قبل اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، كان مشهد ازدحام سوق «جحانة» الواقع على المدخل الجنوبي لصنعاء وأكبر أسواق الأسلحة اليمنية اعتياديًا، ففي الدولة المدججة بالسلاح وفرت أسواق الأسلحة قبل الحرب الحالية نحو 54 بندقية لكل 100 من السكان.

وقد كان من الطبيعي الاعتقاد أن الحرب ستكون سببًا وراء استنزاف الأسلحة في اليمن حيث تؤدي معظم الحروب الأهلية إلى نقص الأسلحة والعتاد في الأسواق، لكن ما يحدث اليوم، أي بعد ست سنوات من اندلاع الحرب بقيادة التحالف الدولي الذي تقوده السعودية في اليمن، هو أن المواطن اليمني الذي يسير مرتديًا زيه الشعبي وفي جعبته سلاحه الشخصي كما هو موروث عند القبائل سيصادف في أي مدينة من المدن اليمنية سوقًا ممتلئة بالأسلحة، حيث وفرت أصنافًا مذهلة من الأسلحة الصغيرة والمتوسطة، بل الثقيلة لحد الإغراق، وأصبح من السهل شراء البنادق الهجومية والصواريخ الموجهة المضادة للدبابات (ATGMk) من قبل من يملك المال، بل أتيحت في تلك الأسواق خلال العامين الماضيين الأسلحة الأكثر تقدمًا مثل الجيل الثالث من (ATGMs) ونظارات الرؤية الليلية، وتسببت وفرة الأسلحة في خفض أسعارها، كأن يصبح سعر بندقية (Steyr AUG) التي تستخدمها القوات السعودية أقل من 60 دولارًا أمريكيًا فقط.

بل إنه مع تدفق الأسلحة الموردة من الغرب للتحالف الدولي والفصائل الأخرى، وجد تجار سوق الأسلحة المتضخمة في اليمن كنزهم الأكبر في توريد الفائض عن متحاربو اليمن إلى القرن الأفريقي المتعطش للسلاح في نزاعاته الحربية. 

 التسلح كنوع من العملة

منذ قررت كل من السعودية والإمارات مواجهة النفوذ الإيراني عسكريًا باليمن في مارس (أذار) 2015، زادت تجارة الأسلحة في تلك البلاد إلى أكثر من 300٪ مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.حتى أن عدم وجود ضوابط قانونية وقوة رادعة دُفع بعض العناصر في قوات حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي الرسمية لبيع الكثير من الأسلحة التي وصلتها من دول التحالف، لقد باعوا الأسلحة في الأسواق لمواطنين عاديين أو مقاتلين في فصائل أخرى بسبب ما عانوه من ضعف أو تأخير في استلام رواتبهم، كما لم يكن من الغريب أن يؤدي إغراق السوق بالأسلحة إلى مشاركة مقاتلين في ميليشيات متعددة بتلك التجارة، فقد باع هؤلاء جزءًا مما تلقوه من أسلحة في نهاية المطاف بالسوق السوداء.

لذلك لم يكن غربيًا أن تُرى عناصر ميليشيا «كتائب أبو العباس» التابعة لدولة الإمارات والمصنفة على لائحة «الإرهاب» الأمريكية يجولون في مركبات مدرعة من طراز «أوشكوش» أمريكية الصنع التي بيعت ضمن صفات الأسلحة الأمريكية لقوات التحالف في اليمن، بل إن ظروف الانفلات الأمني باليمن أفضت في النهاية أن تقع كميات من الأسلحة الهائلة التي جلبت لقتال الحوثيين في أيدي الحوثيين أنفسهم، وكما يقول الباحث في معهد «جيمستاون» الأمريكي مايكل هورتون: «الميليشيات والقوات المزودة بهذه الأسلحة غالبًا ما تتاجر في الأسلحة فيما بينها، وتستخدمها كنوع من العملة، وحتى تستخدمها للحصول على قروض غير رسمية».

وبالعودة قليلًا إلى ما قبل الثورة اليمنية، وتحديدًا لفترة ما بين العامين 2004 و2011 حيث كان مصدر السلاح والعتاد المباع في اليمن هو الجيش اليمني الذي قاده آنذاك الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، فقد أفضت المعارك بين الحوثيين والحكومة اليمنية إلى السيطرة على مخزونات الجيش اليمني، وبيعت هذه الأسلحة إلى التجار، بل الأخطر أنها عناصر في تنظيم «القاعدة» استولت على مخازن الأسلحة الحكومية سواء من مواقع حول مدينة المكلا الساحلية، أو من الفارين من وحدات الجيش اليمني.

واصل التنظيم الذي يرتبط بشبكات غير مشروعة العمل في تجارة الأسلحة التي أصبحت فيما بعد مصدرًا هامًا لتمويل عملياته في شبه الجزيرة العربية، فقد أخذت عناصره تبيع ما يزيد عن حاجتها من الأسلحة، كما جنى التنظيم المزيد من المال من الضرائب التي فرضها على المهربين، واستخدم وصوله إلى الأسلحة مثل صواريخ «ATGM» أو صواريخ أرض-جو كما يعتقد في حصد امتيازات عدة أهمها ممارسة نفوذ على حركة الشباب الصومالية التي استوردت السلاح من اليمن.

ثم مع بداية حرب التحالف التي أُعلنت في 26 مارس 2015 ، عززت شبكات تهريب السلاح المنظمة قوتها في بلد لم تكن فيه الحكومة الرسمية قادرة على كبح جماح الانفلات الأمني، لتصبح أسواق اليمن مخازن كبيرة للمليشيات المسلحة التي خزنت فيها أحدث ما وصل إليها من مدافع رشاشة (هيكلر آند كوخ) إلى الدبابات المستعملة، وبالمجمل ارتفع تهريب السلاح في العقد الماضي على طول الساحل اليمني وعبر حدوده، فاليمن تمتلك حدود بحرية مميزة يمتد ساحلها على مسافة 2200 كيلومتر (1367 ميلًا)، وهي تطل على باب المندب – المضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويعد واحد من أهم الموانئ المفضلة لمهربي الأسلحة والمخدرات والأشخاص – حيث تفتقر القوات البحرية اليمنية إلى الحد الأدنى من الأجهزة لمنع عمليات التهريب تلك، وهناك أيضا ميناء المخا الذي يقع بين باب المندب وميدي في الشمال، ويستخدم أيضا لتهريب الأسلحة والمخدرات وكذلك الإتجار بالبشر من القرن الأفريقي.

العصر ذهبي لمهربي الأسلحة نحو أفريقيا

في الحقيقة، لم تكن عملية تهريب الأسلحة من اليمن نحو أفريقيا وليدة الحرب اليمنية الحالية، فقبل الحرب اعتُبر اليمن بازارًا إقليميًا في مجال تجارة الأسلحة عبر حدوده، ومع ذلك أدى إغراق البلاد بشتى أنواع الأسلحة خلال سنوات الحرب الست إلى تنشيط عمل شبكات التهريب الراسخة في البلاد بشكل غير مسبوق، حيث استفادت تلك الشبكات لحد كبير من بيئة انتشار الفوضى الأمنية التي دفعت نحو نقل كميات كبيرة من الأسلحة إلى دول القرن الأفريقي.

وفي ضوء ما سبق، شهدت السنوات الثلاثة الماضية أوج عمليات تهريب السلاح من اليمن إلى القرن الأفريقي، حيث دفعت جودة وتنوع الأسلحة نحو حمل كل ما يمكن للقوارب أن تحمله من أسلحة إلى القرن الأفريقي المتعطش للأسلحة نتيجة صراعاته المتعددة، وساهمت الظروف الأمنية غير المنضبطة في اليمن لأن تكون عمليات التهريب سهلة بشكل كبير، ففي دولة مثل جيبوتي التي تفصلها عن اليمن 20 ميلًا في مياه مضيق باب المندب، يستخدم المهربون الزلاجات المجهزة بمحركات خارجية قوية للعبور من اليمن إليها، وفي أقصى وقت تستغرق السفن الكبيرة التي تبحر من اليمن أيامًا فقط للوصول إلى السواحل الواسعة والمكتظة بالسكان في بونتلاند والصومال.

وعلى سبيل المثال دفع عطش حركة الشباب الصومالية للسلاح الأكثر تقدمًا الذي امتلأت فيه الجارة اليمنية تجار الأسلحة لتهريب مدافع الهاون المحمولة خفيفة الوزن والطائرات بدون طيار التي تطلق يدويًا، والصاروخ الموجه المضاد للدروع (ATGMs) للتنظيم الصومالي، ومن جهة أخرى استفاد القراصنة الصوماليون الذين اعتمدوا على البنادق الهجومية وقذائف «الآر بي جي» من الأسلحة الأكثر تقدمًا القادمة عبر اليمن في عمليات القرصنة خاصتهم، كما يعد كل من جنوب السودان وإثيوبيا سوقين رئيسين للأسلحة القادمة من اليمن.

في إثيوبيا التي تواجه توترات عرقية استطاع مهربو الأسلحة في اليمن تلبية الطلب الكبير على تلك الأسلحة عبر شحنها عبر منطقة أوجادين في إثيوبيا، أما في جنوب السودان الذي يعاني من الحرب الأهلية فتصله الأسلحة عبر شمال كينيا حيث تكون سيطرة الحكومة متقطعة، وتهرب بعض الأسلحة التي تصل جنوب السودان إلى الجماعات المسلحة في الدول المجاورة مثل جمهورية أفريقيا الوسطى وأوغندا.

وفي المجمل، تعد الصومال، وجيبوتي، وإثيوبيا، وإريتريا، محطات تصلها الآن الأسلحة من اليمن فيبقى بعضها فيها لتلبية الحاجة للسلاح، ثم ينقل البعض الآخر إلى دول مثل كينيا، وتنزانيا، وجنوب السودان، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وغيرها، حيث يغري انخفاض أسعار الأسلحة الجميع للعمل في هذه التجارة، ففيما تحمل قوارب التجار اليمنيين أو الأجانب بكثرة بنادق (AK47) التي لم يعد يحتاجها اليمنيون في الداخل، تُباع البندقية السعودية المصنعة (G3) بـ500 دولار في اليمن، ثم يصل سعرها في الصومال إلى ثلاثة أضعاف هذا المبلغ على الأقل، أما في إثيوبيا فيصل سعرها إلى ستة أضعاف السعر في اليمن، بل يتم بيع أسلحة أكثر تقدمًا مقابل ما يصل إلى 10 أضعاف تكلفتها في اليمن.

سباق التسلح الأوسع

على مدى ست سنوات، واصلت أطراف الحرب في اليمن التزود بالأسلحة من الدول المنتجة للأسلحة في جميع أنحاء العالم، إذ قدمت 11 دولة على الأقل المساعدة العسكرية أو سمحت بتصدير الأسلحة والذخائر والمعدات ذات الصلة إلى اليمن، فالمجلس الانتقالي الجنوبي (STC) الذي تسانده الإمارات لا تكف الأخيرة عن تزويده بالأسلحة، وكذلك القوات الحكومية التابعة للرئيس هادي والتي يزودها التحالف بالمجمل بشتى أنواع الأسلحة، ومن جهة ثالثة تجلب قوات المتمردين الحوثيين أسلحتها من إيران وغيرها.

بيد أن من يقف وراء كم السلاح الأكبر في اليمن، هما السعودية والإمارات، فالموردان الرئيسان للأسلحة التقليدية للحكومة هما من أتيا بالعصر الذهبي لمهربي الأسلحة الإقليميين في اليمن، بفضل ما استورداه من أسلحة من الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، فعلى سبيل المثال كانت السعودية ثاني أكبر مستورد للأسلحة بين عامي 2013-2017، وارتفعت صادراتها من الأسلحة إلى 25%، فيما كانت صادرات الإمارات 51%، حسب ما جاء في دراسة لمعهد ستوكهولم لبحوث السلام (SIPRI).

على جانب آخر، ضربت الدول الأوربية التي عقدت صفقات أسلحة متعددة مع السعودية والإمارات بعرض الحائط بالموقف المشترك للاتحاد الأوروبي بشأن صادرات الأسلحة الصادر عام 2008، والذي يلزم دول الاتحاد الأوروبي بتحقيق ضوابط على تصدير الأسلحة، أبرزها «رفض التراخيص عندما يكون هناك خطر واضح بأن الأسلحة قد تستخدم لارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي (القانون الإنساني الدولي)، مع مراعاة خطر تحويلهما إلى مستخدم نهائي غير مصرح به أو استخدام نهائي»، وهو ما تحقق بالفعل على أرض المعركة في اليمن حسب ما تظهر التقارير الأممية الدولية المتعددة.

الأخطر، أن تلك الدول قاومت الضغوط التي دعت لتقييد مبيعات الأسلحة لدول التحالف العربي باليمن، خاصة في أعقاب تفاقم الأوضاع الإنسانية في اليمن وحادثة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وما يزال المجتمع الدولي يفشل في اتخاذ إجراءات قوية لوقف عمليات نقل الأسلحة إلى اليمن، لذا تستمر الدول الغربية التي لديها أكبر مبيعات أسلحة إلى السعودية والإمارات، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا في تصدير الأسلحة، بل إنها تملصت من إجراءات داخلية هدفت إلى إلغاء تراخيص تصدير الأسلحة السارية إلى اليمن، ففي الولايات المتحدة التي تم قدم فيها إجراءات مدعومة من الحزبين الرئيسين تهدف للحد من مبيعات الأسلحة إلى السعودية أو وقفها، ولتقليل أو إنهاء الدعم الأمريكي للجيش السعودي في حرب اليمن، ما يزال أي إجراء حول وقف توريد الأسلحة لليمن معرض للفشل بفعل حق النقض الرئاسي.

وفي مثال آخر، يمكنا الحديث عن موقف الحكومة البريطانية التي قامت بترخيص أسلحة بقيمة 5.3 مليار جنيه إسترليني للمملكة العربية السعودية منذ عام 2015، فبريطانيا التي خلص تقرير مجلس اللوردات البريطاني في فبراير (شباط) 2019 إلى أن الدولة تقف في «الجانب الخطأ من القانون الإنساني الدولي في الموافقة على بيع أسلحة معينة إلى المملكة العربية السعودية وأعضاء التحالف الآخرين، حيث من المرجح أن تكون هذه الأسلحة متورطة في الهجمات على المدنيين»، استأنفت في يوليو (تموز) الحالي مبيعات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية، على الرغم من المخاوف من إمكانية استخدامها ضد المدنيين في اليمن، في انتهاك للقانون الإنساني الدولي.

في النهاية، فالنقاش ليس فقط على ما تسببت فيه الأسلحة باليمن من مجازر في حق المدنيين، أو الاغتيالات في مدن يمنية مختلفة، بل انتقلت لتكون وبالًا على القرن الأفريقي المثقل بنزاعاته الدموية، إذ سيبقى التهريب في البلد غير المستقر يقرب آخرين أكثر وأكثر من الموت، حيث تحول بالفعل الساحل اليمني إلى نافذة تجلب الموت بطلب من كل خصم يملك المال، ويزيد تدهور تلك الأوضاع مع تفاقم أنشطة الإمارات في جنوب اليمن، ونفوذها في القرن الأفريقي، وتوغلها في جزيرة سقطرى الهادف لتأمين وصولها إلى البحر الأحمر وخليج عدن في جنوب اليمن، والمتوقع أن الأسلحة والعتاد العسكري المقدم إلى جميع أطراف النزاع سيستمر في التدفق خارج البلاد لسنوات قادمة، وهو ما يعني أن الأسلحة ستبقى تتدفق على دول القرن الأفريقي وتزيد من تدهور أوضاع دول مثل الصومال، وإثيوبيا، والعديد من البلدان الأفريقية الأخرى.

المصادر

تحميل المزيد