«كنت حاملًا في شهري الثالث وبين يدي طفلتي ذات العام فقط، وزوجي معي حاملًا المتاع، وكان شهر فبراير (شباط) وكانت الأمطار تنزل بغزاره ذلك اليوم، ولا أنسى صراخ المهرب علينا بإسراع الخطا وإلا فإن الموت مصيرنا، كما لا أنسى نظرات الخوف على وجه زوجي حين كان يأتي من يميني وشمالي وأمامي وورائي خوفًا من رصاص غادر أو قدرٍ ربما كان يحمينا منه».. كانت هذه كلمات أم سليم تتحدث عن تجربتها عندما عبرت الحدود السورية إلى تركيا. 

استقبلت تركيا منذ عام 2011 قرابة ثلاثة ملايين 630 ألف لاجئ سوري، وذلك حسبما صرح به وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، ويعيش غالبيتهم العظمى في المدن الرئيسية كإسطنبول وأنقرة والولايات الجنوبية، ما سبب العديد من المشاكل بين الحكومة وبعض قطاعات الشعب التركي الرافضة لهذا الوجود، حيث اعتمدت الأولى على سياسة الباب المفتوح حتى عام 2013 ومن ثم شددت المراقبة على الحدود بعد تصاعد الانتقادات في وسط الأحزاب التركية والشعب كذلك.

كان تدفق اللاجئين السوريين، معضلة حقيقة للساسة الأتراك الذين أصدروا أوامر بتشديد المراقبة على الحدود وإطلاق النار على أي شخص يحاول العبور بطريقة غير شرعية، الأمر الذي أنعش سوق التهريب بشكل كبير وتشكلت عصابات كثيرة تحترف هذه المهنة وتمتص دماء المقهورين الطالبين الأمان بعيدًا عن براميل الأسد وقصف طائراته.

وأغلقت السلطات التركية في مارس (آذار) 2015 الحدود والمطارات في وجه السوريين وألزمتهم للدخول إلى تركيا بالحصول على التأشيرة، وكان دخول السوري قبل هذا التاريخ متاحًا ولا يحتاج سوى لجواز سفر ساري المفعول، حيث وضعت تركيا شروطًا صعبة جدًا للحصول على التأشيرة، ما اعتبره الكثيرون «قرارًا قاسيًا».

ومع ازدياد حركة التهريب، أعلنت تركيا في 8 يونيو (حزيران) 2018 الانتهاء من بناء جدار أمني على طول الحدود التركية مع سوريا والممتدة لمسافة 911 كيلومتر، وطول الجدار الإجمالي 711 كيلو مترا، وسيقف عند هذا الحد لتبقى أجزاء من الحدود دون جدار، وأخرى يشكل فيها نهر العاصي حدًا طبيعيًا بين البلدين، حيث تهدف أنقرة من بناء الجدار لحماية الحدود التركية من عمليات التهريب والهجرة غير الشرعية وكذلك وتسلل الإرهابيين. 

Embed from Getty Images

الجدار العازل الذي أنهت تركيا بناءه

من التهجير إلى التهريب

يذكر أبو صلاح الحلبي وهو يحترق غضبًا إلى ما آلت إليه حاله، أنه تهجر من منزله بمدينة حلب إبان سيطرة الأسد على المدينة، ومن ثم توجه بعدها إلى ريف حلب الغربي وسكن في مدينة الأتارب، ولكن القصف الأسدي لاحقه هناك ما أدى لإصابة أحد أبنائه وبتر إحدى قدميه، ما اضطره إلى الخروج بعدها إلى مخيمات النازحين في منطقة أطمة شمال إدلب، وهناك بدأ بالتواصل مع المهربين حتى يتمكن من الدخول إلى تركيا.

يضيف أبو صلاح أنه باع كل ما يملك حتى استطاع أن يدفع لأحد المهربين لإدخاله إلى تركيا قائلًا: «بعت كل شي معي حتى ذهب مرتي بعتو بس مشان لاقي مكان أقدر حس فيه بالأمان»، مشيرًا إلى أن المهرب طلب مبلغ 500 دولار على الشخص بدون أي اعتبار للعمر أو الجنس، وأن هذه المحاولة كلفته مبلغ 3 آلاف دولار لستة أشخاص.  

بحرقة يتذكر أبو صلاح، أنه في صيف 2017 تجهز وعائلته للدخول إلى تركيا، حيث سلكوا طرقًا وعرة وجبلية صعبة للغاية خاصة أن ابنه مبتور القدمين ما جعل حركتهم صعبة ومرهقة، واستمروا بالمشي على الأقدام قرابة الست ساعات بدون توقف، حيث كان المهرب يرفض أي استراحة ويصرخ عليهم طوال الطريق: «وصلنا الحدود التركية والمهرب طلب منا تسلق السلك الشائك ومن ثم الركض بسرعة حتى الوصول إلى داخل الأراضي التركية، وفعلنا ذلك ولكن رصاص الجندرما التركية كان أسرع منا وتم إلقاء القبض علينا جميعا ووضعنا في السجن، وتم ضربنا وإذلالنا وأجبرونا على العمل في التنظيف، وفي اليوم التالي تم إعادتنا إلى سوريا التي لم يبق لي شيء فيها، عدت إليها فقيرًا ليس معي ولا ليرة والآن أعيش على المساعدات وأي عمل أستطيع الحصول عليه».

«نعيش على الأمل»

مع انطلاق الانتفاضة السورية شارك طارق السليم في المظاهرات التي نادت بإسقاط النظام، كما شارك أيضًا في عدد من المعارك التي أدت لتحرير محافظة إدلب من قبضة الأسد، يقول السليم لـ«ساسة بوست» أنه «بعد تحرير ادلب أردت إكمال دراستي الجامعية لذلك قررت التوجه إلى تركيا من أجل ذلك، وتواصلت مع أحد المهربين الذي طلب مني مبلغ 500 دولار في بداية الأمر وبعد جدال قبل بمبلغ 400 دولار، وكنت أعتقد أن الرحلة ستكون سهلة كوني وحيدًا ولن أحمل معي سوى حقيبة صغيرة».

مضيفًا: «كان المسير خمس ساعات بالنسبة لي كشاب سهلا للغاية، ولكن كان معنا في المجموعة أطفال ونساء وكبار السن، ما أبطأ الحركة كثيرًا وجعل احتمالية كشفنا من قبل الجندرما التركية كبيرة، وكنت طوال الطريق أساعد الجميع على حمل المتاع وأيضًا حمل الأطفال، ولم أكن أتخيل أن أشعر بالتعب لهذه الدرجة، فلك أن تتخيل الإرهاق الذي يصيب الأطفال والنساء في هذه الرحلة، وكان القلق والخوف باديًا على وجوه الجميع من مصير محتمل بالاعتقال أو الموت، فلكل منهم آمال وأحلام يحاولون بلوغها».

وصل طارق إلى داخل الأراضي التركية بسلام وسجل في إحدى الجامعات التركية، كما حصل على الجنسية التركية أيضًا، يقول: «الذكريات التي أحملها عندما شاركت في المعارك التي خضتها في سبيل تحرير إدلب والتي دامت قرابة الشهر لم تؤلمني كما آلمتني رحلة اللجوء إلى تركيا، لم أخف من الطائرات كما خفت من مخافر الجندرمة لربما هو العجز الذي شعرت به، لا أعلم، نعم لقد تمكنت من العبور بسلام ولكن هناك عائلات لم تتمكن وتم القبض عليها وإعادتهم إلى سوريا، لربما أحلامهم التي رسموها لأطفالهم ومستقبلهم الذي كانوا يحلمون به ذهب مع الريح، فأنا أعيش على أمل أن تكون تلك الطفلة التي حملتها بين ذراعي ولم أعلم اسمها ولا أي شي عنها بخير».

مع بحثنا في «ساسة بوست» عن موضوع التهريب وما جره من مآسي تخر لها الجبال من القهر، وجدنا أبو علاء من الغوطة الشرقية، وطلبنا منه أن يروي لنا قصته مع التهريب: «باختصار خسرت كل شيء، أنا من بلدة المليحة بالغوطة الشرقية، نزحت أربع مرات من بلدة إلى أخرى وفي الأخير تهجرت إلى إدلب، بحثت عن عمل كي أطعم أطفالي ولم أجد، وبقيت ثلاثة أشهر أعيش مثل الشحاد على مساعدات الآخرين، ومن هناك قررت البدء بحياة أفضل لي و لعائلتي المكونة من ثلاثة أطفال وزوجتي، وتواصلت مع أحد المهربين للذهاب إلى تركيا ومن هناك إلى أوروبا، ويا ليتني لم أفعل».

اللجنة الدستورية في سوريا.. بداية للحل أم «خدعة» روسية لإعادة تأهيل الأسد؟

رفض أبو علاء الحديث بصوته لـ«ساسة بوست» وقال «ما بدي تسمع صوت بكائي» وفضل كتابة قصته المؤلمة، يتابع: «تدينت مبلغ التهريب من أحد الأقرباء وبعت جميع ما أملك وأيضًا ذهب زوجتي، وتوجهت بعدها إلى الحدود التركية في رحلة مرهقة حتى وصلنا إلى الحدود، وكانت الليلة شديدة السواد ولا نستطيع الرؤية بشكل واضح ولكن نرى أنوار المخافر التركية، ومن هناك بدأت أصوات الرصاص تسمع بشكل كثيف جدًا لأكثر من نصف ساعة، وصراخ الناس وهم ينادون على الجندرمة أن تتوقف ولكن دون جدوى»، كانت «مجزرة» كما يصفها أبو علاء.

أصيبت أم علاء وأبو علاء برصاص الجندرما التركية، ولكن أكثر ما يحرق قلب الوالدين أنهما فقدا ابنتهما البكر ذات التسع سنوات: «عندما أصيبت زوجتي برصاصة في كتفها حاولت أن أحملها وأعود بها بعيدًا عن الحدود، ولكن الرصاص منعني من ذلك، حيث كنت أسمع أزيزه يمر من فوقي، وبعدها توقف إطلاق النار قليلا وهممت وأطفالي بالهرب، ولكن قناصة الجيش التركي لم يخطئوا هذه المرة، أصابوا ابنتي في رأسها، وأثناء سحبي لها أصبت برصاصة في قدمي، تمنيت لو انشقت الأرض وابتلعتني».

عاد أبو علاء حاملا جثمان ابنته يجر خطاه بصعوبة حتى وصلت سيارات الإسعاف إلى المنطقة ونقلتهم إلى المشافي الميدانية، بينما نسيت زوجته إصابتها من هول الفاجعة حتى فقدت وعيها بسبب الدماء التي خسرتها وتم إسعافها وإنقاذها.

مئات القصص ربما الآلاف التي من الممكن أن تروى عن معاناة اللاجئين السوريين الذين نجحوا أو فشلوا في دخول الأراضي التركية، ولكن هناك قصة أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي عام 2017 نوفمبر (تشرين الثاني)، عن طفلين ماتا جراء إعطائهم عقاقير منومة من قبل المهربين لضمان عدم إصدار أي صوت خلال عمليات التهريب ليلاً، والتي من شأنها كشف حركتهم خلال محاولتهم دخول الأراضي التركية، حيث تسببت هذه العقاقير الدوائية بإصابة ثلاثة أطفال آخرين بضيق تنفس شديد.

أرواح رخيصة الثمن

تختلف طرق التهريب إلى تركيا، فكلما قلت التكلفة ازداد الخطر على حياتك، فإذا كنت من الميسورين حالا وتريد طريقًا يحفه الورود وسيارة مكيفة ومعاملة راقية فكل ما تحتاجه هو مبلغ يبدأ من 3500 دولار لغاية 10 آلاف دولار، وهو مبلغ كبير جدًا على مئات الآلاف من السوريين الذين لا يستطيعون تأمين مبلغ كهذا، خاصة إذا كان لديه عائلة فلا يصبح أمامه إلا التوجه إلى المهربين أصحاب الطرق الخطرة.

أحد المصادر يذكر لـ«ساسة بوست» أن قيادات من فصائل المعارضة تتعامل مع ضباط أتراك، يتم من خلالهم إدخال الأشخاص بطريقة آمنة من خلال الجدار الأمني، ولكن هذه الطريقة يتطلب لها التخطيط مع الضابط الذي يقرر عدد الذين سيتم إدخالهم وفي أي يوم وأي ساعة، وبالتأكيد على المبلغ الذي سيتلقاه هذا الضابط من هذه العملية، أما الطريقة الثانية من هذا النوع من التهريب فإنه يتم عبر معبر باب الهوى بشكل غير رسمي حيث لا يتم ختم الجواز فيه، ويدخل خلاله الشخص بسيارة تابعة لأحد الفصائل ويتم تسليمه إلى أحد الضباط الأتراك الذي يأخذه إلى الجانب التركي بسلام وهذا النوع من التهريب هو الأغلى ثمنًا.

 

يذكر موقع «باب الهوى» الطريقة الوحيدة الرسمية للدخول إلى تركيا هي أن يحصل المسافر على موافقة دخول من الجانب التركي تمكنه من ختم جواز السفر والدخول إلى تركيا أصولاً، وتشرح كيفية الحصول على هذه الموافقة بحيث يكون إما طالبًا في الجامعة أو لم شمل أو للعلاج أو للاستثمار وحالات أخرى.  

توجهنا بعدة أسئلة إلى المهرب أحمد (اسم مستعار)، أملاً في فهم الكيفية التي تتم بها عمليات التهريب والمخاطر التي تواجهها، ودار بيننا الحوار التالي:

  • ما هي أكثر الطرق أمنًا؟

* ما في شي اسمه طريق آمن إنت وحظك، بس كلو حسب الدفع بدك سيارة تأتيك إلى باب بيتك وتوصلك تركيا بدك تدفع مبلغ كبير.

  • هل من الممكن أن تعطينا فكرة عن الأسعار لكل طريقة تهريب كي نختار الأفضل؟

* بما انو نحن الآن بفصل الصيف فطرق التهريب بتكون أسهل، لأن بالشتاء الطرق بتصير كثير صعبة خاصة مع نزول المطر أو الثلج، وطريق التهريب الذي أديره يكلف 650 دولار على الشخص ومشي على الأقدام ربع ساعة فقط، ولكن عندي معارفي ممكن أجد لك طريق آمنة أكثر.

  • سمعنا أن هناك طريقة تهريب مضمونة عن طريق معبر باب الهوى، ممكن تساعدنا فيها؟

* في عندي معارف في باب الهوى بحكي معهم بس مكلفة كثير ممكن توصل إلى 10 آلاف دولار على الشخص، وذلك باتفاق مع مسؤولين من المعبر السوري والتركي.

  • هل هناك طرق أقل سعرًا وأقل خطرًا؟

* نعم في عن طريق مهرب قريب لي يتعامل مع الأتراك، ولكن راح تكلفك فوق 5 آلاف دولار، وهذا السعر يتم تحديده من قبل الضباط الأتراك أما المهرب فلا يحصل إلا على مبلغ التهريب العادي وهو 650 دولار.

  • كي نطمئن فقط.. هل تم إلقاء القبض على مجموعات أو قتل أشخاص قمت بتهريبهم؟

* هربت فوق 300 مجموعة، ونعم هناك أشخاص ماتوا وأصيبوا وأيضًا مجموعات كاملة تم القبض عليها وإعادتهم إلى سوريا، ولكن كل طرق التهريب الرخيصة هيك ما في طريق آمن. 

لماذا يذهب السوريون إلى الموت بأيديهم إذًا؟

يشير موقع معبر «باب الهوى» على الإنترنت أن تركيا أعادت خلال شهر أغسطس (آب) 2019 قرابة 8900 سوري حاولوا الدخول بصورة غير شرعية وتم إلقاء القبض عليهم وترحيلهم عبر المعبر إلى سوريا، إذا ما الذي يدفع هؤلاء لرحلة مكلفة وخطرة وغير مضمونة النتائج؟

تجيب الناشطة بيان عبدالمولى عن ذلك السؤال بالقول: «يوجد في المناطق المحررة قرابة 4.7 مليون نسمة، جلهم فقراء بالكاد يجدون قوت يومهم، كما أن الأعمال والصناعة والتجارة شبه معدومة تقريبًا، وعليه فإن الوظائف محصورة في قلة قليلة من الناس، ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل توفير فرص العمل لكل المناطق المحررة خاصة مع استمرار القصف والتدمير الذي مارسه الأسد وروسيا على المدنيين ومنازلهم وأرزاقهم ما ساهم بشكل كبير في توجه العديد منهم للذهاب إلى تركيا للاستقرار أو إلى أوروبا للبدء بحياة جديدة».

وكان المهرب أحمد الذي تواصلنا معه قد أكد لنا أن العشرات ممن فشلوا في العبور إلى تركيا وتمت إعادتهم يحاولون غالبيتهم بعد فترة مرة أخرى على الرغم من الخطورة والمشقة والتكلفة، وهو ما تعبر عنه بيان بالقول: «المدنيون في إدلب يرون الموت بأشكال متعددة يوميًا جراء القصف أو الغارات أو العبوات الناسفة أو الاشتباكات وحتى الجوع، معتبرين أن الموت في كل مكان، لذلك تجدهم يحاولون الخروج منها إلى حياة أفضل حتى لو كانت خطرة، لأنهم يعيشون الخطر بكل تفاصيله».

ولعل أحد الأحداث المعروفة في موضوع التهريب، هي قضية الإعلامي السوري مازن الشامي والذي حاول الدخول مع عائلته إلى داخل تركيا عبر طرق التهريب وتم إلقاء القبض عليه من قبل الجندرما التركية، والتي قامت بإذلاله وضربه وتمزيق ملابسه، ومن ثم إعادته إلى سوريا، ولكن بعد وصول قصته المؤلمة إلى المسؤولين الأتراك قاموا بإعطائه إذن دخول له ولعائلته.

وقد نشر «المرصد السوري لحقوق الإنسان» ومقره لندن إحصائية بعدد السوريين الذين قتلوا برصاص الجندرمة جراء محاولتهم الدخول إلى تركيا بطريقة غير شرعية حيث بلغ عددهم 422 مدني سوري منذ انطلاق الثورة عام 2011، من ضمنهم 76 طفلاً و38 سيدة.

مترجم: هل حان الوقت لتفاوض الغرب مع الأسد؟

عرض التعليقات