2,568

الأرض خُلقت من بيضة أفعى، بعد أن شكلت البيضة نفسها بنفسها» *اقتباس من كتاب «Stories They Told Me».

الكثير من الحضارات القديمة اعتقدت أن الأفعى كائن يتمتع بقوة وطاقة كبيرة، ولذلك في بعض الحضارات كان الثعبان يرمز للحماية، أو العلاج، والقدرة على التشكل والتغير؛ لقدرة الثعبان على تغيير جلده.

ربما تكون التصورات الحالية عن الثعابين يغلب عليها أنها كائنات قاتلة تنشر سُمها في الأنحاء، ولكن الأسلاف من شتى الحضارات يختلفون مع هذا التصور السائد؛ لأنهم قدسوا وقدروا الثعابين لعقود من الزمان، لأسباب مختلفة.

في حضارة مصر القديمة.. «واجت الحامية» والخصم الجدير

كان في الحضارة المصرية القديمة بعض القناعات التي ساعدت الثعابين على تقلد تلك المكانة التاريخية، حيث ساد الإيمان بأن كل موجود في الحياة له دوره المهم في توازن الكون.

الثعبان في الثقافة المصرية القديمة كان له دوران مهمان إيجابيًا وسلبيًا، الدور الإيجابي تمثل في الإلهة «واجت» والتي جسدها المصريون القدماء على شكل ثعبان الكوبرا، ولها بعض النقوش في معبد الأقصر بمصر، وكان دور الإلهة «واجت» الرئيسي هو الحماية؛ حماية مصر السفلى، وحماية الملوك، والنساء وقت الولادة.

مكانة تلك الإلهة الوقائية في مصر القديمة كانت عالية ومهمة، وجسدها المصريون القدماء في نقوشهم بأكثر من شكل، مثل أمرأة برأسين ثعبان، أو ثعبان برأس أمرأة، ومن أسمائها المهمة هي «عين حورس» و«عين رع»، وكان على الملك الذي يحكم مصر ارتداء التاج الموضوع على مقدمته ثعبان الكوبرا؛ ليكون الحامي له والمدافع عنه أمام أعدائه.

على الجانب الآخر، كان للثعبان دور هام في الثقافة المصرية القديمة، ولكنه في هذه المرة مجسد للظلام والفوضى، الثعبان «أبيب»، خصم الإله رع في رحلته اليومية بمركبه السماوي.

الثقافة المصرية القديمة آمنت أن رع، عندما يحل الظلام، يأخذ مركبه السماوي لمعركته اليومية، وعليه الانتصار فيها حتى تشرق الشمس، ويحل الصباح على مصر في اليوم التالي، وتستمر الحياة.

في تلك المعركة السماوية يحارب رع الثعبان «أبيب» أو «أبوفيس»، والذي يجسد الفوضى، الدور الذي يقوم به أبيب في تلك المعركة هام للغاية؛ لأن المصريين القدماء آمنوا أن النظام ينبع من الفوضى، وحتى يحل النظام والعدل، تجب محاربة الظلام وقهره، إلى جانب أن المصريين القدماء كانوا يقدرون الثعبان أبو فيس، فالعدو الذي يخوض حربًا ضد الإله رع، لابد وأن يكون خصمًا جديرًا.

في الحضارة الهندية.. مهرجان الـ«ناجا» لتقديس الثعابين

في الثقافة الهندية القديمة والديانة الهندوسية، الثعبان لا يتصرف بخبث وشر إلا إذا أساء الإنسان معاملته، فيما عدا ذلك منح الهنود اسم «Naga» للثعابين، وكانوا يعتبرونها روحًا طيبة، وتنتمي للطبيعة الخيرة، وآمنوا أنها تحمي الآبار والينابيع، وتجلب الأمطار والخير لبلدهم، وبشكل عام كانت الـناجا تجسد الخصوبة والازدهار، ولذلك – في جنوب الهند – عادة ما تزور النساء المعابد التي تحتوي على منحوتات للثعبان ناجا، ويتعبدن لها من أجل منحهن الخصوبة والقدرة على الحمل والتكاثر، ولذلك فإيذاء الثعابين لدى بعض القبائل الهندية يعتبر نذير شؤم، ويسبب تأخر الزواج والتكاثر في القبيلة التي تجرأت على إيذاء الناجا المقدسة.

2تقديم الحليب والأرز والزهور للثعابين مقابل الحماية

تقديس الثعابين في الهند، لم تتوقف طقوسه عند القدماء والأجداد، بل إلى يومنا هذا لازلت طقوس التقدير والاحتفاء بالثعابين تقام مراسمها في شوارع وطرقات الهند، واليوم السابع والعشرون من شهر يوليو «تموز» يسمى يوم Nag Panchami، وفيه يخرج الهنود في الشوارع، يقدمون الحليب والزهور والأرز للثعابين، ويتلون الأدعية لتلك الثعابين بأسمائها الـ12 المذكورة في الديانة الهنوسية، وهذا في مقابل حمايتهم وحماية أسرهم طوال العام، ولذلك عندما يجد أحد الهنود ثعبانًا في بيته، فهذا دليل على الخير، وممنوع إيذاؤه تمامًا، بل إخراجه من المنزل خروجًا آمنًا.

تقديم الحليب والأرز والزهور في هذا المهرجان المقدس، تعود جذوره إلى أحد الأساطير الهندية، والتي تحكي عن ثعبان يسمى كاليا، وقد كان ثعبانًا متعدد الرؤوس وسامًا، انتشر سمه في أحد الأنهار الرئيسة في الهند حتى قام الإله كريشنا بالعفو عنه؛ لأن الثعبان كان يعتبر سمه ذنبًا ليس له اختيار فيه، ومقابل هذا العفو عادت مياه النهر نقية من السموم، ولذلك على الهنود تقديم تلك الطقوس حتى تظل المياه نقية، وتنهمر الأمطار.

«كونداليني» في الثقافة الهندية: الطاقة الساكنة للحياة

الـ«كونداليني» في الحضارة الهندية القديمة، يرمز له بثعبان يلتف حول العمود الفقري للإنسان. اعتقد الهنود أن مداخل الطاقة السبعة الرئيسة في جسم الإنسان تبدأ من قمة رأسه، مرورًا برقبته، حتى تصل إلى نهاية العمود الفقري، وكل مدخل طاقة أو Chakra كما يسمونها في الثقافة الهندية مسؤول عن جزء معين من حياة الإنسان، مثلًا المدخل الرئيس للقلب لونه أخضر، وتعبر حالته عن مدى حب الإنسان لنفسه والآخرين، إذا كان الإنسان غير قادر على الحب، سيكون مدخل الطاقة مُغلقًا ومطفأً، ولكن حين يعالج الإنسان نفسه ويبدأ في حب الآخرين، يبدأ مدخل الطاقة – كما يؤمن الهنود – في التفتح مثل زهرة، وحينما يزدهر الحب في قلب الشخص، يدور مدخل الطاقة المتفتح حول نفسه، وتصل الـ(Chakra) لقمة فعاليتها.

ثعبان الكونداليني، حسب المعتقدات الهندية القديمة يلتف حول العمود الفقري للإنسان، حينما ينجح الإنسان في موازنة جميع مداخل الطاقة في جسده، والتفاف الثعبان حول العمود الفقري يرمز إلى أن الإنسان نجح في إيقاظ الطاقة الساكنة في جسده، والتي تساعده على الإبداع والوصول إلى قمة القدرة البشرية.

ورمز قدماء الهند الكونداليني بالثعبان إيمانًا منهم أن الثعبان رمز للطاقة القوية والعظيمة في الطبيعة لما يتميز به من قوة قادرة على هزيمة كائنات أكبر منه مئات المرات.

أسطورة الثعبان الأبيض.. كيف جسدت الصين تقديرها للثعابين

الحكايات الشعبية والأساطير في الثقافة الصينية القديمة، حافلة بالثعابين التي قدموها ككائنات أسطورية لها قدرات خارقة، مثل قدرة الثعبان على التحول إلى إنسان والعكس صحيح، أو أن الثعبان له بعض الأجزاء الجسدية البشرية.

أسطورة الثعبان الأبيض من أكثر القصص الشعبية المشهورة في الصين، وقدمتها الدراما والأوبرا في عشرات من الأعمال الفنية الصينية، وتدور تلك القصة حول أنثى ثعبان أبيض تعيش في البحر، وتعلم نفسها فنون السحر وتأمل في الخلود، وبطريقة ما تستطيع الأفعى أن تتناول حبوب الخلود التي ألقاها أحدهم في البحر، ومع مرور السنين وزيادة قدرات الأفعى التي استمدتها من الخلود استطاعت أن تتحول إلى امرأة بيضاء.

قدرة الثعبان على التحول والتجسد في أكثر من هيئة تعود لقدرة الثعبان على تغيير جلده، وقد ألهمت تلك القدرة الكثير من الحضارات القديمة كرمز لقدرة الكون على منح البدايات الجديدة، وقدرة الشخص على الولادة من جديد، وهذا ما ارتكز عليه تقدير الثعابين في الحضارة الصينية.

الشافية أنجيتيا.. مكانة الثعبان في روما واليونان القديمة

روما القديمة أيضًا منحت الثعابين مكانة مميزة، وتعتبر الإلهة الرومانية أنجيتيا تجسيدًا تاريخيًا لمكانة الثعابين على مر العصور، تلك الإلهة كانت ترتدي الثعابين على كتفيها وحول رقبتها وتستمد قوتها منها، تلك القوة التي جعلت منها إلهة الشفاء في روما القديمة.

عُرف عن أنجيتيا أو إلهة الثعابين قدرتها الخارقة على الشفاء، وذلك باستخدام سم الثعابين وطاقتها، بجانب الأعشاب الطبيعية، وبقدرتها الأسطورية على ممارسة السحر من أجل الخير والشفاء، ولازالت آثار روما تحتفظ بنقوش لتلك الإلهة في أكثر من مكان، مثل معبد بعلبك الروماني بلبنان، وقد جسدتها النقوش وهي حاملة الثعابين على كتفيها كسلاح لا يفارقها.