، بحسب ما يطلق عليها المعارضون في سوريا، قد أكملت ثلاث سنوات على إعادة النظام السوري السيطرة عليها بدعمٍ جويٍ من روسيا، إذ انتهت هذه العملية بتهجير الآلاف من أبناء المنطقة إلى مناطق سيطرة «الجيش الوطني السوري» الموالي لتركيا في شمال البلاد.

وخلال تلك الفترة عاشت المنطقة في انفلات أمني بلغ أوجه هذا العام؛ إذ وثق قسم الجنايات والجرائم في «مكتب توثيق الشهداء في درعا» – وهو جهة معارضة تعنى بتوثيق القتلى والمعتقلين جنوبي سوريا – ما لا يقل عن ألف عملية ومحاولة اغتيال خلال أقل من ثلاثة أعوام على سيطرة قوات النظام على كامل المحافظة منذ أغسطس 2018 حتى يونيو (حَزِيران) 2021.

وكشف تقرير صادر عن «تجمع أحرار حوران»، أنه خلال السنوات التي تلت سيطرة النظام على المنطقة، لم تصل المحافظة إلى أي استقرار، إذ رافق سيطرته تدهورٌ في الوضع الاقتصادي للمواطنين، والنقص الشديد في الخدمات الأساسية.

ونتيجة لذلك شكلت الهجرة والهروب الطوعي من مناطق سيطرة النظام هاجس العوائل، سواءً على مستوى الشباب أو النساء، وخصوصًا الذين لديهم أقارب في دول الجوار، أو الدول الأوروبية التي من الصعب أن تجد عائلة في سوريا ليس لها فرد فيها.

يقول والد (ر.أ) لـ«ساسة بوست» إنه طوال السنوات السابقة كانت ابنته وحفيدته هاجسه الوحيد ليلًا نهارًا؛ «فأنا بين نارين: تركها في مناطق النظام تكابد الأعباء وحدها، وإيجاد طريق لها للقدوم عندي، ولكن دائمًا ما أصطدم بعوائق العادات والتقاليد، كيف ستسمح لابنتك أن تذهب وحدها طوال هذه الطريق دون رجل».

ولكن ما لا يعلمه أبناء المحافظة التي يغلب عليها الطابع العشائري، هو أن ابنته محاصرة بين العادات والتقاليد، وعدم قدرتها على مناكفة أجهزة النظام الأمنية، التي تزورها كل حين سؤالًا عن ذويها المتواجدين في ألمانيا، وخوفها من تكرار قصة اعتقالها مع طفلتها، كما فعلوا بأطفال درعا قبيل بَدْء الثورة السورية؛ إذ اعتقل الأطفال في درعا من قبل فرع الأمن السياسي في مارس (آذار) 2011، وكانت الشرارة التي أشعلت المظاهرات وعمت البلاد، لتنقلب لاحقًا إلى حربٍ راح فيها ما يقارب 400 ألف قتيل.

رحلة البحث عن طريق

طوال نحو عام وشهرين بقي والد (ر.أ) يبحث عن طريقة لإخراج ابنته عبر عدة طرق، وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت ملجأً لكثير من السوريين، يبحثون فيها عما يريدونه، لا سيما التهريب، فكانت البداية وفق حديثه لـ«ساسة بوست» عن طريق الأصدقاء في أوروبا، ثم انتقل عبر مجموعات «فيسبوك» المختلفة ليبحث أكثر وأكثر.

وخلال رحلة بحثه التي استنزفت جل وقته عثر والد (ر.أ) على شخص في مجموعة «واتساب» اسمها «من درعا إلى تركيا»، يشرف عليها أشخاص ادعوا أنهم من دمشق وريف حمص، وكانوا يتحدثون داخل المجموعة عن أعداد الرحلات، وكم عدد الأشخاص والطرق التي يسلكونها، لجميع المضافين على المجموعة كي يؤكدوا صدقهم.

وخلال أسبوع تلقت (ر.أ) اتصالًا من والدها يعلمها بأن الطريق جاهز، وأنها ستتنقل خلال أيام إلى جواره لحضور حفل زفاف أختها، محذرًا إياها من الحديث عن الموضوع أمام أقربائها أو من يعرفها حتى إتمام المهمة ووصولها إلى تركيا.

الخروج نحو المجهول

تقول (ر.أ) لـ«ساسة بوست» إنها تلقت بعد اتصال والدها بأيام رسالة من رَقْم سوري يقول إن اسمه «ماهر»، وهو الذي سيقوم بنقلها كما اتفق مع والدها، وطلب منها مغادرة درعا مساء يوم الأحد الموافق الرابع من شهر يوليو (تموز) 2021 نحو دمشق، ومن ثم استقلال حافلة للوصول إلى كراجات (الأماكن التي تقف فيها الحافلات) دمشق – حمص وهنالك سيتواصل معها.

وتذكر (ر.أ) أن المُهرب طلب منها عدم جلب حقائب ملابس كثيرة، وأن تحمل جميع المدخرات الثمينة التي تملكها في حقيبة واحدة صغيرة ليسهل حملها؛ كونها تريد الرحيل من سوريا بشكلٍ نهائي، وخلال الرحلة لن تحتاج إلى تبديل ملابس أو أشياء أخرى؛ كون الرحلة ستكون سلسة وسهلة، حسب وصفه.

وبعد وصول (ر.أ) إلى كراجات دمشق – حمص، أرسلت إلى «ماهر» الذي أجابها أن هنالك عائلة قادمة من مدينة الكسوة – تبعد حوالي 18كم جنوب العاصمة دمشق – ستركب معها إلى حمص حيث سيكون هناك بانتظارهم في مواقف الحافلات القادمة من العاصمة السورية.

وحين وصولوا إلى مدينة حمص – 162 كم شمال العاصمة دمشق – بعد أن استغرقت الرحلة ما يقارب أربع ساعات نتيجة توقفهم على الحواجز العسكرية التابعة للنظام السوري، لم تجد المُهرب في الموقع، ولكن جاءت حافلة نقل صغير وبداخلها أربع نسوة، وطلب سائقها منهن الركوب لبدء الرحلة نحو تركيا، معرفًا عن نفسه أنه من طرف ماهر.

«حاجزٌ على حين غفلة»

حسب خطة المُهرب بحسب ما حكاه لـ«ساسة بوست» والد (ر.أ)، فإنه من المقرر الذهاب من حمص باتجاه مدينة دير الزور شرقًا، مرورًا بمدينة تدمر، ثم عكس الطريق نحو مدينة «الباب» التي تسيطر عليها فصائل «الجيش الوطني السوري» الموالي لتركيا في ريف حلب، مرورًا بالرقة، والطبقة، ودير حافر.

هذا الطريق تسيطر عليه عدة قوى، فمن حمص إلى دير الزور تسيطر على الطريق الرئيسة قوات النظام، ومليشيا إيرانية موالية له، ولكن في الجبال ووديان هذه الطريق تعيش خلايا لـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، أما الطريق الذي يؤدي إلى حلب فجلها تحت سيطرة الفِرْقَة الرابعة التي يرأسها شقيق رأس النظام «ماهر الأسد» مدعومة بمليشيات موالية لإيران، مثل «الحرس الثوري»، ومليشيا لواء «فاطميون».

ولعل التركيبة وتقاسم النفوذ بين المتدخلين في الأزمة السورية لا يعيها أغلب المدنيين السوريين، خصوصًا الذين ليس لهم باعٌ في السياسة، وذلك ظهر عندما قالت (ر.أ): إن السائق والمهرب وصف لهن الطريق على أنه رحلة كأية رحلة بين المحافظات السورية قبل الحرب، وأنه لا خطر عليهن وهن في رفقته، وهي جمل يرددها جميع المهربين لعدم بخس طرقهم.

وبعد ساعة ونصف من انطلاقهم من مدينة حمص، حدث ما لم يكن بالحسبان، فعند قاعدة «الطياس» الجوية العسكرية، أو مطار الطياس العسكري، المعروف أيضًا باسم مطار التيفور (بالإنجليزية: T-4)‏ – 60 كيلومترًا شرق مدينة تدمر في محافظة حمص – وهو مطار عسكري تسيطر عليه مليشيا الحرس الثوري الإيراني، وعناصر من الأمن العسكري، «ظهر حاجز على حين غفلة وأوقف الحافلة الصغيرة»، وفقًا لـ(ر.أ).

تقول (ر.أ): كانت الحافلة الصغيرة، أو ما يدعى بالعامية «باص من نوع فان»، تحوي تسع نسوة، عدا ابنتها الصغيرة، وبعد إيقاف «الباص» طلب العسكري على الحاجز جميع الهويات، وسألهن عن وجهتهن؛ لتجيب إحداهن «نحن منطلقات إلى دير الزور لزيارة الأقارب»، ولكن سرعان ما طلب منهن العسكري النزول، وأمر سائق «الباص» بإكمال طريقه.

«أنتم في قبضة الأمن العسكري»

في حر الصحراء، وكانت الساعة تقارب الثانية ظهرًا، جلس جميع النسوة على قارعة الطريق في انتظار ماذا سيحدث لهن. تصف (ر.أ) الواقعة لـ«ساسة بوست» بأن المجند كان ينظر إليهن ويضحك مع زملائه، وخلال مدة ساعة لم يتحدث إليهن أحد، فيما طلب منهن تسليم جميع الأجهزة النقالة وإطفاءها، ثم بعد نصف ساعة طلب منهن تسليم جميع مقتنياتهن، والأوراق الثبوتية، مهددًا بتمرير جهاز كاشفٍ للمعادن في حال إخفائهن للذهب أو الفضة.

وبعد انقضاء الساعة جاءت سيارة عسكرية وطلبت منهن الركوب لنقلهن إلى فرع الأمن العسكري في مدينة حمص للتحقيق معهن، ولكن اللافت في الأمر أن المعاملة كانت على غير العادة، فكانت الطلبات على نحو «من فضلكن، ولو سمحتن، هو أمر روتيني»، وهنا كان الاطمئنان حالة كل النسوة معها.

وخلال هذه الفترة كان والد (ر.أ) يراسل المُهرب، الذي كان يطمئنه أن ابنتك في الطريق وهي الآن تعبر من مدينة تدمر نحو دير الزور، وكرر والدها السؤال عن سبب انقطاع الاتصال بها، ليجيبه المُهرب، بأن الطرق صحراوية، ونتيجة الحرب لا توجد أبراج للتغطية هناك.

وبالرجوع إلى (ر.أ)، تقول «وصلنا في أقل من ساعة إلى فرع الأمن العسكري بمدينة حمص، وجرى نقلنا إلى غرفة مغلقة، وكان عناصر الفرع يدعوننا كل واحدة على حدة، وتكرر نفس السؤال: هل لديك أموال؟ إلى أين وجهتكن؟ هل كل هذا ما معكن؟ من أين أنتن؟».

وتتابع (ر.أ) أنه وبعد أربع ساعات داخل الفرع جرى نقلهن بسيارة عسكرية إلى كراجات دمشق – حمص، وأُعطيت كل واحدة منهن 3 آلاف ليرة سورية (أقل من دولار)، وطلب منهن الذهاب إلى بيوتهن، مع التهديد بعدم الإفصاح عما جرى معهن، وإلا فسيكون العقاب هو الحبس، وعند سؤالهن عن حقائبهن ومقتنياتهن كان الجواب «انسوهن، هي ضريبة اللي بدو يهرب برا البلد».

ليست الضحية الوحيدة

تواصلنا في «ساسة بوست» مع نفس المُهرب عبر الدردشة في تطبيق «واتساب»، وقد رفض «ماهر» الحديث صوتيًا بحجة ضعف التغطية لديه، وكان التواصل على أننا نريد الهرب من سوريا، وكان السؤال الأول الذي قاله لنا «هل أنتم عائلة أم شباب؟» فكان جوابنا بأننا شباب من محافظة درعا ونريد الهرب نحو تركيا، ونحن لسنا مطلوبين للخدمة العسكرية، فأبدى المهرب استعداده للمهمة طالبًا مبلغ ألف دولار عن كل شخص.

وخلال الحديث مع «ماهر» لم نبدِ أي اعتراض، ولكن وجهنا سؤالًا له، بأن هنالك شائعات سمعنا بها عن طريق نساء، ورأينا منشورات في وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن اتفاقه سرًا مع فرع الأمن العسكري بتسليم النساء التي يقوم بتهريبهن؛ ليجيب بالنفي ويغلق المحادثة.

وقد اصطدمنا بحادثة مماثلة جرت مع (ر.ز) وهي فتاة منحدرة من مدينة درعا، ووصلت إلى تركيا منذ حوالي شهرين عبر مطار بيروت الدولي، وأكدت (ر.ز)، أنها كانت ضحية سابقة لنفس المهرب، فحاولت سابقًا الهروب إلى تركيا، ومنها إلى هولندا للالتقاء بزوجها، وجرى معها نفس الحادث الذي روته (ر.أ)، ولكن الفرق بينهما أن عناصر الأمن العسكري تواصلوا معها لمساومتها على الأوراق الثبوتية مقابل مبلغ 3 ملايين ليرة سورية، وهو ما فعلته من أجل الخروج مرة أخرى.

تقول (ر.أ) إن فرع الأمن العسكري سلب منها مصاغًا وأموالًا تقدر بحوالي 8 ملايين ليرة سورية (أي ما يقارب ألفي دولار)، وهي (ليرة ذهبية، وسلسال من الذهب، وخاتم، وحلق)، إضافة إلى مبلغ ألف دولار كانت معها مصاريف شخصية في الطريق، وعند وصولها إلى تركيا وحتى هذه اللحظة لا تفكر في الشكوى القضائية خوفًا من تعرضها للسجن.

المرأة السورية.. مضطهدة حتى حين تهرب

منذ اندلاع الصراع قبل 10 سنوات أصبحت التحديات والمعاناة التي تواجهها المرأة السورية واضحة للغاية، بالإضافة إلى معاناتها من العنف المنزلي، والتحرش الجنسي، والتمييز المنهجي في جميع جوانب الحياة تقريبًا؛ إذ تستمر النساء في فقدان الأمان، والسكن، وسبل العيش، وأفراد الأسرة، والوضع الاجتماعي.

فتذكر «الرابطة النسائية الدولية للسلام والحرية» المعنية بحقوق المرأة، ومقرها في جنيف، أن العديد من النساء السوريات اشتكين من استغلال عناصر الأفرع الأمنية التابعة للنظام السوري لهن جنسيًا واقتصاديًا، في حين أكدت الرابطة أن العديد من النساء السوريات لا يطالبن بحقوقهن خوفًا من أن يسجنَّ لدى النظام السوري.

ولم يسلم من قوات النظام لا الشجر ولا الحجر، فبعد سيطرته على المدن و«تعفيشها»، يضع حواجزه، ويباشر الاقتيات على أموال المدنيين المكلومين، بحسب ما تذكره الشهادات المتكررة؛ إذ أفاد تحقيق «فرات بوست» أن حواجز الأمن العسكري قرب بلدة الصالحية في دير الزور فرضت إتاوات على المارين من الحاجز.

فمن يحمل إخراج قيد بلا هُوية وغير مطلوب للخدمة يدفع في الحاجز 25 ألف ليرة، أي ما يعادل نحو 10 دولارات أمريكية، بينما القادم من خارج البلاد في زيارة، ومطلوب للخدمة الإلزامية، أو الاحتياطية، يدفع 75 ألف ليرة، أي ما يعادل نحو 33 دولارات أمريكية، والمطلوب للخدمة الإلزامية أو الاحتياطية يدفع 200 ألف ليرة، أي نحو 87 دولار أمريكي.

ومع فقدان النظام السوري سلطته على أجهزته، لا سيما بعد تدخل الحليفين: روسيا وإيران، وغرق البلاد في مليشيات عدة، وفصائل كثيرة قد لا يكون النظام نفسه يعرف أسماءها وقوامها، تعمل العديد من هذه الأجهزة كعصابات في المناطق التي تتواجد بها، وتسن قوانين خاصة بها، وتنتهك دون أدنى رِقابة، فيما يكون المواطنون، لا سيما النساء، ضحايا هذه العصابات.

المصادر

تحميل المزيد