يُعتبر حق السكن من الحقوق الأساسية للمواطنين، التي تُلزم الدُول بتوفيره لهم، ليس فقط لسد احتياج أساسي لدى البشر في إيجاد المأوى، ولكن لأن وجود سكن ملائم لمواطنين، بخاصة المحتاجون منهم، يجنب البلاد الكثير من المظاهر، مثل التشرّد، وانتشار جرائم السرقة، وبيع المخدرات، وانتشار العشوائيات وسوء تخطيط المدن، والضغط على بناها التحتية، كوسائل يحاول بها من لا يملكون المأوى توفيره.

«الحق في السكن الملائم»، هو أيضًا حق معترف به في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وواحد من الحقوق التي يتضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما أنه حق تكفله الدساتير العربية لمواطنيها، إما عن طريق إتاحة الفرصة لمستثمرين في إنشاء مبانِ يقوم الناس على حيازتها بمقابل مادي يتحكم فيه العرض والطلب، أو من خلال برامج للسكن تراعي محدودي الدخل ممن لا يستطيعون توفير وحدات بأسعار السوق.

وتُشرف الحكومات على هذه البرامج، إما بإشراف كامل بالبناء والتمليك وتحديد الشروط الملائمة لمن يستحقون السكن، أو بإتاحة الفرصة لشركات مقالاوت ومستثمرين للقيام ببناء وحدات بشروط وسمات محددة، يمتلكها مواطنون من شرائح اجتماعية واقتصادية وديموغرافية محددة، لكن ولأسباب كثيرة، لا يتحصل المستهدفون من هذه الوحدات على حقوقهم في تملكها، لأسباب اقتصادية وقانونية، وأخرى متعلقة بالرقابة، أو بقصور البرامج نفسها عن سد احتياجات الفئات المستهدفة.

دول الرفاه الخليجية ينقصها سكن

تُعد دول الخليج من أكثر الدول العربية، قربًا من مصطلح «دولة الرفاه»، بسبب التطور والتمدّن الكبير الذي تشهده مدنها، لكن، وبحسب دراسة أصدرت عن مركز الخليج للأبحاث، جامعة كامبريدج، فإن تمدن الخليج يرافقه زيادة في تكلفة البناء، الأمر الذي يحرم فئة عريضة من المواطنين من امتلاك منازلهم أو سكنهم الخاص.

وتذكر الدراسة أن مسألة السكن لا تقتصر فقط على المواطنين، رغم أنهم الفئة المستهدفة من برامج السكن في الخليج، إلا أن طلب الوحدة السكنية من أي كان، يساهم في ارتفاع وانخفاض أسعارها، وتلجأ دول الخليج إلى التعاون من أجل إيجاد مشاريع سكن اجتماعي بأسعار مناسبة، حتى تتغلب على مشكلة ارتفاع الأسعار.

وكان تقرير صادر عن الأمم المتحدة توقّع أن يسجّل التعداد السكاني في المدن الخليجية نموًا بمعدل 2.1 بالمئة سنويًّا، مع توقعات بأن يصل تعداد سكّان دول مجلس التعاون الخليجي إلى 52.9 مليون نسمة بحلول العام 2020، وهو ما سيؤدي إلى انفجار أزمة في السكن بحسب خبراء.

وتحاول المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، من خلال وضع نظام يعتمد فيه الموظف على «قسائم الإيجار» التي تساعده به الحكومة السعودية لإيجاد الدخل المناسب، كما تضع برنامجًا يتضمن إعانة المستثمرين الذي ينوون بناء سكن لمحدودي الدخل، بحسب صحيفة المدنية السعودية.

متى ينتهي «السكن الهش» في الجزائر؟

تُعتبر أزمة «السكن الهش» أو بيوت الصفيح من أكبر أزمات الحكومة الجزائرية، وهو شكل عشوائي للبيوت، مكون من الصفيح والكرتون، تعيش فيه أسر محدودة الدخل، ويحيط بالعاصمة الجزائرية من كل اتجاه، بسبب غلاء المساكن العادية، وعدم قدرة المواطنين على دفع إيجارها.

وتُرجَع أسباب أزمة السكن الهش، والعشوائي إلى الهجرات المتلاحقة والمضطردة من الريف الجزائري إلى مدنه، والتي تزايدت في التسعينات بسبب الانفلات الأمني الذي عانت منه الجزائر على يد جماعات متطرفة، الأمر الذي جعل 75% من الجزائرين يعيشون في المدن. تزايدت حجم الأزمة مع تقاعس الحكومة الجزائرية عن حلها حتى مع بداية الألفية الجديدة، وخفوت المشاكل الأمنية، حتى أعلن برنامج طموح لإنهاء الإسكان الهش، لم يتم البدء في تنفيذه إلا في 2014، بحسب صحيفة السفير.

وعلى الرغم من رصد ميزانيات كبيرة لهذه البرامج، إلا أن هذه البرامج مشكلتها الكبرى سوء التوزيع، الذي يخضع لعوامل مثل المحسوبية، وعدم الشفافية في حصر المستحقين، بالإضافة إلى العزلة الاجتماعية التي تفرضها المساكن الجديدة على أصحابها من سكّان المساكن الهشّة سابقًا.

Shanty_housing_in_Hong_Kong
هذه العزلة أدت إلى الكثير من المشكلات الاجتماعية التي فرضت على الناس، فأصبحوا مضطرين لقطع صلاتهم وعلاقاتهم بمن يعرفونهم في العاصمة، بالإضافة إلى فقد بعضهم وظائفهم التي كانت في مناطق العاصمة الجزائرية، وتوقف آخرون عن التحصيل العلمي، أشهر مثال على هذه النتائج هم سكّان حي الرملي، الحي الذي شهد بناء المساكن الهشة الأولى قرب العاصمة الجزائرية، ويأسف أصحابه على تركه بعد أن تم إقصاؤهم في مساكن تبعد عن العاصمة 40 كم، بدون مواصلات نقل جماعية.

في مصر.. سكن «محدودي الدخل» ليس لمحدودي الدخل

تتمثل مشكلة برامج السكن الاجتماعي في مصر في عدم تناسب شروط حيازة أو إيجار الوحدات السكنية من قبل، فبحسب صحيفة «فيتو» المصرية، فإن عددًا كبيرًا من المصريين محرومون من امتلاك وحدات السكن الاجتماعي بسبب شروط الحصول على تلك الوحدات.

مثلًا، فإن قيمة الحجز ارتفعت من 5 آلاف جنيه مصري إلى 9 آلاف جنيه مصري، وهو ما يشكل مشكلة كبيرة بالنسبة لمجتمع يعيش 90% منه بأقل من 5 آلاف جنيه (500 دولار(، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

كما أن واحدة من شروط امتلاك وحدات الإسكان الاجتماعي هي وجود شهادة تأمينية، وهو ما يحرم عددًا كبيرًا من العاملين بالأنظمة غير الرسمية في مصر، وغير المؤمن عليهم، خاصةً العمال والمهن الحرفية من امتلاك السكن.

أيضًا هناك اشتراط وزارة الإسكان دفع المواطن 4 آلاف جنيه كل 3 أشهر، بواقع ما يقرب من 25 ألف جنيه كل سنة، في وقت لا يجني أغلب الفقراء ومحدودي الدخل في البلد هذا المبلغ سنويًّا كدخل كامل، ناهيك عن إدخاره لدفع أقساط وحدات السكن الاجتماعي.

في دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن شرط الدخل في مشروع الإسكان الاجتماعي يحرم 40% من المصريين حق امتلاك وحدات فيه، أي أنهم محرومون من نحو 7.8 مليار يتم إنفاقها على برامج الإسكان من الموازنة، بالإضافة إلى منعه ثلثي المصريين من اقتناء وحدات لكونهم يعملون في القطاع غير الرسمي.

المغربيون يشكون جودة المساكن المتدنية

رصدت فرانس24 شكاوى مغربيين من تدني الوحدات السكنية التي يتم إنشاؤها خلال برامج السكن الاجتماعي، هذا في ظل غياب للمرافق الحيوية حول هذه المنشآت السكنية؛ مما يزيد الأمر سوءًا، ويرصد التقرير تشققات في زوايا إحدى الشقق، وتشبعه بالمياه.

وزارة السكنى والتعمير المغربية اعترفت بوجود شكاوى بالفعل بسبب جودة المباني التي يتم إنشاؤها لمحدودي الدخل المغاربة، لكن محمد نبيل بنعبدالله، الوزير المسؤول، يقول إنها كانت في بدايات المشروع فقط، وهذه المشاكل تم تجاوزها.

لكن، وبحسب الجديد برس المغربية، فإن خبراء قد وضّحوا أن تكلفة السكن الاجتماعي بالمغرب مرتفعة مقارنة بجودته، بالإضافة إلى وجود أغلب هذه المشاريع في ضواحي المدن؛ مما يثير مشاكل النقل الجماعي والخدمات الأساسية المقترنة بالمدن والسكن.

ويقول إدريس إيفينا، أستاذ الاقتصاد بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، إن سياسة السكن الاجتماعي تفتقر إلى تخطيط يراعي احتياجات السكن، كما أنها تساهم في إثراء المقاولين في الوقت الذي تغيب فيه الرقابة على هامش الربح في السكن الاجتماعي.

كما أوردت صحيفة العربي الجديد، أن شقق السكن الاجتماعي يتم استخدامها كأداة مضاربة وربح من قبل الميسورين، حيث يقومون بشرائها وبيعها في وقت لاحق بسعر أعلى، أو شراء أكثر من شقة بالتحايل على القانون المغربي من خلال كتابة أسماء أولاد قصّر أقرباء لمن يريد الشراء، وغيرها من الطرق التي تحرم المستفيد الحقيقي من التملك، وتكثّر من عدد الشقق المقفلة في مشاريع السكن الاجتماعي.

وتشير الأرقام إلى وجود ما يقرب من 110 آلاف وحدة سكنية يجب إعادة تصميمها، و23 ألف مسكن من الصفيح يتوجب هدمه، و20 ألف وحدة سكنية آيلة للسقوط وجب إعادة ترميمها، بالإضافة إلى حاجة المملكة المغربية لبناء 642 ألف وحدة سكنية، لتواكب ارتفاع الطلب على السكن، والنمو الديموغرافي للبلاد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد