أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة في ألمانيا تقدمًا لحزب الاشتراكيين الديمقراطيين، بقيادة أولاف شولتس، بفارق بسيط عن غريمهم التاريخي حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الذي يمثل يمين الوسط، والذي قادته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، منذ عام 2002، واستمرت في منصب مستشارة ألمانيا منذ انتخابات عام 2005 وحتى اليوم.

وحصل كلٌّ من الاشتراكيين الديمقراطيين ومعسكر المحافظين على نسب 25.8% و24.1% من الأصوات، على التوالي، ولا تسمح هذه النسبة لأيٍّ من الحزبين بانتخاب مستشار ألمانيا القادم، ولكن يحتاج كلٌّ منهما إلى التحالف مع أحزاب أخرى لتأمين نسبة «النصف زائد واحد».

Embed from Getty Images
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل

وتعد الانتخابات التشريعية الحالية محطة أساسية في تحديد هوية المستشار القادم لألمانيا، ولأول مرة منذ 16 عامًا لا تترشح أنجيلا ميركل لهذا المنصب، ويترشح من الحزب شخصية أخرى هو آرمين لاشيت، قائد الحزب الحالي.

وحتى الآن تبدو فرص الاشتراكيين الديمقراطيين في تشكيل الحكومة القادمة وحيازة المستشارية مرتفعة، مع بقاء فرصة للمحافظين لتشكيل التحالف اللازم وتغيير الوضع، وفي هذا السياق أعلن أولاف شولتس مرشح الاشتراكيين عزمه على تشكيل تحالفٍ ثلاثي مع حزب الخضر المناصر لقضايا البيئة، والحزب الديمقراطي الحر الليبرالي، فما هو تاريخ حزب الاشتراكيين الديمقراطيين؟ وما أهم سياساتهم على مستوى الداخل والخارج؟

نهج سياسي متقلب لأقدم حزب في ألمانيا

ينطبق مصطلح الاشتراكيين الديمقراطيين على حركات سياسية متباينة في دول عديدة حول العالم، والاشتراكية مذهب سياسي واقتصادي يسعى إلى إعادة تنظيم المجتمع بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الرفاهية للجميع، وتختلف الاشتراكية الديمقراطية عن مثيلتها الثورية التي تؤمن بالانتقال نحو الاشتراكية بالثورة وحدها؛ إذ يرى الاشتراكيون الديمقراطيون أن الطريق الأمثل نحو الاشتراكية يكمن في اتباع الأساليب التدريجية، والانتقال السلمي إليها عن طريق الديمقراطية.

ولاحقًا أصبحت كثير من الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية تؤمن بدولة الرفاه الرأسمالية التي توفر حدًّا أدنى من الرفاهية لشعوبها، وتضمن لكل أفراد المجتمع الحد الأدنى من مستويات المعيشة من خلال إعادة توزيع الموارد والضرائب المتدرجة والبرامج الاجتماعية التي تشمل الجميع، ومنها الرعاية الصحية والتعليم، وترى تلك الأحزاب أن بناء دولة الرفاه أكثر أهمية من تحقيق الاشتراكية سواءً عبر الثورة أم عبر الانتقال السلمي والتدريجي، ويعد الحزب الاشتراكي الألماني أبرز الداعمين لهذا الاتجاه عالميًّا.

دولي

منذ شهرين
مترجم: كيف تغلب الحزب الاشتراكي الديمقراطي بقيادة شولتس على حزب ميركل؟

تأسس حزب الاشتراكيين الديمقراطيين في ألمانيا في نهايات القرن التاسع عشر، وهو أقدم حزب في ألمانيا، وقد عمل منذ تأسيسه على تمثيل العمال وتنظيمهم وإقامة النقابات العمالية، فيما أسهم في إقامة الديمقراطية في ألمانيا، سواءً بعد سقوط الإمبراطورية الألمانية بسبب الحرب العالمية الأولى، أو بعد انتهاء حكم النازيين.

وفي الخمسينيات انقسم الحزب إلى فرعين أحدهما ألمانيا الغربية الذي تخلى عن فكرة تمثيل الطبقة العاملة لصالح السعي نحو تمثيل الشعب الألماني بكل طبقاته، وتبادل الاشتراكيون السلطة مع المحافظين، أما الفرع الثاني للاشتراكيين الديمقراطيين في ألمانيا الشرقية فقد اضطروا للاندماج في الحزب الشيوعي الحاكم، نظرًا إلى طبيعة حكم الشيوعيين المدعومين من السوفيت الذين لم يسمحوا بوجود أحزاب أخرى، وبعد توحيد ألمانيا تلاشى الحزب الشيوعي ليوحد الاشتراكيون حزبهم الذي استمر في تبادل موقع السلطة مع المحافظين.

«الاشتراكي» الذي أنقذ الاقتصاد الألماني وضحى بحكمه

في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين شهدت مسيرة الحزب انعطافة مهمة عن مبادئ الحزب الأساسية للدفاع عن العدالة الاجتماعية في ألمانيا وحقوق الموظفين والعمال، أدت إلى تراجعه وخسارة السلطة في انتخابات عام 2005، لصالح أنجيلا ميركل وحزب المحافظين، الذين بقوا في السلطة بعد ذلك إلى الآن، فكيف انقلب الحزب على مبادئه؟

في تلك المرحلة من حكم الاشتراكيين الديمقراطيين شهدت ألمانيا تباطؤًا اقتصاديًّا بمعدلات بطالة مرتفعة بالنسبة لدولة متقدمة، بلغت أكثر من 11%، وتطلب الأمر وضع سياسات اقتصادية جديدة لحل أزمة التباطؤ، لا سيما أن الاتحاد الأوروبي حدد مهلة نهائية لحل المشكلات الاقتصادية في ألمانيا تنتهي عام 2010، وذلك وفقًا للاتفاق الذي يتلزم به أعضاء الاتحاد بشأن الحدود العامة للسياسة الاقتصادية التي يجب الالتزام بها.

Embed from Getty Images

المستشار الألماني السابق جيرارد شرودر

وقد قدَّم المستشار الألماني من حزب الاشتراكيين الديمقراطيين، جيرارد شرودر، عام 2003، خطةً لتنفيذ ذلك، عُرفت بـ«أجندة 2010»، التي رحب بها المحافظون والشركات، بينما انتقدها اليساريون والنقابات العمالية، وقضت الأجندة بتعديل قوانين الرعاية الاجتماعية في ألمانيا.

فقد كانت الدولة تضمن للمتعطلين عن العمل دفع مستحقات مالية حتى انتهاء فترة تعطلهم، وتُسهِّل شروط انطباق الدعم عليهم، وتمنحهم مُهَلًا كبيرة قبل انقطاع الدعم، فقضت الأجندة الجديدة بتقليل تلك النفقات وتقليص مدة الدعم وتصعيب شروط الحصول عليه، بهدف تشجيع الألمان المتعطلين عن العمل على السعي للتوظيف وعدم الاعتماد على الدعم الحكومي. 

ومن ناحية أخرى، سهَّلت هذه التعديلات إجراءات التوظيف من جهة وإجراءات الفصل من العمل من جهة أخرى، لتجعل سوق العمل أكثر مرونة، ما يعني عدم وجود أمان وظيفي لدى الكثير من العمال، وبالتالي زيادة إنتاجيتهم في ظل خوفهم الدائم من الفصل وتعيين موظفين آخرين.

وعملت حزمة التعديلات في الأجندة بشكلٍ عامٍّ على تقديم المكافأة لمن يعمل، وعقاب المتعطلين إن لزم الأمر وضمن شروط معينة، وكانت القوانين في المجمل في صالح المُشغلين على حساب الموظفين، فقد سمحت أكثر بالعمل بدوام جزئي؛ وهو أكثر تفضيلًا للشركات في حال إرادتها فسخ العقد وتعيين موظفين جدد، كما أنه يخفض نفقات الموظفين، ونظرًا إلى طابعه المؤقت فإنه يضع الموظفين في حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل. 

لاقت الأجندة هجومًا كبيرًا من طرف النقابات العمالية والتيارات اليسارية في ألمانيا، وهم مكوِّن رئيس من القاعدة التصويتية لحزب الاشتراكيين الديمقراطيين، وعدُّوا إقرارها انقلابًا على مبادئ الحزب وتاريخه، ومع ذلك أصر الحزب تحت قيادة شرودر على الاستمرار في الأجندة.

ويُعزى للأجندة الفضل في إنعاش الاقتصاد الألماني وتحقيق النمو وتخفيض نسبة البطالة، حتى إن المستشارة المحافظة أنجيلا ميركل ثمَّنت موقف سلفها شرودر على شجاعته في انتهاج هذه السياسة، التي أبقى عليها المحافظون لاحقًا وحصدوا كثيرًا من التأييد بسبب نتائجها الفعَّالة، بعد أن أفقدت حزب الاشتراكيين الديمقراطيين الكثير من قاعدتهم الجماهيرية.

طريق الاشتراكيين الديمقراطيين للعودة للحكم

بقي الاشتراكيون الديمقراطيون خارج السلطة تمامًا لثماني سنوات كاملة، واشتركوا في تحالف بوصفهم طرفًا أضعف مع المحافظين لثماني سنوات لاحقة، كان آخرها الحكومة التي شُكلت بعد انتخابات عام 2017 (رغم اعتراض الجناح الأكثر يسارية في الحزب) ليدخل الاشتراكيون الديمقراطيون الحكومة بأكثر من سياسي، كان أهمهم مرشح الاشتراكيين الديمقراطيين لمنصب المستشار حاليًا، أولاف شولتس. 

Embed from Getty Images

أولاف شولتس زعيم الاشتراكيين الديمقراطيين

في عام 2019 عقد الحزب انتخاباته الداخلية وسط انقسام بين جناح يساري وآخر محافظ، وانتهت الانتخابات بفوز التيار اليساري، وخسارة أولاف شولتس مرشح الجناح المحافظ للانتخابات الداخلية، لكن في خطوة مفاجئة اختار الجناح اليساري شولتس تحديدًا لقيادة الاشتراكيين الديمقراطيين في الصراع على منصب المستشار، وجرى تقديم شولتس في دعاية الحزب على أنه الخليفة الطبيعي لميركل، وأفضل المرشحين بخبرته الحكومية السابقة، التي كان آخرها خدمته وزيرًا للمالية في حكومة ميركل عام 2018.

ونجح الحزب بقيادة شولتس في رفع شعبيته في الانتخابات التشريعية، ففي الربيع الماضي كانت استطلاعات الرأي تظهر أن الحزب سيحصد 15% فقط من الأصوات، لكن الحزب استطاع أن يرفع نسبة تأييده إلى 25.8% من الأصوات في الانتخابات الحالية، وهو ما يُعدُّ نجاحًا لافتًا للحزب ولدور شولتس فيه، ويمنح الحزب فرصةً كبيرةً لتشكيل الحكومة وإخراج المحافظين بعد كل هذا الوقت في السلطة.

نهج حكام ألمانيا المحتملين في السلطة 

لا يُتوقع أن تختلف السياسات الداخلية والخارجية في ألمانيا بشكل جذري بعد تفوق الاشتراكيين الديمقراطيين على المحافظين، فالحزبان الكبيران في ألمانيا ينتميان لأحزاب الوسط، وإن مال أحدهما نحو اليمين والآخر نحو اليسار، لكنهما يختلفان على مستوى البرامج التفصيلية التي ينويان تطبيقها حال وجودهما في السلطة، وتنشر الأحزاب الألمانية بيانًا انتخابيًّا يوضح البرامج التي ينوي كل حزب اتباعها على مستوى السياسة الداخلية والخارجية، فما الخطوط الأساسية للبرامج المتوقع اتباعها من قِبل الاشتراكيين الديمقراطيين؟

  • السياسة الداخلية:

نأى الاشتراكيون الديمقراطيون بأنفسهم عن «أجندة 2010» طويلًا، فقد كانت تكلفتها السياسية باهظة على الحزب، وساهمت في إبعاده عن قيادة ألمانيا طوال الـ16 عامًا الماضية، فرغم نجاح الأجندة في إنعاش اقتصاد ألمانيا، فقد كان لها أثر سلبي كبير في العمال والموظفين، وأفقدت بذلك الاشتراكيين الديمقراطيين جزءًا من دعمهم الشعبي.

ولذا صار الخط العام للحزب يدفع لإعادة إصلاح السياسات والقوانين التي قدمتها الأجندة، وفي هذا السياق، دخل الحزب معركة انتخابات عام 2021 بوعود وبرامج انتخابية تشبع الرغبة في إصلاح ما قدمته الأجندة، والعودة إلى مبادئ الحزب الأساسية، فما أوجه هذه السياسة الموعودة؟ 

يرى الحزب أن من وظيفته أن يخفف الضغط على الشرائح الأدنى والمتوسطة، ويعيد جزءًا من الدعم للعمال والموظفين، ويُحسن أوضاعهم المعيشية من جديد؛ لذا يقترح رفع الضرائب على الشرائح الأغنى في ألمانيا، وإعادة فرض الضريبة على الثروة وليس على الدخل فقط.

إذ يسعى الحزب لتمكين الدولة من الإبقاء على معدلات إنفاقها ورفعها سواءً في مجالات الاستثمار أم في دعم الشعب الألماني في التعافي من آثار جائحة كورونا، بينما يرفض المحافظون رفع الضرائب، ويرغبون بتخفيض نفقات الدولة، وكذلك اقترح الحزب إطالة مدة تقديم دعم البطالة، وتخفيف شروط منحها للمتعطلين عن العمل، ورفع الحد الأدنى للأجور، في مسعى لاستعادة ثقة القاعدة التصويتية للحزب.

  • السياسة الخارجية والموقف من المهاجرين:

يتفق المحافظون والاشتراكيون الديمقراطيون على أهمية الدور القيادي لألمانيا في الاتحاد الأوروبي، وضرورة تعزيز دور الاتحاد الأوروبي في السياسة العالمية، ولكن الحزبين يختلفان في نظرتهما إلى الشأن العسكري المتعلق بالاتحاد الأوروبي، فبينما يدعم الاشتراكيون الديمقراطيون تشكيل جيش أوروبي، يرى المحافظون ضرورة الحفاظ على جيشٍ لكل بلدٍ، مع تعزيز التعاون والتشارك بين هذه الجيوش، ولا يوافق الاشتراكيون على سياسة الاتحاد الأوروبي بتحديد سقف للإنفاق العسكري لكل بلدٍ، على عكس المحافظين.

ويتفق الحزبان أيضًا على العلاقة المهمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكن الاشتراكيين الديمقراطيين يسعون لبدء صفحة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة، تأخذ بعين الاعتبار الإبقاء على الشراكة معها وتطويرها، مع بناء القدرات الأوروبية المستقلة عن الناتو في الوقت نفسه، وكان للحزب موقف تاريخي في عدم الانضمام للحرب الأمريكية ضد العراق عندما كان في السلطة. 

وبخصوص العلاقات مع روسيا يتفق الحزبان في انتقاد كثير من سياسات روسيا الخارجية، مثل ضم القرم والعداء الروسي تجاه أوكرانيا، والهجمات السيبرانية، ولكن الحزبين يملكان مقاربات مختلفة للتعامل مع روسيا، فبينما يدعم المحافظون الإبقاء على العقوبات ضدها، يرغب الاشتراكيون الديمقراطيون في إزالة العقوبات، وتحقيق تعاون أكبر معها دون الموافقة على جميع سياساتها الخارجية.

ولا يختلف الموقف من الصين كثيرًا، فالحزبان يريان ضرورة التعاون مع الصين في بعض الملفات، مثل الشراكة الاقتصادية، والتعاون في ملف الاحتباس الحراري والبيئة، ويريان الصين شريكًا ومنافسًا اقتصاديًّا في الوقت نفسه.

ويتخذ الحزبان موقفين متناقضين بشأن انضمام تركيا الكامل للاتحاد الأوروبي، فقد عارض المحافظون دائمًا انضمامها الكامل للاتحاد الأوروبي، ودعت أنجيلا ميركل في السابق لإيقاف محادثات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، بينما يؤيد الاشتراكيون الديمقراطيون انضمام تركيا الكامل للاتحاد الأوروبي من حيث المبدأ، ويدعون لاستئناف المحادثات كما ينص عليه بيان الحزب في الانتخابات.

دولي

منذ شهرين
مترجم: 7 نقاط تشرح لك نتائج الانتخابات الألمانية حتى الآن

ويختلف الحزبان في نظرتهما إلى مسألة المهاجرين واللاجئين في ألمانيا؛ إذ يرغب المحافظون في تخفيض أعداد المهاجرين إلى ألمانيا، ويرون ضرورة تنظيم مسألة الهجرة أكثر، ووضع قوانين تحد من الهجرة دون أن تمنعها بالكامل، نظرًا إلى الفوائد التي تحصل عليها ألمانيا من المهاجرين، بينما يحمل الاشتراكيون الديمقراطيون وجهة نظر مؤيدة للهجرة واللجوء السياسي في ألمانيا خاصةً، وأوروبا بشكلٍ عام.

فعلى مستوى ألمانيا يرى الحزب ضرورة إدماج اللاجئين الحاليين في المجتمع الألماني، وزيادة قبولهم اجتماعيًّا، والحد من التمييز ضدهم، ويرى أن من واجب الدولة دعمهم لتحقيق ذلك، كما يؤيد الاشتراكيون حق المهاجرين في حمل جنسية أخرى بالإضافة إلى الجنسية الألمانية، وتخفيض الوقت اللازم بالنسبة لهم لنيل الجنسية الألمانية.

كما يرغب الاشتراكيون الديمقراطيون في إنشاء نظام لجوء على المستوى الأوروبي، وتطوير آليات توزيع اللاجئين على الدول الأوروبية، وتوفير سبل شرعية وقانونية للاجئين لتسهيل وصولهم، بدلًا من وصول بعضهم بطرق غير شرعية إلى البلدان الأوروبية، بالإضافة إلى ضرورة عمل الاتحاد الأوروبي على مكافحة أسباب اللجوء في البلدان التي تعاني أزمات تدفع بشعوبها إلى اللجوء.

المصادر

تحميل المزيد