في بلدة «معصران» بريف إدلبالجنوبي، جلس أب سوري قبل يومين غارق في أوجاعه يتفقد من نجا من عائلته، ويرمق بنظره الحزين رجال الدفاع المدني وجيرانه، لعل عيونهم تفضح المزيد من الألم الذي أخُفى عنه عطفًا على حاله، لقد قتلت زوجته وأبناؤه الأربعة في غارة بصواريخ فراغية ألقاها الطيران الحربي الروسي عليهم.

في مكان آخر، مدينة سوتشي الواقعة على البحر الأسود بروسيا، كان سوريون آخرون قد قدموا للمشاركة، في مؤتمر «سوتشي»، يرفعون علم النظام وشعاراته، ويهتفون «تحيا روسيا»، بينما العديد من المعارضين اللاجئين في بقاع الأرض يخونون حتى من خرج من بينهم للمشاركة في هذا المؤتمر، فيما انشغل المراقبون بمتابعة إمكانية تحقيق لروسيا لأهدافها من عدمه في هذا المؤتمر.

في «سوتشي».. روسيا تريد توحيد السوريين!

ذهب السوريون وأطراف أخرى لحضور مؤتمر «سوتشي» الذي يهدف لتحقيق «السلام» حتى وصل عدد الحضور إلى 1600 شخص، وذلك بعد أن حشدت روسيا قوتها الدبلوماسية لضمان أوسع تمثيل في المؤتمر، وبعد أن أكدت أن هذا المؤتمر يهدف إلى توحيد الشعب السوري بعد نحو سبع سنوات من الحرب الطاحنة، فهو فرصة للعودة إلى الحياة السلمية الطبيعية في سوريا، حسب الروس.

مؤتمر سوتشي

وفيما أرسل النظام السوري لرئاسة وفده المندوب السوري الدائم لدى الأمم المتحدة «بشار الجعفري» والمئات غيره، رفضت أطراف المعارضة السورية، وتحديدًا ممثلها الرئيسي «الهيئة العليا للمفاوضات» حضور المؤتمر استنكارًا لاستمرار الهجوم الروسي على الغوطة الشرقية وإدلب، وكذلك رفض وفد المعارضة الذي أقنعته تركيا بالمشاركة الخروج من مطار سوتشي بسبب شعارات المؤتمر الملصقة في أرجاء المطار، كما رفض قبل أن ينسحب تسلم بطاقات المشاركة لأنها تحمل علم النظام السوري أيضًا.

فيما تم إقناع الأمم المتحدة عبر عملية معقدة بإرسال مبعوثها الأممي «ستيفان دي ميستورا» للمشاركة في المؤتمر، بعد أن وافقت روسيا على شرطه بحصر مهمة تشكيل «اللجنة الدستورية وتحديد مرجعيتها وآلية عملها وأعضائها بدي ميستورا، وعملية جنيف برعاية الأمم المتحدة»، أما الدول الغربية وبعض الدول العربية، فقد أكدت أن المؤتمر  يهدف لخلق عملية سلام منفصلة ستقوض جهود الأمم المتحدة للتوصل لاتفاق للسلام وتضع الأساس لحل ملائم أكثر لـ«بشار الأسد» وحليفتيه روسيا وإيران، وأصرت واشنطن على موقفها في وضع تصور مع الحلفاء الغربيين والإقليميين لملامح الحل السياسي في سوريا.

وردًا على هذه المقاطعة، اعتبرت روسيا على لسان المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف أن: «من غير المحتمل أن تؤدي حقيقة عدم مشاركة بعض الممثلين عن العمليات الجارية حاليًا في سوريا إلى منع هذا المؤتمر من المضي قدما ومن غير المرجح أن تقوض أهمية المؤتمر على نحو خطير».

رئيسة منصة أستانة، رندة قسيس في سوتشي

ورافقت خطوات إقامة المؤتمر الذي اعتبر من شارك به «خائنًا» من قبل قطاعات من المعارضة، موجات من السخرية، فنشرت صور تسخر من شعاره المؤيد للنظام، وأخرى تسخر من دوافع مشاركة فنانين وفنانات مؤيدين للنظام، حتى نالت السخرية من برنامج المؤتمر الذي أعطى انطباعًا بأن المؤتمر أشبه برحلة سياحية إذ خصص لتناول الوجبات الثلاث (فطور، غداء، عشاء) نحو أربع ساعات ونصف، وهي أقل بقليل من الوقت الفعلي لجلسات المؤتمر المقدر بنحو ست ساعات، وفيما عاد وفد المعارضة انسحابًا كان أيضًا ضمن إطار السخرية من مؤيدي المعارضة السورية.

اليوم الأول.. روسيا تتلاعب بالجميع

في اليوم الأول للمؤتمر الذي عقد في 30 من يناير (كانون الأول) الحالي، هتف السوريون المؤيدون للنظام «تحيا روسيا» حتى اضطر وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف» لطلب الصمت منهم كي تتاح له فرصة مواصلة كلامه نيابة عن الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، ولم تكن تلك الإشكالية الوحيدة في المؤتمر، فقد «ظهرت بعض المشاكل حين علقت مجموعة من المعارضة المسلحة جاءت من تركيا مشاركتها على مطالب إضافية»، كما قال الدبلوماسي في وزارة الخارجية الروسية، أرتيوم كوجين.

وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف»

انتهي اليوم الأول للمؤتمر دون أن يتطرق بيانه للقضايا الأساسية مثل دور الأمم المتحدة والسلطة ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان واستعمال السلاح الكيميائي ووجود القوات الأجنبية على الأراضي السورية، وجاء في البيان الخاص: «اتفقنا على تأليف لجنة دستورية تتشكل من وفد الحكومة في الجمهورية العربية السورية ووفد معارض واسع التمثيل، وذلك بغرض صياغة إصلاح دستوري يسهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2254«.

لذلك رأى البعض أن مسودة البيان الختامي للمؤتمر التي تتضمن 12 بندًا، هي أقرب للاستنساخ من مسودة قدمها «دي ميستورا» في الجولة الثامنة من المفاوضات السورية بجنيف في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث نصت البنود على تشكيل لجنة دستورية لتحضير لعملية تعديل الدستور برعاية الأمم المتحدة، ووفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، ونصت كذلك على الالتزام الكامل بسيادة واستقلال سوريا، وأن الشعب السوري وحده من يقرر مستقبل البلاد، ويختار نظامه السياسي بالوسائل الديمقراطية ودون أي ضغوط.

لكن فيما بعد تسربت معلومات تتحدث عن توصل المبعوث الأممي «دي ميستورا» مع الروس إلى مسودة نهائية لـ«وثيقة سوتشي» تضمنت موافقة موسكو على شرط الأمم المتحدة، بترك تشكيل «اللجنة الدستورية»، وتحديد مرجعيتها وآلية عملها وأعضائها إلى دي ميستورا، وعملية جنيف برعاية الأمم المتحدة، وهي خطوة تقرأ لجعل أمريكا وفرنسا وبريطانيا في انتظار اختبار قدرة موسكو في الحصول على موافقة تركيا وإيران على الصيغة النهائية لـ«وثيقة سوتشي».

هل تنجح روسيا في تمرير أهدافها بـ«سوتشي»؟

«لا مكان في سوتشي لمن يعارض بقاء الأسد في الحكم، وإن إعلان المعارضة الامتناع عن حضور المؤتمر ستكون له تبعات كثيرة على الأرض»، تصريح لمبعوث الكرملين إلى سوريا «ألكسندر لافرينتييف».

فنانون سوريون موالون للأسد في سوتشي

يتوافق هذا التصريح مع اعتقاد المعارضين لسوتشي أن روسيا التي عملت على إحداث انقسام في صفوف المعارضة السورية تسعى لتغييب المطالب الأساسية للشعب السوري وأبرزها رحيل النظام، وهو كذلك يؤكد شكوك المعارضة في النوايا الروسية الهادفة إلى إبقاء «الأسد» في السلطة والالتفاف على مؤتمر جنيف والقرارات الدولية خاصة القرار رقم 2254، وينقل موقع «الجزيرة نت» عن رئيس دائرة الإعلام بالائتلاف، أحمد رمضان قوله : «إن روسيا تحاول فرض حل أحادي في سوتشي، ولا يمكن تمرير هذه الصفقة الروسية في سوتشي أو غيرها من خلال سحب البساط السياسي من جنيف إلى هناك، فموسكو تضع حلولًا بالاستناد إلى مفهوم المنتصر والمهزوم في ظل غياب مشاريع دولية للحل السياسي».

وبالرغم من أن موسكو تؤمن أن دخول سوتشي ومقرراته على خط مسارات الحل السياسي للأزمة السورية يعد نجاحًا في حد ذاته، وتأمل أن تحمل العديد من الأطراف التي حضرت المؤتمر المقاربة الروسية في الاستحقاقات القادمة، إلا أنه لا يخفى على المعارضة السورية بالذات أن موسكو تريد إقرار دستور وفق رؤيتها، فضلاً عن بحث المؤتمر عن آلية لإعادة تأهيل النظام وبقائه – كما أسلفنا – وذلك عبر المشاركة الكبيرة للشخصيات تدين معظمها بالولاء للنظام ولروسيا، فالروس الذين يملكون أوراقًا مهمة، تمكنهم من فرض حل معقول على الطاولة أفضل بالضغط على النظام وإيران، لن يستطيعوا إقناع شركائهم في «جنيف» بأهدافهم، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، التي من الصعب تبديل نظرتها إلى مؤتمر سوتشي، وإمكانية جعله جسرًا للعبور الروسي  إلى تسوية تتم في «جنيف»، خصوصًا بعد الفشل الذريع الذي أصاب دورتيه الأخيرتين «8» و«9» في جنيف وفيينا على التوالي.

الرئيس الايراني حسن روحاني، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين

ويصر المعارضون السوريين على أنه لا يمكن التفاوض مع روسيا التي تحتل بلدهم، وإنما المفاوضات المرضية لهم هي مفاوضات تتم تحت مظلة الأمم المتحدة وخارج الأراضي الروسية، ولذلك لا توجد مؤشرات كبيرة على تحقيق النجاح الذي تأمله موسكو من المؤتمر لحل الأزمة سوريا، خاصة أنها فشلت في تحقيق قوة تمثيل أطراف هامة تشارك في سوتشي، وهو أمر أقر به المتحدث باسم الكرملين«ديمتري بيسكوف»، حين قال «يدرك الجميع أن تحقيق انفراجة فورية في عملية السلام السورية ليس ممكنًا على الأرجح. الأمر الوحيد الممكن هو العمل الصبور والتدريجي والمفصل الذي يمكن أن يجعلنا نمضي للأمام. من هذا المفهوم سيكون المؤتمر خطوة مهمة بناءة جدًا على هذا الطريق».

«المقايضة الأخيرة».. عفرين مقابل سوتشي

شُغلت تركيا قبل بدء مؤتمر سوتشي، بمسألة المشاركة الكردية فيه من عدمها، فطلبت من روسيا استبعاد حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية من هذا الحضور وبالفعل استجابت روسيا لتلك المطالب.

«عفرين» تتجهز للحرب.. ما هي خيارات تركيا في مواجهة الأكراد وأمريكا في سوريا؟

وفيما غاب الأكراد عن المؤتمر مقاطعة، واعتبر ذلك أحد عوامل فشل الجهد الروسي المبذول لتنظيم هذا المؤتمر، صُدم الأتراك أمس بظهور التركي السوري «معراج أورال» (علي كيالي) وهو يصافح رئيس منصة موسكو، قدري جميل، حيث يقود «أورال» ميليشيا مسلحة موالية للنظام السوري تنشط في شمال غرب سوريا، وقد عجلت تركيا بالمطالبة بطرد «أورال» من سوتشي حيث تتهمه بالوقوف وراء تفجير بلدة ريحانلي، بولاية هاطاي جنوبي تركيا، عام 2013.

 «معراج أورال» يصافح رئيس منصة موسكو، قدري جميل (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

وبعيدًا عن المواقف التركية السابقة، يمكن القول أن تركيا لها دورها في هذا المؤتمر، حيث يعادل حضورها بالنسبة لموسكو أو يفوق حضور المعارضة السورية ذاتها، وذلك لجملة الأوراق التي تحملها أنقرة في الملف السوري، وكذلك لدورها في إضفاء الشرعية على المؤتمر بغض النظر عن نتائجه ومقرراته، وقد ضغطت تركيا على الفصائل السورية وهيئة التفاوض للمشاركة في المؤتمر، وحين انسحب وفد المعارضة بالأمس، توكل الوفد التركي بأعماله، كما حاول الرئيس التركي «تبييض وجهه» قبل المؤتمر بمطالبة روسيا وقف هجمات النظام السوري على إدلب والغوطة الشرقية، من أجل نجاح قمة سوتشي.

ويرى المراقبون أن تركيا التي كانت مهتمة بالتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين والإقليميين، باتت أقرب إلى الشريك الروسي، الذي أعطاها الضوء الاخضر للعملية العسكرية الجارية في منطقة عفرين مما مهد الطريق أمام المؤتمر، يقول الصحافي السوري، إياد الجعفري: «الأتراك ظهروا خلال المقايضة الأخيرة، أميل للروس، إذ دعموا مؤتمر سوتشي، وسط تسريبات إعلامية عن ضغوط تركية على المعارضة السورية، لحضور المؤتمر. وكان الأتراك، كما يبدو، قصيري الأفق استراتيجيًا، إذ انحصر اهتمامهم بتحصيل أكبر مكاسب لهم في الشمال السوري، وتحديدًا، في القضية الكردية. وكان الضوء الأخضر الروسي، الممنوح لتركيا في عملية عفرين كفيلاً باستمالة الأخيرة لصالح سوتشي»، ويضيف في مقاله بموقع «المدن» اللبناني: «إلا أنه في الوقت نفسه، تجري محاولات أوروبية وأمريكية، لاستمالتها من جديد، إلى صف الغرب. محاولات بدأت في زيارة أردوغان إلى باريس منذ أسابيع. وتتواصل الآن بين واشنطن وأنقرة خلال العملية العسكرية للأتراك في عفرين».

المصادر

تحميل المزيد